حطين ميدان الحسم القادم، وليس هرمجدون!

بقلم: نصر شمالي

إذا أردت أن تتخيّل إنساناً في موقع دفاعي ضعيف وسط غابة موحشة، والذئاب تحاصره وتضيّق عليه الخناق شيئاً فشيئاً تمهيداً لالتهامه، بينما عواؤها يصمّ الآذان ويربك العقول لمسافات بعيدة، فما عليك إلا متابعة أوضاع أهلنا في فلسطين، وما تنشره الصحف الصهيونية عنهم، وما يصرّح به القادة الصهاينة ضدهم، وما يفعله المستوطنون والجنود الصهاينة بهم!

إن اليهود الصهاينة يؤكدون كل يوم، أكثر فأكثر، أنهم مجرّد ذئاب لا مجال لحوار منطقي معهم أبداً، ولا أمل في سماع كلام مفهوم منهم أبداً، ولا رحمة ولا شفقة يمكن توقعها من قلوبهم المتحجّرة أبداً، ولا مجال لنجاة الضحية التي يحاصرونها أبداً، حتى وإن كانت طفلاً صغيراً أو شيخاً ضعيفاً أو امرأة مرضعة! وبينما لا أمل لملايين الفلسطينيين المشردّين في الشّتات بالعودة إلى بيوتهم بموافقة اليهود الصهاينة، فإنه لا أمل أيضاً لملايين الفلسطينيين في فلسطين بأن يكفّ اليهود الصهاينة عن نهش أجسادهم وشرب دمائهم وتدمير ممتلكاتهم، أبداً أبداً!

هاجسهم قضية المستوطنين وهلاك الفلسطينيين!

إن الصحافة الصهيونية منهمكة اليوم بكليتها في الحديث عن "المصير المأساوي" لمستعمرة "غوش قطيف" في قطاع غزة، سواء من كان منها مع تفكيك المستوطنة أو من كان ضدّ تفكيكها! إن السبعة آلاف مستوطن مرتزق، بأسلحتهم الحربية الفتاكة، وبالقوات النظامية التي تدعمهم، وبالدولارات المتدفقة عليهم بلا حساب من واشنطن، يلخصّون الآن – حسب الصحافة الصهيونية – قضية فلسطين والصراع العربي/ الصهيوني بمجمله! إن إخلاءهم أو عدم إخلائهم هو القضية الإنسانية العظمى التي يتوجب على العالم أن ينشغل بها اليوم! لقد أصبح مصيرهم الشغل الشاغل للمجتمع الصهيوني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ما عدا استثناءات لا تستحق الذكر! كذلك فإن الصحافة الصهيونية منهمكة أيضاً بكليتها في التوقعات حول ما ستفعله القيادة الفلسطينية الجديدة بشعبها! هل ستنجح في استئصال المقاومة، وفي إخضاع الشعب الفلسطيني للبرنامج الصهيوني، وفي إلغاء القرآن والإنجيل ومجمل التراث الثقافي العربي الإسلامي، أم أنها لن تفعل؟!

ذلك هو ما يشغل الصحافة الصهيونية اليوم، حتى أنها إذا تحدثت عن زلزال المحيط الهندي وضحاياه فإنها عموماً تبدو كأنما هي لا تأبه، بل يظهر بعضها كأنما هو شامت! وبالطبع، لا إشارة إلى قرارات الأمم المتحدة المتعلقة باحتلال فلسطين، ولا إشارة إلى مشاريع الحلول اللاحقة، المتراجعة عن قرارات الأمم المتحدة، والتي تنص على إقامة دولة فلسطينية ما، بطريقة ما، ليس مضموناً فيها حتى حماية مواطنيها في بيوتهم!

إنه حصار الذئاب للفلسطيني يتواصل ويضيق، واعداً بحصار غير الفلسطيني أيضاً! وإنه عواء الذئاب يتعالى أكثر فأكثر فيشلّ جسد النظام العربي ويصمّ آذان المجتمع الدولي! ولا مجال لحوار منطقي، ولا أمل في سماع كلام مفهوم، ولا رحمة ولا شفقة، ولا نجاة للضحية ولو بجلدها فقط!

هاجسهم القضاء على الثقافة العربية!

يالها من ظاهرة شاذة، مروّعة، معقّدة ومهلكة، هذه الظاهرة الصهيونية اليهودية التي صنعها ويرعاها الأنكلوسكسون في لندن وواشنطن، والتي تعذّب العرب أشدّ العذاب، لكنها سوف تنقلب في النهاية على اليهود، بما فيهم الأبرياء للأسف، وتسبب لهم العذاب الأعظم، فنحن نعرف أن اليهود زجّ بهم في معظمهم قسراً  ليلعبوا دور المستوطنين المرتزقة ورأس الحربة الأنكلوأميركية، ونعتقد أن زمناً سيأتي يفقدون فيه ضرورتهم، فتنهار جميع الدعاوى الخرافية الصهيونية في فلسطين، وينقلب الموقف ضدّهم حتى في الولايات المتحدة وبريطانيا، بل في هاتين الدولتين أكثر من غيرهما! وكيف لا تكون النتائج المستقبلية كذلك ومناحيم بيغن أحد قادتهم يخاطب جنوده بما يلي:" أنتم الإسرائيليون لا ينبغي أن تكونوا رؤوفين بأعدائكم حين تقتلونهم. ينبغي أن لا تشفقوا عليهم ما دمنا لم نقض بعد على الثقافة العربية، وما دمنا لم نشيّد بعد حضارتنا نحن على أنقاضها. إنه لمهم جداً بالنسبة إليّ أن يبقى شعب إسرائيل حياً إلى الأبد، ولا يهمني إذا بقيت أو لم تبق شعوب أخرى"!

هذا الذي تلفظ به مناحيم بيغن، زعيم الليكود ورئيس الوزراء الأسبق، ما هو إن لم يكن مجرّد عواء ذئب؟ لكن بيغن ليس متفّرداً في هذا العواء الوحشي، فجميع القادة الصهاينة، من اليمين واليسار، صدر ويصدر عنهم مثل هذه التصريحات الفظيعة، منذ ما قبل عام 1948 وحتى يومنا هذا، وكذلك جميع الصحف الصهيونية الاستيطانية ما عدا استثناءات لا تستحق الذكر! لا يمكن أن نتوقع من الظاهرة الصهيونية الاستيطانية الشاذة غير ذلك، لا نحن ولا غيرنا من الأمم، فلا مجال معها لحوار منطقي، ولا أمل في سماعها تنطق بكلام مفهوم، ولا رحمة عندها ولا شفقة، ولا نجاة للضحية من براثنها وقد سدّت في وجهها جميع سبل النجاة، فماذا يبقى في أيدينا، إزاء ذلك، سوى التحمّل ونحن أهل له، والصبر ونحن أصحابه، ريثما يأتي يوم حطين؟ ولم لا؟ ألم يتحمل أهلنا في الجزائر أهوال الغزو الاستيطاني الإبادي مائة وثلاثين عاماً ثم هزموه؟

هاجسهم إشغال الأمم بالخرافات!

في عام 1649، أي قبل أكثر من ثلاثمائة وخمسين عاماً، لفّقت لندن اللوثرية حكاية أرض الميعاد وأرض الأجداد التي يجب أن يعود إليها اليهود على متن السفن الإنكليزية! لقد كان الهدف الاستعماري واضحاً، وكانت أسباب استخدام اليهود في فلسطين (التي تختلف عن أميركا) واضحة بدورها، لكنّ الأنكلوسكسون اللوثريين أصرّوا بحزم على اعتماد الخرافات في تبرير اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى ثكنة أمامية استعمارية! لقد كان مهماً جداً لنجاحهم في اقتحام آسيا وأفريقيا زجّ اليهود عموماً في هذه المعركة الطويلة المضنية، فواظب القادة الإنكليز والأميركيون، منذ أوليفر كرومويل وجورج واشنطن حتى رونالد ريغان وطوني بلير وجورج بوش الأب والابن، على ترداد الخرافات التلمودية التي تبرر اغتصاب فلسطين وإهلاك شعبها، فليس أجدى من الخرافات لمحاصرة العقل الإنساني وتعطيله، خاصة عندما يقع خلل تاريخي خطير في موازين القوى الدولية، ويكون في صالح الطغاة المتألّهين!

لقد كان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان أكثر القادة الأنكلوسكسون مباشرة ووضوحاً في اعتماد الخرافات، فقد تحدث مراراً وتكراراً، عبر الصحف والإذاعات، عن إيمانه العميق بأن انتصار اليهود في فلسطين (أي إبادة العرب) سوف يمهّد للظهور الثاني للسيد المسيح، ولاعتناق اليهود للمسيحية (اللوثرية طبعاً) ولفناء جميع الكفار من غير اللوثريين، ولبداية الألف عام السعيدة المنتظرة، وكان يكرر على الدوام ذكر موقعة "هرمجدون" الحاسمة التي سوف تسبق القيامة الموعودة! أما هرمجدون التي عناها فهي بلدة "مجدو" العربية الفلسطينية.

إن الخلل في موازين القوى الدولية، لصالح الطغاة الاحتكاريين العنصريين، هو الذي جعل من ترديد الخرافات رسمياً وعلنياً أمراً يبدو كأنما هو طبيعي ومجدِ، غير أن هذا الخلل في موازين القوى لن يستمر إلى الأبد، بل إن كثيراً من الدلائل والوقائع الحالية تشير إلى اقتراب لحظة تصحيحه، وعندئذ لن تكون الموقعة المنتظرة الحاسمة هي موقعة هرمجدون التي ستقوض العالم أجمع وتبقي على اللوثريين واليهود فقط، بل ستكون موقعة حطين المنطقية التي سوف تؤسس لنهوض العالم وليس لتقويضه، ولعله جدير بنا أن نذكّر من يهمهم الأمر بعدالة وسماحة وإنسانية صلاح الدين في تعامله مع المستوطنين الفرنجة بعد انتصار حطين!

www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1