التحالف الغربي التاريخي يهبّ لنجدة واشنطن!

بقلم: نصر شمالي

لم يكن قد مضى على الاحتلال أكثر من عام ونيف حين توصلّ المراقبون الغربيون إلى نتائج قاطعة تقول بأن إستراتيجية المحافظين الأميركيين الجدد قد سحقت في العراق. لقد كان واضحاً لهم ميدانياً أن قوة الولايات المتحدة قد تعرضت لنكسة ذات أبعاد تاريخية. وكانت الإدارة الأميركية قد أوفدت بول بريمر إلى العراق، في أيار/ مايو 2003، كوجه علني من وجوه عصابة "الرسالة الساطعة"، أي المحافظين الجدد الذين يحلمون بإعادة صياغة العالم على هواهم، وكانت مهمة بريمر تتلخص في تشكيل مجتمع عراقي، واقتصاد عراقي، يمكن للشركات الأميركية أن تهيمن عليهما تماماً، بينما تتمكن قوات الاحتلال العسكرية من الحصول على حقوق طويلة الأمد تتجسد في إقامة قواعد ثابتة على أرض العراق، وتتمكن الإدارة الأميركية من المضي السريع قدماً في إقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير، ما بين قزوين والأطلسي، غير أنه سرعان ما اتضح أن مهمة بريمر بمجملها عرضة للانهيار، بل لقد بدا الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج العربي عموماً عرضة لتغييرات في موازين القوى تؤدي إلى عدم القدرة على الاحتفاظ بقوات كبيرة هناك في المدى البعيد!

الأولوية لحماية النظام العالمي!

لقد كان عام 2004 عام الهلع في أوساط تحالف دول الشمال الثرية، فالمسألة لم تعد مقتصرة على تفرّد الإدارة الأميركية بقرار الحرب من أجل الاستئثار بمعظم الغنائم، وهو ما أغضب حلفاءها كثيراً، بل تعدّت ذلك إلى احتمال تضعضع هيمنة تحالف دول الشمال على الجنوب، بسبب النكسة ذات الأبعاد التاريخية في العراق، الأمر الذي يعني خطراً جدّياً على النظام العالمي الذي يحكم العالم منذ بضعة قرون بقيادة دول الشمال، فعندما يبرز ما يهدّد أسس النظام الاحتكاري العالمي، النظام الذي يعنى بمصلحة المليار الذهبي من البشر فقط، يتحوّل الغضب بسبب التقاسم غير العادل للغنائم إلى هلع على مصير النظام التاريخي برمته، وهنا يتجاوز الحلفاء قضية مصالحهم الآنية، ويتجاوزون غضبهم من سلوك حليفتهم الكبرى وقائدتهم الأميركية، ويندفعون بكل قوتهم لتخليصها من ورطتها، ومساعدتها ضدّ ضحاياها الجنوبيين، فكل أمر يهون إلا أن ينهض الضحايا وينجحوا في الخروج على شبكة النظام الربوي العالمي اللزجة القاتلة مثل شبكة العنكبوت!

المليار الذهبي هو البشرية!

إن كل حديث عن المجتمع الدولي يقصد به، عملياً وواقعياً، بالضبط دول تحالف الشمال حصراً وتحديداً. إن المجتمع الدولي هو المليار الذهبي المتمدّن، المتحضّر، الديمقراطي، فإذا ما حاولت المليارات الأخرى من البشر إظهار تمدّنها وتحضّرها وديمقراطيتها أحبطت محاولتها من قبل تحالف الشمال بطريقة أو بأخرى، ولو على حساب المصالح الآنية لبعض أطراف هذا التحالف، أي أن حماية النظام الاحتكاري العالمي القائم منذ حوالي خمسة قرون لها الأفضلية على كل ما عداها، ومهما فعلت الولايات المتحدة بحليفاتها، وألحقت بها من أذى، فإن الحليفات تهبّ لنجدتها، من دون أدنى تلكؤ وبمنتهى الحزم، عندما تتعرض هيبتها وفعاليتها الدولية للخطر، لأن ذلك يهدّد الوضع التاريخي للعالم بصورته الحالية المكرّسة لخدمة دول الشمال!

وجدير بالذكر أن قيادة هذا النظام العالمي كانت في بداياته مكوّنة من اللاتين الكاثوليك، الإسبان والبرتغال، حتى القرن السابع عشر، ثم انتقلت القيادة إلى الأنكلوسكسون اللوثريين في لندن بعد نجاحهم في لجم الفرنسيين والألمان، وبقيت القيادة في يدهم حتى يومنا هذا، وإن انتقل المقرّ إلى واشنطن ابتداء من منتصف القرن العشرين. لقد كان ذلك يشبه من حيث الشكل انتقال قيادة النظام العربي الإسلامي العالمي من يثرب الراشدية إلى دمشق الأموية إلى بغداد العباسية، عبر الحروب الداخلية، من دون أن يفقد النظام فعاليته وسيادته الدولية!

المحافظون الجدد يخالفون الأصول!

لقد حدث أن انفراد الإدارة الأميركية بقيادة النظام الاحتكاري العالمي مرّ بمنعطفين: الأول على أثر الحرب العالمية الثانية التي ألحقت الدمار الشامل بأوروبا، والثاني بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء مرحلة ما يسمى بالثنائية الدولية. ولقد كان الحلفاء الغربيون راضين عن أداء الإدارة الأميركية في المنعطف الثاني، عام 1991، حيث أظهر الرئيس بوش الأب احترامه لحلفائه وحرصه على التعاون مع مؤسسات النظام الدولي، وهو ما تجلى في الحرب ضدّ العراق حينئذ، وفي التعامل مع نتائج انهيار الاتحاد السوفييتي، وأيضاً في التعامل مع القضية الفلسطينية التي أحيلت ملفاتها إلى مؤتمر مدريد. غير أن المحافظين الجدد، الذين كانوا يستعدون ميدانياً للوصول إلى الحكم في الولايات المتحدة منذ أواسط التسعينات الماضية، جاؤوا بإستراتيجية جديدة، مناهضة ومتجاوزة حتى للحلفاء والأتباع، ومتطلعة إلى عالم تحكمه واشنطن وتقوده مباشرة بعد أن تضع يدها بقوة على المنطقة الواقعة ما بين قزوين والأطلسي، أي على قلب العالم وعصبه، فكان أن أدّت هذه المغامرة الخطرة إلى مضاعفات هدّدت أسس النظام التاريخي العالمي.

الحيلولة دون نهوض الجنوب!

لقد تعطل القطار الأميركي في محطته العراقية الأولى، واضطر إلى طلب النجدات والمساعدات ليس من حلفائه الغربيين فحسب، بل حتى من دول الجوار العراقي التي كان مزمعاً على اجتياحها، وهكذا رأينا الإدارة الأميركية تحاول إصلاح قطارها المعطل في بغداد عن طريق سورية ولبنان، أي أنها حاولت مواصلة الانطلاق من محطات أخرى، لكن محاولتها باءت مرة أخرى بالفشل بالرغم من أنها فعلت أقصى ما يمكن أن تفعله حين شنت حرب تدمير شامل ضدّ لبنان.

إن التحالف الغربي التاريخي لا يملك سوى أن يهبّ بكل طاقاته لإنقاذ الولايات المتحدة من ورطتها الجديدة في لبنان، وذلك حفاظاً على النظام العالمي، نظام المليار الذهبي، ومن أجل الحيلولة دون نهوض الجنوب الذي أشّرت جولة لبنان، وانتصار المقاومة، إلى توفر أسباب نهوضه بعد قرون من الكبوة والانصياع.

www.snurl.com/375h     

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1