لنكولن ومعركة الحسم النهائية في غزّة!
بقلم: نصر شمالي
يقول يوري أفنيري، الجنرال الإسرائيلي السابق والمناضل في ما بعد من أجل السلام الآن ومن أجل حقوق الإنسان، أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية فريدة في نوعها، ويبدو أنه لم يسبق لها مثيل في التاريخ، فكأن الملك هيرودوس يأمر القيصر أغسطس بتعيين أعضاء مجلس الشيوخ في روما! ويتابع أنه لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بالمصلحة الاقتصادية فقط، ولابدّ من الاعتراف لها ببعد روحاني أيضاً، إذ ليس محض صدفة أن يخترع المتطرفون المسيحيون في الولايات المتحدة فكرة الصهيونية حتى قبل أن تراود هرتزل في أحلامه، فاللوبي الإنجيلي مهم اليوم في واشنطن بمقدار أهمية اللوبي اليهودي، وحسب رأي اللوبي الإنجيلي يتوجب على اليهود السيطرة على "أرض إسرائيل" بهدف تحقيق المجيء الثاني للمسيح، وبعد مجيئه سوف يعتنق جزء كبير من اليهود الديانة المسيحية (البروتستانتية) أما البقية فيبادون مع غيرهم من الكفرة، المسيحيين والمسلمين، في موقعة مجدّو! ويشرح أفنيري أن هذه الظاهرة، ظاهرة العلاقة الفريدة الأميركية الإسرائيلية، ترتكز إلى خيال مشترك بين أسطورتين قوميتين دينيتين، الأسطورة الأميركية والأسطورة الإسرائيلية، ففي كل منهما وصل الطلائعيون، الذين جرت ملاحقتهم في بلدانهم الأصلية على خلفية دينية، إلى أرض الميعاد، فكان عليهم الاحتماء من وجه "السكان المتوحشين" والتخطيط لإبادتهم، ثم أنقذوا الأرض، وأنعشوا الصحراء، وأنشأوا – بعون الله! – مجتمعاً مزدهراً، ديمقراطياً أخلاقياً! غير أن المجتمعين الأميركي والإسرائيلي ظلاّ يعانيان من إنكار للذنب ومن الإحساس به في آن، أي من عدم الاعتراف لا بالإنكار ولا بالإحساس، سواء في أميركا حيث أبيد الهنود الحمر، وحيث عار العبودية الأفريقية، أم في فلسطين حيث طرد نصف الشعب الفلسطيني واستعبد النصف الآخر، وهنا وهناك، من أجل تغطية عقدة الذنب، يتكهنون بحرب أبدية بين أبناء النور وأبناء الظلام، لتبرير المضي في ارتكاب الجرائم إلى ما لا نهاية!
مقاومة الديدان وانصياع الأشياء!
في الحقيقة، ليس ثمة حاجة للاستشهاد بما قاله يوري أفنيري عن طبيعة الصراع العربي الصهيوني، فنحن جميعاً نستطيع أن نغرف من محيط في هذا المجال، لكن أحد الليبراليين العرب الجدد سألني بنبرة إشفاق واستغراب: "ألا زلت تكتب عن إبادة الهنود الحمر؟" وأعقب سؤاله بمشروع قهقهة خنقها في مهدها، متعمداً إطلاق مطلعها فقط، فجاءت كأنما هي "كحّة" واحدة ضعيفة عارضة!
والحال أن من يتابع حصار غزة والضفة، ويلمّ بالتاريخ الحقيقي للصهاينة اليهود وغير اليهود، في أميركا وفي بلادنا وفي غيرها، سيجد نفسه في هذه الظروف مضطراً للاستناد إلى شهادة أفنيري أيضاً، فالرجل تحدّث من موقعه في صفوف العدو عن الحرب الأبدية بين أبناء النور وأبناء الظلام، بين البشر والوحوش، وبالطبع فإنهم يعتبرون العرب من أبناء الظلام ومن الوحوش، ونحن نرى أننا نعامل كذلك بالضبط في فلسطين المحتلة، وبالتالي، بغض النظر عن أي كلام سياسي يصدر عن الأميركيين أو الإسرائيليين أو الحكام العرب، أو ما يسمى بالمجتمع الدولي، وهو بمجمله كلام لا علاقة له بحقيقة ما يحدث على الأرض ولا بحقيقة النوايا، نجد أنفسنا ملزمين على الأقل باحترام الحق في الإحساس الغريزي الدفاعي الوحشي وياللسخرية! إذ ألسنا وحوشاً حسب تصنيفاتهم؟ وهل ينكر على الذئب، بل على الدودة، ردّ الفعل الغريزي الدفاعي؟ غير أن بعض أبناء جلدتنا يريدوننا مجرّد أشياء، بلا غريزة ولا إحساس، مثل الدمى المصاغة بأشكال إنسانية حضارية، يتلفها أسيادها وهي مبتسمة، مستمرة في ابتسامها بينما هي تتحول إلى نتف وشظايا، منصاعة انصياع الأشياء!
الهندي الإنسان والأوروبي الهمجي!
لكن ما عرضه أفنيري عن الأسطورتين الإباديتين الصهيونيتين، في أميركا وفلسطين، قد تحقق واكتمل في الأولى لكنه لن يتحقق أبداً في الثانية، ففي القارة الأميركية شبه المجهولة كان السكان الأصليون يعيشون مراحل تشكل الحياة المجتمعية التي عاشتها المنطقة العربية قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وعاشتها المنطقة الهندية والصينية قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وعاشتها المنطقة الأوروبية، شمالاً وشرقاً وغرباً، قبل أكثر من ألف عام فقط، أي أن المرحلة الأميركية التي اقتحمها المستوطنون الإباديون الأوروبيون تقابل في منطقتنا مرحلة العهود السومرية والبابلية والكنعانية والفرعونية، وإن خطابات قادة السكان الأصليين المحزنة، في مواجهة المستوطنين الإباديين، تذكرنا بخطابات جلجامش السومري العربي، ببراءتها وحرارتها، وبتفتحها القوي الأول على الحياة المجتمعية المعقدة! إنها تذكرنا بأسئلته المتلاحقة المتدفقة، وبهواجسه المفهومة التي تعكس شغفاً فطرياً بالمعرفة لا تحدّه حدود، وهكذا فقد كان الفارق كبيراً من حيث العمر المجتمعي والخبرة المجتمعية، ورغم ذلك فإننا، عندما نتأمل في الطرفين المتقابلين، الأوروبي من جهة وما سمّي بالهندي الأحمر من جهة أخرى، نجد الهنود الحمر متفوقين روحياً ونفسياً وإنسانياً تفوقاً تاماً، لكنهم متخلفون مادياً تماماً، ونجد الأوروبيين الغزاة متفوقين مادياً تفوقاً تاماً، لكنهم متخلفون روحياً ونفسياً وإنسانياً تماماً، وبعكس كل ما قيل ويقال نجد الإنسان على مقاعد الهنود ونجد الهمجي المتوحش على مقاعد الأوروبيين المستوطنين!
من لينكولن إلى بوش!
باختصار، لقد أبادوا جلجامش وقومه في القارة الأميركية! ومن الذي يقتل جلجامش غير الوحوش؟ ثم انتقلوا إلى المنطقة العربية، أي من انجاز إسرائيل الكبرى إلى محاولة انجاز إسرائيل الصغرى! غير أن الوضع هنا يختلف جذرياً، حيث الحضارة الأوروبية انبثقت من صلب الحضارة العربية الإسلامية وإن هي جاءت نقيضها، واللاحق لا يستطيع التفوق على السابق إلى حدّ استئصاله! إن هذا صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً! ومع ذلك فإننا ندفع في فلسطين جميع التكاليف الباهظة التي دفعها سكان أميركا الأصليين حتى نهايتهم، بغض النظر عن نتائج هذه الحرب المفتوحة الهائلة في منطقتنا.
في ستينات القرن التاسع عشر، في عهد الرئيس أبراهام لينكولن الذي يبجلونه كثيراً، تحقق القضاء التام على مقاومة الهنود الحمر، ويعتقد الرئيس بوش وتابعه أولمرت أنهما يستطيعان اليوم تكرار انجاز لنكولن في فلسطين، وأن معركة غزة والقطاع هي الحاسمة والخاتمة، غير أنهما واهمان. يقيناً إنهما واهمان!
www.snurl.com/375h