كيف تتحول الأرقام الضخمة إلى أصفار!
إننا، إذا ما اتخذنا وضعية الإنسان وليس وضعية النعامة، ونظرنا إلى المشرق العربي على مدى آفاقه وليس تحت أقدامنا، فسوف نجد المساحة الجنوبية الغربية منه محتلة احتلالاً عسكرياً استيطانياً مباشراً منذ عشرات السنين، وسنجد المساحة الشرقية الشمالية منه وقد احتلت بدورها احتلالاً عسكرياً مباشراً منذ عامين ونيف، وبينهما ثلاث مساحات هي بدورها عرضة طوال الوقت لأخطار عظيمة محدقة، لا يستبعد من بينها الاحتلال، وليس هو أشدّها خطراً!
ويبدو كما لو كان ضرورياً التذكير هنا بأن مساحة القطرين المحتلين من قبل الأميركيين والصهاينة اليهود تبلغ 461924 كيلو متر مربع، لفلسطين منها 27000 كلم2 والباقي الأعظم للعراق، مضافاً إليهما الجولان السوري! وتبلغ مساحة الأقطار الثلاثة الأخرى، الواقعة بينهما، 293320 كلم2، لسورية منها 185180 كلم2، وللأردن 97740 كلم2، وللبنان الباقي وهو الأصغر، يستثنى منها الجولان السوري! وهكذا يبدو واضحاً أن ما هو محتل من المشرق العربي، احتلالاً مباشراً، يكاد يبلغ ثلثي مساحته الإجمالية! وعندما يكون الوضع كذلك فلابد أن ينظر إليه الناس العقلاء (وليس النعام) كما لو كان محتلاً احتلالاً مباشراً بكامله، حيث أبسط المعلومات العامة عن الحرب والاحتلال تعتبر سقوط المناطق مباشراً وغير مباشر، وهكذا فإنه لبديهي أن ننظر إلى مشرقنا العربي بمجمله على أنه في حالة حرب مفتوحة وتحت الاحتلال، وأن تحكم هذه النظرة تفكيرنا وأداءنا اليومي!
إن نصف عدد سكان المشرق العربي، البالغ حوالي سبعين مليوناً، هو تحت الاحتلال المباشر، ونصفه الآخر في حالة الاحتلال غير المباشر!
طريق التحرير مفتوحة وسالكة!
غير أن المنكفئين من الليبراليين الديمقراطيين الجدد لا يأبهون لحقيقة أن المشرق العربي يعتبر محتلاً بمجمله، احتلالاً مباشراً أو غير مباشر، وينشغلون طوال الوقت في تدبيج الخطابات حول معاناتهم من الاستبداد، وبينما ينظر بعضهم بشماتة إلى ما حدث في العراق، ويعتبره مجرّد مثال لا علاقة مباشرة لنا به ويمكن تجنبه، كأنما هو حدث في كوكب آخر، فإن بعضهم الآخر ينظر إلى المحتلين كقوة مساعدة على الإنقاذ من المعاناة الداخلية، بل إن منهم من ذهب إلى حدّ تهنئة العراقيين بإنجازات الاحتلال، وأولها الانتخابات الديمقراطية، أي أنه يقبل برعاية الجزارين، ويرضى لأهله حياة القطيع ولوطنه وضعية حظائر الأغنام!
إن الأولوية هي لتحرير المشرق العربي من الاحتلال المباشر وغير المباشر، وإذا كانت طريق التحرير قد بدت مسدودة حتى الأمس القريب فقد جاءت الانتفاضة الفلسطينية، والمقاومة اللبنانية، لتبرهن أن الطريق غير مسدودة، ثم نهضت المقاومة العراقية لتؤكد أنها مفتوحة وسالكة، وأن العدو في فلسطين والعراق فقد مرة واحدة وحتى النهاية زمام التحكم بسير المعارك وبنتائجها كما كان يحدث في حروب ما قبل الانتفاضة الفلسطينية، وإنه لمن المدهش أن يبدو البعض وقد فقد الأمل في اللحظة التاريخية التي جاءت بما ينعش الأمل، حيث ظهور المقاومة بهذا الأداء النوعي المتطور، المستقل والمستمر، يؤشر في حد ذاته إلى تطور إيجابي تاريخي هام في البنية الداخلية للأمة، ويشكل مدخلاً تاريخياً إلى علاقات داخلية متقدمة تستطيع تخطي جميع العلاقات المتخلفة وأولها الاستبداد بمسبباته وتفرعاته!
كتلة عظمى قابلة للنهوض!
لو أن الحلفاء وفّوا بتعهداتهم لقادة الثورة العربية الكبرى (وهذا مستحيل طبعاً) وقامت الدولة العربية المشرقية المؤلفة من الحجاز وبلاد الشام والعراق، لما ظهر الكيان الصهيوني بالخصائص السرطانية التي هو عليها اليوم، ولكانت حلّت مشكلة اليهود سلمياً كأقلية في نطاق الدولة الواحدة التي سيبلغ عدد سكانها اليوم حوالي سبعين مليوناً، أي بحجم مصر، أو إيران، أو بريطانيا! ولنا أن نتخيل كتلة بهذا الحجم، وفي هذا الموقع، وبالثراء البشري والمادي المتوفر، وأن نتخيل الفعالية الإيجابية لمثل هذه الكتلة/ الدولة إقليمياً ودولياً! لقد تبدّد حلم قادة الثورة العربية الكبرى في تحقيق مثل هذه الدولة نتيجة خيانة الحلفاء الذين عادوا اليوم لاحتلال المشرق مباشرة، وتحولت المساحة الجغرافية الكبيرة والعدد السكاني الكبير إلى صفر ضخم، حيث تعدّد الدويلات التابعة و الإرادات المستلبة لا ينجم عنه سوى الفراغ العملي والضجيج الصوتي، وهذا ما كان عليه الحال حتى الأمس القريب، قبل الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة العراقية، غير أن هذين الحدثين العظيمين أعادا الأوضاع إلى المربع الأول كما يقال في هذه الأيام، أي إلى إمكانية استرداد الحلم وإمكانية تحقيقه، فبعد إرغام المشروع الاستعماري الصهيوني على القتال المفتوح بشروطنا، وعلى المراواحة المضطربة في المكان، ليس هناك ما يحول دون إلحاق الهزيمة به سوى تخاذل المتخاذلين وخيانة الخونة، وبعد إلحاق الهزيمة به لن يبقى ما يحول دون قيام الكتلة الحلم، الموحدة بصيغة من الصيغ المناسبة، ولن يبقى أيضاً ما يحول دون نهوض الاتحاد المغاربي، واتحاد وادي النيل، واتحاد الجزيرة العربية، ويقيناً إن هذا كله متوقف على صمود المقاومة وتطورها واستمراريتها!
فلسطين مركز تغيير العالم!
إننا إذا ما استعرضنا الأصفاد التي تكبّل الأمة جزءاً جزءاً، واستعرضنا مسببات عطالتها وشقائها وغيابها، ثم ميادين الكفاح من أجل خلاصها، فسوف نجد فلسطين مركزاً وبؤرة لكل ذلك، وأنها سوف تبقى إلى أمد قد يطول وقد يقصر ميدان الكفاح الأول والفعالية الرئيسة الذي تتفرع عنه وتعود إليه جميع الميادين والمراكز الأخرى، وما حدث في العراق بوجهيه السلبي والإيجابي ليس إلا دليلاً قاطعاً على ذلك، ولا نبالغ إذا ما توقعنا للانتصار المنشود، في الساحتين الفلسطينية والعراقية، دوّياً تتردّد أصداؤه في القطبين، حيث هو لن يعني في حال تحققه أقل من تبدّل العلاقات الدولية عموماً نحو الأفضل، أي أنه سوف لن يعني أقل من تغيير العالم لما فيه مصلحة شعوب العالم، خلافاً لمصالح الاحتكارات الربوية الصهيونية، وعندئذ لن يبقى ما يحول دون ظهور الأمة بالصورة الإنسانية اللائقة، ومن هنا نستطيع أن نفهم مغزى هذا الحضور المكثف الدائم في الميدان الفلسطيني، من قبل أكبر القوى الدولية وأصغرها، وأن نفهم سرّ هذا المقدار الهائل من التعقيدات المستعصية المحيطة بها، وهذا الحجم من الضغوطات التي لا تطاق المفروضة على شعبها البطل!
إنه لمن شبه المستحيل إحراز أي تقدم جدّي، في مضمار الديمقراطية وحقوق الإنسان مثلاً، قبل نيل الحرية والاستقلال، أي قبل امتلاك إرادتنا السياسية والاقتصادية على أرضنا الحرة، إذ كيف يمكننا تنظيم علاقاتنا الداخلية ديمقراطياً، بعد تحقيق نهضتنا العلمية وتطورنا الاجتماعي والاقتصادي، من دون الحرية والاستقلال، وفي ظل أوضاع لم نخترها نحن، بل فرضت علينا بالاحتلال المباشر وغير المباشر؟
www.snurl.com/375h