صحيفة "كيهان" الإيرانية

27/5/1997

الباحث السوري الأستاذ نصر شمالي في حديث لـ "كيهان" في دمشق:

الشعب التركي المسلم هو المتضرر الأول من تحالف تل أبيب- أنقرة

حاوره في دمشق: حميد حلمي زاده

 

·  في حوار أجراه مندوب كيهان في دمشق مع الصحفي والباحث السوري الأستاذ نصر شمالي حول تحديات التحالف التركي – الإسرائيلي القائم أطل علينا هذا الكاتب الذي تقلد فيما مضى مسؤوليات سياسية ودبلوماسية وإعلامية كبرى في الجمهورية العربية السورية، برؤى وأفكار جديدة ذات طبيعة عربية تقويمية محايدة حيال تاريخ المنطقة الإسلامية إلى فترة ما قبل نشوب الحرب العالمية الأولى وظهور مرحلة الاستعمار الغربي. ولهذا فأننا نعتقد أن الحديث التالي سيحمل إلى قرائنا في الداخل والخارج مواصفات خاصة، نورده كما يلي:

 

* يصف المحللون التحالف الصهيوني- التركي بالتحالف الذي لم يسبق له مثيل بين البلدين. وقد وقعت الدولتان منذ عام 1995 أكثر من عشرين اتفاقاً. كيف تنظرون إلى هذا التطور في العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني؟

- هناك أهداف عديدة لمثل هذا التحالف العدواني. إنها أهداف يراد لها أن تطال مجمل الشعوب الإسلامية في المنطقة المسماة بالشرق الأوسط. غير أن المستهدف الأول، في هذه المرحلة تحديداً، هو الشعب التركي المسلم دون ريب. إن الشعب التركي هو المتضرر الأول من هذا التحالف التآمري الشرير. ففي الفترة الأخيرة برزت معالم نهضة جادة في أوساط الشعب التركي، وعلى نطاق واسع جداً. لقد ظل الشعب التركي لعقود طويلة مسلوب الثقافة والإرادة، ومحروماً من أبسط حقوقه الطبيعية، ومجنداً قسراً لصالح أعدائه وضد أشقائه. ولذلك فإنه ما أن أبدى تململه، وعبر عن قناعاته الراسخة علناً بعد أن كانت مكتومة أزمنة طويلة، حتى انطلقت التحالفات  والاتفاقيات بين حكامه وبين الكيان الصهيوني اليهودي، وخاصة منذ عام 1995. إن تاريخ التطور المتسارع في العلاقات التركية الصهيونية يشير في الوقت نفسه إلى تاريخ بروز مظاهر التململ وإعلان القناعات الراسخة عند الشعب التركي المسلم. إن أسوأ ما يمكن أن يفعله الكتاب والمحللون العرب والمسلمون هو أن لا يلحظوا ذلك، فلا يقرنوا تطور العلاقات الرسمية التركية الصهيونية بتطور الأوضاع الشعبية في تركيا. إن هذه نقيض تلك، وهذه ضد تلك. وليس من المنطقي في شيء أن يجري الحديث عن تركيا مثلما يجري الحديث عن الكيان الصهيوني اليهودي، وأن يجملا كلاهما ويوضعا في سلة واحدة.

 

* كإعلامي سابق وسياسي متابع هل لكم رؤية معينة لتناول مثل هذا الموضوع؟

- الشعب التركي شعب مظلوم، شبه مستعمر، ومحروم من حق التعبير عن ذاته الروحية والتاريخية، وممنوع من التواصل الطبيعي مع أشقائه، ومن إعلان رأيه بألد أعدائه. ولذلك فإن الحديث عن تركيا لا يجوز أبداً أن يكون من طراز الحديث عن الكيان الصهيوني اليهودي في فلسطين العربية المحتلة. في فلسطين لا يوجد شعب يهودي، ولا توجد دولة يهودية، ولا يوجد استقلال يهودي، وإنما مجرد قاعدة استعمارية أميركية. مجرد صورة مصغرة عن الولايات المتحدة التي هي "إسرائيل الكبرى". ولقد أعلن الإمام علي الخامنئي أثناء المناورات العسكرية الأخيرة الكبرى، مناورات طريق القدس، إنه يتوجب على الكيان الصهيوني أن يغادر فلسطين. إن هذا التعبير البليغ يلخص حقيقة المستوطنين اليهود. إنهم ليسوا شعباً، ولا دولة، وإنما مجرد قاعدة استعمارية لا بد وأن ترحل عن فلسطين سواء طال الوقت أم قصر. ولكن بالمقابل، من يستطيع أن يقول بأن على الشعب التركي أن يغادر تركيا، أو على الشعب الإيراني أن يغادر إيران، أو على الشعب الفلسطيني أن يغادر فلسطين؟! إن مثل هذا القول غير معقول إطلاقاً، بينما القول بمغادرة الكيان الصهيوني لفلسطين – التعبير الصائب والرائع للإمام الخامنئي- يعتبر قولاً معقولاً ومنطقياً وقابلاً للتنفيذ في أية لحظة. لذلك يتوجب علينا أن نلح بأن لا يجري الحديث عن تركيا والكيان الصهيوني بطريقة واحدة. إن البعض يفعلون ذلك تحت تأثير أجهزة الدعاية الاستعمارية. وإذن، فالتطور المتسارع في العلاقات التركية الصهيونية هو موجّه بالدرجة الأولى ضد الشعب التركي، وأيضاً ضد بقية شعوب المنطقة المسماة بالشرق الأوسط.

 

* إن الكثيرين يرون في التحالف العسكري التركي الصهيوني تحدياً واستفزازاً للعرب والمسلمين، ويضعون تركيا في جملة الأحلاف الاستعمارية الصهيونية، فما هو رأيكم بذلك؟

- إن التحالف الرسمي التركي الأميركي، أو التركي الصهيوني لا فرق، يشكل أيضاً تحدياً للشعب التركي بالدرجة الأولى. كان الشاه محمد رضا يزعم أنه يمثل شعب إيران، وكان متحالفاً مع الأميركيين والصهاينة باسم إيران، فهل كان الحال كذلك حقاً؟ لقد ثبت فيما بعد أن ذلك لم يكن صحيحاً إطلاقاً، وإن تحالفات الشاه مع الأميركيين والصهاينة كانت ضد الشعب الإيراني بالدرجة الأولى. إن الأمر الطبيعي هو اتحاد الشعوب الإسلامية،  غير أن العدو لا يحول دون اتحادها المنطقي والضروري فحسب، وإنما هو يضعها متقابلة ومتعادية ضد بعضها البعض بواسطة بعض الحكام الذين يتحدثون نيابة عنها من مواقع العدو وبمنطقه. إنه يحرمها تماماً من مجرد النطق ويترك لحكامها مجال الكلام نيابة عنها، غير أن الشعب التركي بدأ يتكلم، وبدأ يتململ. إنه يقول: أنا شعب مسلم أنتمي إلى أشقائي من الشعوب المسلمة، والولايات المتحدة والصهاينة أعدائي. فما كاد ينطق بذلك حتى تسارع تطور العلاقات الرسمية التركية الصهيونية. طبعاً هناك حكومات وسلطات رسمية في بلدان إسلامية كثيرة تعمل ضد شعوبها في ركاب المشروع الاستعماري الأميركي الصهيوني. هذه حقيقة.

إن حكاماً آخرين في دول إسلامية أخرى قد يلتحقون بالتحالف التركي الصهيوني وينسقون معه. وحتى لو تظاهر بعضهم بمعاداته فقد يكون ذلك التظاهر مطلوباً ومرسوماً كجزء لا يتجزأ من عملية التآمر ضد الشعوب الإسلامية في تركيا وفي غير تركيا. إن العدو لا يضيره أن يهلك المسلمون سواء أكانوا في دولة موالية له أو معادية. هو لا يأبه لموت الأتراك مهما أبدى حكامهم من ضروب النجاح في الولاء له وفي خدمته. إن العدو الأميركي يتطلع إلى "منطقة شرق أوسطية" يملكها هو وحده.

 

* على ضوء ما أوضحتم لتفاصيل هذا المخطط، ما هو الرادع المُحبط لمثل هذا التواطؤ الخطير في الوقت الحاضر؟

- قطعاً فأن الشعوب الحرة هي القادرة على منع هذا العدو من تحقيق أهدافه الوحشية، لذلك فهو يحول دون نيل الشعوب حريتها حتى في البلدان التي تبدو تابعة له كلياً. ولذلك نعود فنؤكد أن الشعب التركي، الذي تململ مؤخراً وعبّر عن قدر من الحرية علناً، هو المستهدف الأول والمتضرر الأول، دون أن يعني ذلك أن تطور التحالف التركي الصهيوني ليس جزءاً من الاستراتيجية الاستعمارية الإجمالية ضد شعوب المنطقة عموماً، ومن أجل تحقيق "المنطقة الشرق أوسطية" الأميركية التي تتطلع واشنطن إلى تحقيقها.

 

* كيف تنظرون إلى مستقبل الشعب التركي المسلم في إطار مستقبل الشعوب الإسلامية عموماً؟

- هذا يستدعي العودة قليلاً إلى نقطة البدء. فما نحن فيه اليوم له نقطة بدء في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. في فترة ما بعد الحروب الصليبية المشرقية دب السقم في الحضارة العربية الإسلامية. وكان المفكر العربي المسلم ابن خلدون يتطلع إلى الأتراك في المشرق وإلى البربر في المغرب كقوتين فتيتين يمكن أن تجددا حياة الحضارة العربية الإسلامية المتداعية نتيجة للحروب الطويلة الداخلية والخارجية. ولقد سقطت القسطنطينية في يد السلطان العثماني، التركي، محمد الفاتح، عام 1453، فأغلق بذلك الطريق البري للحملات الصليبية ضد المشرق إغلاقاً محكماً. غير أنه لم يمض زمن طويل حتى سقطت غرناطة، عام 1492، وانطلقت الهجمة الصليبية الجديدة على طريق جديدة هي سواحل الأطلسي الإفريقية. إنها الهجمة التي مازلنا نعيشها ونعيش عقابيلها حتى يومنا هذا. ففي عام 1497 اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح، ووصلوا إلى مضيق هرمز، وتمركزوا فيه، ولم يغادروه أبداً أبداً حتى يومنا هذا. وبذلك انفردوا بحوض المحيط الهندي، العمق الذي لا يقوم نظام عالمي من دونه. فدخل العالم منذ تلك الحقبة في العصر الأوروبي الأميركي ونظامه الإمبريالي العالمي. وظهرت المأثرة العثمانية التركية في تلك الحقبة أيضاً.

 

* أفهم من حديثكم أنكم تقولون برؤية خاصة عربية في طريقة التقويم التاريخي للعهد العثماني؟

- إن إشكالاً معرفياً معقداً لا يزال ينتصب في وجه الكثيرين متمثلاً بالعهد العثماني، وسبب الإشكال هو الدعاية والثقافة الاستعمارية التي تجعلنا نغفل ذلك الانتقال التاريخي من عصر إلى عصر، من العصر العربي الإسلامي إلى العصر الأوروبي الأميركي، الذي وقع على صعيد العالم عموماً بعد نهوض العهد العثماني ببضع عشرات السنين. وإن مأثرة العثمانيين الأتراك تتلخص في أنهم كانوا آخر خط دفاعي حمى المجتمعات العربية الإسلامية لبضع مئات أخرى من السنين في مرحلة كانت فيها هذه المجتمعات عرضة للإبادة التامة حقاً. فاستمر العثمانيون الأتراك يدافعون ببسالة منقطعة النظير، وبفضل زخم التراث العربي الإسلامي العظيم، رغم أن المحرك التاريخي كان قد توقف وإن استمرت عجلاته بالدوران. لقد كان مصير العهد العثماني مقرراً منذ البداية، منذ القرن السادس عشر، غير أنه نجح في الحيلولة دون ابتلاع سهل للبلاد العربية والإسلامية على مدى قرون طويلة. كان محاصراً، ومعزولاً، لكنه صمد بكبرياء، وظل طوال الوقت وفياً لأصوله وقيمه العربية الإسلامية. ولا ينال من أهمية هذه الحقيقة فساد بعض حكامه وولاته، ثم التردي الرهيب لأوضاع الولايات في مراحله الأخيرة. لقد كان نظاماً إنسانياً يقوم في أساسه وجوهره على اللامركزية واللاإمبراطورية واللاإمبريالية. وهو في النهاية واجه مصيره دون أن يساوم على هويته وعقيدته، ثم جاء الذين خلفوه فساوموا، وتنازلوا، وتخلوا، وانخرطوا في المشاريع الاستعمارية الأوروبية والأميركية، فكان الشعب التركي المسلم هو الضحية الأولى لذلك. لا يجوز أبداً وصف هذا الشعب بمفردات المستعمرين، ويجب أن نعي جيداً أن نهوضه وحريته ضرورة إسلامية وإنسانية عامة. لقد كانت له فيما مضى مآثر لا تنسى، ونأمل أن تكون له، في هذه الحقبة، مآثر أخرى في دحر الاستعمار الأميركي الصهيوني الجاثم على صدره وصدورنا، وفي نهوض نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والتكافؤ والمساواة، ويرفض  منطق التمييز والاحتكار الإمبراطوري الأميركي الصهيوني.

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1