لا تستخفوا بالأخطار الخارجية، و لا تغفلوا الداخلية!
عندما نتحدث عن الأوضاع المتردّية في بلادنا وفي منطقتنا فلا جدال أن الارتكابات الداخلية والنواقص الذاتية لعبت دوراً أساسياً في تردّيها، غير أن العوامل الخارجية، التآمرية العدوانية، كان لها الدور نفسه بالمستوى نفسه على الأقل، فالداخلي والخارجي متناغمان متكاملان، وفي الظروف والشروط التاريخية التي تحكم بلادنا لا يمكن لأحدهما أن يفعل فعله العميق والشامل من دون الآخر، ولذلك فإنه لأمر خطير إغفال الداخلي والتركيز على الخارجي أو العكس، غير أن ما يستدعي القلق والغضب أن البعض يفعل ذلك، فتراه منصرفاً بكليته إلى لوم الذات وتقريعها وجلدها، علماً أن الأولوية قد تكون للداخلي أحياناً من دون إغفال الخارجي، وقد يكون العكس، أي أنه لا يجوز عدم استحضارهما كليهما في جميع الأحوال، فهذا ما تؤكده المعرفة بطبيعة تركيبة النظام العالمي والدولي والمعرفة بموقع بلادنا وأمتنا في هذا النظام.
التعاون لردع السوفييت!
على سبيل المثال لا الحصر، نذكر أن الجنرال الكسندر هيغ، الذي تولى وزارة الخارجية الأميركية في مطلع الثمانينات الماضية، أوضح من دون مواربة طبيعة النظام الدولي وموقع بلادنا وأمتنا فيه حيث قال: "إن حقول النفط في الخليج حيوية جداً لنا ولحلفائنا، وهي مهدّدة بالخطر السوفييتي والدول العاملة لحسابه. إن النزاع العربي/ الإسرائيلي يجعل بعضاً من أوثق أصدقائنا منقسمين على أنفسهم. والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط لا يمكن حمايتها إلا باستراتيجية لا تغفل تعقيدات المنطقة ولا التهديد بحدوث تدخل خارجي. والولايات المتحدة تعتبر عملية السلام، والجهود المبذولة لمواجهة التهديدات السوفييتية والإقليمية، تعزّز بعضها بصورة متبادلة، فإذا كان أصدقاؤنا العرب على استعداد أكبر لركوب المخاطر من أجل السلام مع الإسرائيليين فإن التعاون في مجال الأمن سيكون سهلاً، باعتباره تعاوناً ضرورياً لردع أي تدخل سوفييتي ولردع الدول العاملة لحسابه"!
هذا ما قاله الجنرال هيغ عبر سعيه لتوحيد القوة الإسرائيلية والقوة العربية لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها وضدّ الأمة العربية وأصدقائها، وقد أضاف في ذلك الحديث قائلاً :" إنه لأمر جوهري أن تتحقق حماية مصالح الولايات المتحدة الحيوية، ومع أننا نزيد من قدرة قواتنا العسكرية لكي نتمكن من الإسهام في أمن المنطقة بصورة أفضل- بتشكيل قوات الانتشار السريع- فإن استخدام القوة العسكرية لا يمكن اعتباره ملاذاً أخيراً. فمن أجل ردع الأخطار السوفييتية الكبيرة، وهو ردع يجعل الدور الأميركي أمراً لا مفر منه، فإننا نحتاج أيضاً إلى مساعدات أصدقائنا في المنطقة وخارجها، الذين يطاول الخطر على أمن الشرق الأوسط مصالحهم، وهذا هو سبب إصرارنا على تحقيق تعاون استراتيجي مكثف مع الإسرائيليين ومع مصر والسعودية ودول معينة أخرى"!
أولوية الأخطار الخارجية!
ولكن، على الرغم من غياب ذريعة الخطر السوفييتي، الذي استبدل اليوم بخطر الإرهاب والإسلام، فإن قراءة لما يصدر عن أعضاء الإدارة الأميركية الحالية من أقوال وأفعال ترينا مدى التطابق مع جوهر ما قاله وفعله الجنرال هيغ في مطلع الثمانينات الماضية، وترينا أولوية العامل الخارجي في تردّي أوضاعنا، من دون إغفال العوامل الداخلية، فقد قال الجنرال هيغ يومئذ :" إن نظرتنا الاستراتيجية العريضة إلى منطقة الشرق الأوسط تدرك الصلات الوثيقة القائمة بين هذه المنطقة والمناطق المجاورة، أي أفغانستان وجنوب شرق آسيا وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر المتوسط والمحيط الهندي، كما أننا ندرك أن عدم الاستقرار في إيران يمكن أن يؤثر على احتمالات السلام. إن عروضنا إلزامية لتعزيز أمن السعودية كعنصر أساسي في سياستنا الشرق أوسطية، وصداقتنا مع السعودية لا ترتكز فقط على دورها كمزوّد بالنفط، بل كشريك أساسي في مصالحنا الأوسع مدى، ولم يغفل تعاملنا معها تقدير المخاوف الإسرائيلية من صفقة الأسلحة للسعودية. نحن مصممون على إبقاء التفوق النوعي الإسرائيلي، وملتزمون من صميم قلوبنا وبصورة دائمة بصيانة أمن الإسرائيليين، فمن دون القوة الإسرائيلية لا أمل في تحسين احتمالات السلام، وسوف يتعذّر تحقيق الأمن في المنطقة وضمان بقاء السعودية آمنة. إن وجود علاقات قوية بين الولايات المتحدة والسعودية – مثلما الحال مع الإسرائيليين – هما أمران رئيسيان لتحقيق المهام نفسها"!
يحالفوننا ضدّ أمتنا!
يضيف الجنرال هيغ :" ينبغي أن لا ندع قلق أصدقائنا تجاه بعضهم البعض يضعف التزامنا إزاء أمنهم، أو يعيق مخططاتنا الرامية إلى إقامة تعاون استراتيجي معهم. نحن بصدد اتخاذ خطوات للتأكد من الاستجابة لمخاوف الإسرائيليين، كما أننا نسعى لطمأنة الدول العربية أن تطوير تعاوننا الاستراتيجي مع الإسرائيليين موجّه ضدّ التدخل السوفييتي لا ضدّ العرب. ولكن، إذا لم نستطع العمل بفعالية مع جميع أصدقائنا في المنطقة فإن أمننا وأمن الإسرائيليين، بل ومصير السلام نفسه، سيكون معرضاً للخطر"!
إن الأمن والسلام، اللذين يكثر الأميركيون من الحديث عنهما طوال الوقت لا يعنيان سوى مزيد من تردي أوضاع أمتنا، إلى درجة انعدام الوزن التام، والغياب شبه الكامل، بالمعنى المادي والمعنوي، وإن هذا الذي يتحدث عنه الرئيس بوش اليوم، ومن قبله كلينتون، والجنرال هيغ، وهنري كيسنجر، ودوايت آيزنهاور ومن قبله، أي جميع الممثلين الرسميين للاحتكارات وقوى النهب والقتل المتعاقبة، يمكن أن يتحقق فيما لو كانت الحكومات العربية حكومات أجنبية مفروضة، أو موالية تماماً للحكومات الأجنبية، ويمكن أن يتحقق في حال النجاح بإبادة معظم سكان المنطقة، أما وأن الحكومات القائمة لا تزال عربية، وليست طيّعة للأجانب، فإن الأمل يبقى في أن لا تلاقي أقوال هيغ وأفعاله بالأمس وأقوال بوش وأفعاله اليوم سوى، الإدانة والرفض والمقاومة، مع عدم إغفال النواقص والارتكابات الداخلية أبداً.
www.snurl.com/375h