تجارة المخدّرات في ظل الاحتلالات الإسرائيلية!

في الثمانينات، كان حجم الكتلة النقدية في سوق

المخدّرات الإسرائيلية يتجاوز مليارين ونصف المليار دولار!

بقلم: نصر شمالي

يتحدث الأميركيون اليوم عن الفساد في قطاع النفط العراقي، والمقصود هو سرقة النفط وتهريبه من قبل العصابات المتعدّدة الجنسيات التي ترعاها قوات الاحتلال، وأيضاً العجز عن المحافظة على مستوى الإنتاج كما كان عشية الاحتلال، في حدود 2,2 مليون برميل في اليوم، حيث انحدر في كانون الأول/ديسمبر 2005 إلى النصف بالضبط، سواء بسبب عمليات المقاومة المشروعة، أم بسبب النهب الإجرامي الأجنبي!

هناك من لم يستطع بعد إدراك حجم الأخطار المصيرية التي تهدد بتقويض مجتمعاتنا وأمتنا من الجذور، ففي العراق تنتشر مئات العصابات الإجرامية المتعددة الجنسية انتشار الخلايا السرطانية، محاولة إنهاك الجسم العراقي وإفنائه، وهي تتشكل من عشرات ألوف المرتزقة الذين يعيثون فساداً وتدميراً في مختلف الميادين: التجسس، والإفساد، والاغتيال، والسرقات، والتهريب، وتجارة المخدرات، والدعارة..الخ! ويحدث هذا في نطاق سياسة مرسومة مسبقاً ترعاها قوات الاحتلال في معرض تأهيل العراق وتحويله إلى كانتونات/محميات ديمقراطية يديرها أميركيون من أصل عراقي، أو أفغاني، أو من أي أصل آخر، تساعدهم طواقم محلية محدودة يحمل معظم عناصرها الجنسية الأميركية أو البريطانية!

***

ينبغي التذكير بأن هذا النمط من العلاقات الدولية الظالمة يعود في أصوله وبداياته إلى العهد الريغاني/التاتشري، قبل حوالي ربع قرن، ففي ذلك العهد حدثت الردّة إلى الليبرالية البدائية المتوحشة في محاولة للخروج من الأزمة الهيكلية النوعية التي عصفت، ومازالت تعصف، بمجمل النظام الرأسمالي الاحتكاري الدولي. وقد شجع تلك الردة وشد من أزرها تفسخ المعسكر الاشتراكي ثم انهيار كتلته الرئيسة.

لقد كان نصيب بلادنا عظيماً من آثار تلك الردّة المتوحشة، فهي دفعت ومازالت تدفع ثمناً باهظاً بسب تخبط الليبراليين المحافظين الجدد، الريغانيين/ التاتشريين، الذين تفتقر سياساتهم وأفعالهم إلى أي قدر من المنطق والصواب، الأمر الذي ضاعف عذابات البشر. ولعلنا نتذكر، ونحن نعيش ما يجري على أرض العراق، أن وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر زار المنطقة العربية في خريف 1994، وأعلن أثناء وجوده في الخليج ما يلي بالحرف: مطالبنا (من حكومات الخليج) تسهيلات عسكرية لقواتنا سريعة الانتشار ذات الكفاءة العالية والتقنية المتقدمة! وبعد ذلك التصريح أبلغت واشنطن دول الخليج عزمها نشر قوات برية وجوية وبحرية، قوامها مبدئياً ثلاث فرق وخمسة عشر سرباً مقاتلاً وحاملة طائرات، على أن تقوم دول الخليج بتمويلها! وقد تأسس فعلاً صندوق لتمويل ذلك التواجد العسكري الإضافي قدّرت تكاليفه حينئذ (عام 1994 ) بعشرة مليارات دولار! فكيف يغفل البعض، أو يتغافل، عن الربط بين تلك الإجراءات المبكرة وبين ما استجد مؤخراً في المنطقة، خاصة احتلال العراق؟

***

غير أن المسألة لا تقتصر على النفط والسيطرة على منابعه، فهناك مواد أخرى لا تقل عائداتها عن عائدات النفط أهمية، كالمخدرات مثلاً، ففي أفغانستان التي يديرها رجال يحملون الجنسية الأميركية تحقق المخدرات عائدات طائلة، وبعكس ما تبثه أجهزة الدعاية من أخبار، عن محاولات استئصال حقول زراعة المخدرات، فإن الاحتلال في أفغانستان، بالتعاون مع أمراء الحرب، يرعى هذه الحقول ويدخل إنتاجها في نطاق تجارته الدولية!

إن الاحتلال هو الحاضنة العظمى لجميع أنواع الجرائم والموبقات والتجارات القذرة والأمراض الفتّاكة، فهذه الميادين تأتي في صلب مصالحه وأهدافه، وهي تؤدي بالطبع إلى تحلل وهلاك المجتمع المحتل، وإنه لمن المذهل حقاً أن هناك من لم يستطع بعد أيضاً إدراك حجم المسؤولية التاريخية المصيرية التي تقع على عاتق المقاومة، أياً كانت الرايات التي ترفعها المقاومة، وأياً كانت أخطاؤها المؤسفة، فوجود المقاومة المسلحة هو الدليل الرئيس على جدارة مجتمعاتنا وأمتنا بالحياة الكريمة الشريفة، وغيابها (لا سمح الله) هو الدليل القاطع على أننا لا نستحق الحياة، وأننا ننحدر نحو الفناء!

***

ها هنا في هذه العجالة سوف نعرض، باقتضاب شديد، أمثلة حية عن التجارة الرئيسة التي تعاطاها الإسرائيليون في ظل احتلالاتهم لسيناء ولبنان، إضافة إلى الجولان وفلسطين عموماً، ففي ظل الانتشار الواسع النطاق لقواتهم، الذي بلغ مداه باحتلال بيروت عام 1982 والذي استمر في لبنان حتى عام 2000، ولم ينته تماماً بعد، لم يكن الهم الرئيس للإسرائيليين هو أرض الميعاد وتطبيق نصوص العهد القديم، بل كان السوق السوداء وتجارة المخدرات المتفقة مع توجهات الريغانية/ التاتشرية، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتحوّل بلدانه الشاسعة إلى سوق هائلة للمخدرات والدعارة، ولقد بلغت هذه النشاطات السامة أوجها اليوم في عهد المحافظين الجدد، خلفاء ريغان وتاتشر.

في ذلك الحين، أثناء احتلال لبنان وبرعاية قوات الاحتلال، كانت قيمة الكيلوغرام الواحد من الهيرويين النقي المستورد تهريباً إلى فلسطين المحتلة في حدود 50000 دولار أميركي لحظة دخوله فلسطين، وعلى الفور كان يعاد بيعه بالجملة بمئة ألف دولار! أما الكيلو غرام الواحد من الكوكائين النقي فكان سعره لحظة دخوله 300000 دولار، يعاد بيعه فوراً بضعف المبلغ! وبعد ذلك كانت تجري عملية إعادة تصنيع الهيرويين والكوكائين، فيتحول الغرام الواحد من الهيرويين إلى عشرات الوجبات بعد أن تضاف إليه مواد لا تستحق قيمتها الذكر، بحجة أن نقاوته الأصلية قاتلة، فتخفض النقاوة من 90% إلى 10%! لقد ذكر تقرير للشرطة الإسرائيلية أن 800 كيلو من الهيرويين تتحول بعد إعادة تصنيعها إلى أربعين مليون وجبة فردية بسعر 30 دولاراً للوجبة الواحدة!

وكان الصهاينة يستوردون مادة الحشيشة أيضاً من لبنان بسعر 250 دولاراً للكيلو الواحد، يباع فور دخوله إلى فلسطين المحتلة بالجملة بسعر 5000 دولار! ومثلما يعاد تصنيع الهيرويين والكوكايين يعاد تصنيع الحشيشة، ويتحول الكيلو الواحد منها إلى آلاف الوجبات بسعر خمسة دولارات للوجبة الواحدة!

وبعد التذكير بأن الأسعار ارتفعت كثيراً جداً اليوم قياساً بما نعرضه، وأيضاً بعد التذكير بأن المخدرات هي للسوق المحلية الإسرائيلية ولإعادة التصدير إلى الدول المجاورة والبعيدة، ننقل عن تقارير الشرطة الإسرائيلية أن حجم الكتلة النقدية، الذي كان متداولاً سنوياً في سوق الهيرويين وحدها تجاوز المليار دولار، وأن عدد المتعاطين لهذه المادة في الكيان الصهيوني كان يزيد على ثلاثين ألفاً! أما الكوكايين الأرستقراطي الباهظ الثمن فكان حجم كتلته النقدية الإسرائيلية في حدود النصف مليار دولار سنوياً! وكان حجم الكتلة النقدية الإسرائيلية في سوق الحشيشة يزيد على المليار دولار سنوياً أيضاً، بسبب انخفاض سعرها وشعبيتها وسعة انتشارها محلياً وإقليميا!

وهكذا نرى بحسابات الثمانينات، تقريبياً وللدلالة فحسب، أن حجم الكتلة النقدية المتداولة سنوياً في سوق المخدرات الإسرائيلية كانت تتجاوز المليارين ونصف المليار دولار، وهو ما يعادل حينئذ حقاً الميزانيات العامة السنوية لعدد من الدول الصغيرة البائسة!

    www.snurl.com/375h  

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1