عندما أفشى إيبان أسرار الحرب القادمة!

بقلم: نصر شمالي

بعد خروج قوات الاحتلال الأجنبي من بلادنا العربية، وعلى الرغم من التجزئة، ظل العرب حتى الأمس القريب يعتقدون على نطاق واسع أنهم مستقلون يمتلكون إرادتهم، وأن لديهم المقدرة على تقرير مصيرهم بالأوضاع التي هم فيها، ولذلك كانوا يعقدون المقارنات بين أوضاعهم المتردية وأوضاع العدو الصهيوني المتقدمة وقد طاش صوابهم من الحنق، حيث يرون أسباب التردي محض داخلية، وأن أسباب تقدم الصهاينة المستوطنين تعود إلى معارفهم العميقة، وذكائهم وحنكتهم، ودقة عمل أجهزتهم ..الخ، فلا يملكون أمام ذلك سوى السقوط في براثن اليأس المدمّر!

لم تكن الأنظمة العربية قادرة على مصارحة الأمة أنها غير مستقلة، ولا تمتلك إراداتها، وكانت للإدارات الاستعمارية مصلحة في التأكيد على استقلال هذه الأنظمة وامتلاكها لإرادتها، وذلك من أجل إظهار "إسرائيل" صغيرة وحيدة بين عدد كبير من الدول المستقلة المعادية، وأنها لا تملك في مواجهتها جميعها سوى ذكاءها وديمقراطيتها وتقدمها العلمي، الأمر الذي يجعلها موضع إشفاق وتعاطف عالمي، وبالتالي موضع إعجاب بصمودها وتأييد لانتصاراتها!

التصريح الإسرائيلي المذهل!

لقد لعبت  خرافة العبقرية الصهيونية اليهودية دوراً خطيراً في بلبلة أفكار العرب، وضعضعة صفوفهم وإحباطهم، خاصة وأنهم كانوا يقارنون حجم أمتهم بحجم المستوطنين اليهود، فلا يجدون سبباً لتخلفهم وهزائمهم سوى الفارق البشري النوعي! وكان الصهاينة اليهود يغذّون هذه المشاعر عند العرب، ببعض تصرفاتهم وبعض تحليلاتهم وتوقعاتهم التي تظهر ناجحة صائبة إلى حدّ مذهل، غير أن ذلك كان، في الحقيقة، يحدث في سياق خطة محكمة تساهم فيها واشنطن ولندن وبقية العواصم الاستعمارية، وكمثال على ذلك نأخذ تصريحاً لوزير الخارجية الإسرائيلي آبا إيبان، نشرته مجلة "فورين آفيرز" الأميركية في عام 1965، وجاء فيه ما يلي:

- " ليس من السخف أن نتصوّر قادة العرب وهم يطالبون بإلحاح، في المستقبل، بالعودة إلى حدود عام 1966 أو عام 1967، تماماً كما يطالبون اليوم بالعودة إلى حدود عام 1947، وهي الحدود التي رفضوها في الماضي"!

لقد كان ممكناً أن يكون مثل هذا التصريح عادياً، ومجرّد كلام، غير أن الحرب التي نشبت في عام 1967 جعلته يتحول إلى حدث مذهل، فقد حدّد التصريح مسبقاً موعد نشوب الحرب، وحدّد مسبقاً ردود فعل قادة العرب الذين سوف يكفوّن عن المطالبة بحدود عام 1947 ويبدأون المطالبة بحدود ما قبل حرب 1967!

سرّ التفوق الإسرائيلي المزعوم!

لقد أفشى آبا إيبان سرّين يفترض أنهما غاية في الخطورة، ويجب أن يحاطا بتكتم مطلق، وأن ينحصر العلم بهما في أضيق دائرة من الأشخاص القادة، فهو حدّد زمن الحرب وحدّد ردود فعل القادة العرب، قائلاً أن عام 1966، أو عام 1967، سوف يشهد تغييراً في الحدود، أي أنه سوف يشهد حرباً ينجم عنها بالضرورة اجتياحاً إسرائيلياً لمزيد من الأراضي العربية، وهذا ما حدث بالضبط، فكيف استطاع هذا المرتزق القادم إلى فلسطين من جنوب أفريقيا تحديد موعد الحرب مسبقاً بمثل هذه الدقة، ومن أين له هذه الثقة المسبقة بنتائجها، والأهم: كيف أفشى هذين السرين الخطيرين دون خوف من قيادته التي لم تعترض، ودون أن يخشى استفادة العرب من إفشائهما؟

في الحقيقة، إن الأمر بمجمله، وببساطة شديدة، يعود إلى النقص الفادح في معرفتنا لحقيقة أوضاعنا، وفي معرفتنا لحقيقة وحجم العدو الذي نواجهه، وفي معرفتنا لطبيعة النظام العالمي وقادته الذين يحكمون العالم، حيث قيادة هذا النظام تدير الأمور على الجبهتين: على الجبهة الإسرائيلية كي ينتصر الإسرائيليون، وعلى الجبهة العربية كي ينهزم العرب، بينما كلا الجبهتين التابعتين تتعاونان مع هذه القيادة العالمية إلى أقصى الحدود!

من يعرف السّر أيضاً؟

إن قادة العرب، الذين أشار إليهم إيبان في تصريحه، لم يكونوا في معظمهم سوى إدارات إقليمية، تابعة إلى هذا الحد أو ذاك للإدارة الأميركية، ومن قبلها البريطانية والفرنسية، ولقد كان بإمكان واشنطن، بل حتى تل أبيب، الإعلان رسمياً أنها سوف تغيّر الحدود في عام 1967، وأنها سوف تشن حرباً من أجل ذلك، من دون أن يترتب على مثل هذا الإعلان تبدّل جوهري في النتائج، حيث مصر وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت جميعها لا تزال في طور محاولة الخروج من شبكة ارتباط النظام الرسمي العربي بالإدارة الأميركية، وحيث كان الوعي العام يضع كلاً منها متكافئة، بل يضع مصر متفوقة على الكيان الصهيوني، الذي كان ينظر إليه ويجري التعامل معه في حد ذاته، كأنما هو قوة إقليمية مستقلة!

في عام 1965 لم يكن مهماً للإدارة الأميركية أن يشيع خبر الحرب القادمة في 1967 بين وسط معين من القيادات الإقليمية، وإنه لمشروع التساؤل حول ما إذا كانت هناك قيادات عربية عرفت سلفاً، مثلها مثل إيبان، بأن الحرب قادمة، وعرفت سلفاً أن المطالبة بتراجع الصهاينة سوف يقتصر على حدود ما قبل حرب عام 1967، لكنها لم تكن تستطيع التصريح بما تعرفه للصحف مثلما فعل إيبان، ولم تكن لها مصلحة في مكاشفة شعوبها بحقيقة ما يحاك، لأن معظمها مرتبط عضوياً بالإدارة الإمبراطورية الأميركية!

المقاومة تنهي اللعبة!

لقد أعطت الإدارة الأميركية إيبان فرصة إظهار التفوق الإسرائيلي، والقدرة على التنبؤ بنتائج الحرب وبردود فعل الخصوم، بينما ذلك التفوق لم يكن في حقيقته سوى تفوق النظام العالمي، وبينما تلك المقدرة لم تكن سوى مقدرة الإدارة العالمية الأميركية التي هي سيدته وسيدة خصومه، وهي الحاضرة بفعالية في الجبهتين: جبهة من تريدهم سلفاً أن يربحوا، وجبهة من تريدهم سلفاً أن يخسروا! وقد رأينا كيف أدى اختلاف الظروف الدولية، في حرب عام 1973، إلى أن يجد الكيان الصهيوني نفسه فجأة كأنما هو لا يعرف شيئاً، وكأنما هو غير قادر على فعل أي شيء، لأن الإدارة العالمية أرادت أن تفعل ذلك لبعض الوقت، ولأسباب صارت معروفة للجميع، خاصة على الجبهة المصرية!

اليوم، تبدّل الوضع إلى حدّ كبير جداً في ما يتعلق بقدرة الإدارة الدولية على تنظيم العمليات في كلتا الجبهتين المتحاربتين، وتحقيق النتائج التي تريدها، وقد حدث هذا التبّدل النوعي التاريخي بفضل المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، ولم تعد الإدارة الدولية، أو الإسرائيلية، قادرة على التحكم بمسار العمليات ونتائجها مسبقاً وبحزم، ومع ذلك فإن هناك من لا زالت تصعقهم قراءة تصريحات إيبان، وما زالوا يرون الإدارة الأميركية مطلقة القوة وكليّة المقدرة!

www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1