قمح الأميركيين، ومقالات بعض السوريين !
بتاريخ 21/4 الماضي أذاعت مصادر الأخبار أن باخرة لواحدة من دول التحالف رست في ميناء أم قصر العراقي، وأفرغت حمولة ضخمة من طحين القمح، وأن الحمولة نقلت الى المستودعات في البصرة، وسرعان ما جرى توزيع آلاف الأطنان منها على الناس، غير أن الخبراء العراقيين اكتشفوا بسرعة أيضاً أن الطحين ملوث بمواد صناعية سامة وصفوها ببرادة الحديد، وأن تناول الطحين سيؤدي الى إصابات قاتلة في الدورة الدموية وغيرها، بعد أن ينجم عنها مرض فقدان المناعة!
لقد دمّروا بنية الدولة العراقية بحيث لم تعد متوفرة حتى التجهيزات البسيطة اللازمة لفحص البضائع الواردة، وبفضل روح المبادرة والنباهة الوطنية فقط أميط اللثام عن عملية إبادة جماعية مدبّرة ضدّ ملايين العراقيين اللذين يعانون منذ خمسة عشر عاماً من الفعالية الإبادية لليورانيوم الأميركي المستنفد !
بالنسبة إليّ، لم يقتصر الأمر على سماع خبر الحمولة الغذائية السامة بل تبع هذا
الخبر ظهور مقالتين لكاتبين سوريين طالعتهما غير مصدّق ما تضمنتاه، وأبقيتهما على
مقربة وقد آلمني مصاب أمتنا ببعض أبنائها ! لقد كانت المقالة الأولى مخصصة للحديث
"عن المسألة الأميركية" متوجهة بأفظع التهم للتيارات العربية الإسلامية والقومية
والشيوعية التي – حسب الكاتب- لا تريد أن تفهم هذه المسألة فهماً إيجابياً،
وبالتالي فهي تستحق الزوال إن لم يكن الاستئصال (صحيفة "الحياة" 17/4) أما المقالة
الثانية فقد احتفت مبتهجة بآخر عملية انتخابات عراقية، واعتبرتها فتحاً للأبواب على
مصارعها
أمام الأمن والرفاه والحضارة، موجهة في الوقت نفسه أفظع التهم لعمليات المقاومة
التي تحاول إعاقة مسيرة الحرية والديمقراطية والتقدم ( صحيفة "السفير" 18/4).
بيوت البشر، وأوكار الذئاب !
كانت الصلة واضحة بين حمولة الباخرة وحمولة المقالتين، مثلما الصلة بين الريح والغبار، وبين الفاعلين والمنفعلين، الأمر الذي يستدعي العودة الى أخبار الإبادات الجمعية التي مازال الأميركيون يرتكبونها حتى يومنا هذا في جميع أنحاء العالم، والعودة الى أخبار انقلاب وارتداد بعض أبناء الضحايا ضدّ أهلهم في جميع الأمكنة والأزمنة، وبغضّ النظر عن الأسباب بريئة أو غير بريئة.
كان الإباديون يجدون دائماً من يتواطؤ معهم من الضحايا، وكان المتواطئون وما زالوا ثلاثة أصناف: قلة قليلة من الخونة، وعدد لا بأس به من الانتهازيين، وكثرة من الجهلة ! أمّا عن الإبادات الجمعية المستمرة، بالسموم تحديداً، فإن باخرة القمح المسموم ليست أولها ولن تكون آخرها، فقد بدأها الأوروبيون في القارة الأميركية منذ وضعوا أقدامهم على أرضها لأول مرة، حيث اعترف حاكم بليموث وليام برادفورد أن المستوطنين الأوائل من الأنكلو سكسون كانوا يوزعون الأغطية (البطانيات) الملوثة بجراثيم الجدري على السكان الأصليين كهدايا لينتشر الوباء بينهم ! يقول برادفورد في يومياته المدوّنة: " فنفقوا بسرعة كبيرة مثلما تنفق أغنام موبوءة، ولم يعد هناك أحد يستطيع مساعدة المرضى أو دفن موتاهم " ! ويقول باري هولستون لوبيز في كتابه " الذئاب والبشر " أن مستوطني مستعمرة ماساشوسيتس كانوا يصنعون لحماً مسموماً للذئاب ويعدّون غطاءات ( بطانيات ) ملوثة بجراثيم الجدري للهنود، وكانوا يغيرون على وكر الذئب لقتل جرائه مثلما يغيرون على بيوت الهنود لقتل أطفالهم أو اختطافهم ! وهكذا، أليس من السذاجة، ومن قول ما لا يلزم، أن نذكّر هنا بالطفل البريء محمد الدرة وبالشيخ المجاهد أحمد ياسين، وبسجن أبوغريب ومعتقل غوانتانامو، وباليورانيوم المستنفد وبباخرة الطحين المسموم التي أفرغت حمولتها في البصرة قبل أيام ؟
الإبادات الجمعية للأجناس اللعينة !
إن الموقف الحازم الصارم من الاستبداد الجائر حق وواجب بلا جدال، لكن الاحتلال الأجنبي لا يمكن أن يقبل كبديل للاستبداد الداخلي مهما بلغ من القسوة والظلم، خاصة عندما يكون الاحتلال عنصرياً إبادياً كالأميركي والإسرائيلي ! فمنذ عام 1736 وجه القائد العام الإنكليزي، اللورد جيفري إمهرست، أمراً مكتوباً الى مرؤوسه الكولونيل هنري بوكيه يطلب منه إجراء مفاوضات سلام مع الهنود، وأن يقدّم إليهم خلالها ( كهدايا) بطانيات ملوثة بجراثيم الجدري، موضّحاً في كتابه بجلاء وبالحرف: " من أجل استئصال هذا الجنس اللعين " ! وما هي أوامر وأفعال الأميركيين والإسرائيليين في العراق وفلسطين إن لم تكن كذلك بالضبط ؟ وكيف يصحّ أن يكون الاستئصال باليورانيوم والقمح المسموم محرراً للعراق من الاستبداد ؟!
لقد تم الكشف عن الأمر/الوثيقة الذي أصدره اللورد إمهرست في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وثبت أن الحرب الجرثومية هي الرئيسة التي فتكت بجميع شعوب القارة وحققت فكرة أميركا: فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة ! غير أن المؤمنين بوحدانية الهولوكست اليهودي-كما يقول منير العكش- ما يزالون يحاولون إثارة الشكوك حول حروب الإبادة الجمعية الجرثومية التي نظمها وينظمها الأنكلو سكسون ضد الآخرين ! وبالعودة الى الكاتبين السوريين نجدهما يتحدثان كأنهما لم يسمعا بقنابل هيروشيما وناغازاكي، بل كأنهما لا يريدان رؤية ما يحدث اليوم في أفريقيا وآسيا عموماً وفي فلسطين والعراق خصوصاً ! وهما يخاطبان أمتهما، ممثلة بتياراتها الرئيسة التاريخية الشاملة، كأنها معتدية لا ضحية، وكأنها تستحق الاحتلال جزاءً وفاقاً ! إنهما يتجاهلان الأحداث الموّثقة، البعيدة والقريبة والمعاشة بلا انقطاع، فكأنهما يعتبران مجرد الإشارة إليها تشجيع على كراهية الأميركيين التي تنتجها " عقلية المؤامرة " ! فهل يتوجب علينا أن نندفع هنا بسذاجة لنذكرهما بالتدمير الشامل لمدينة الفلوجة وغيرها في العراق وفلسطين، وبمئات الألوف الذين شردوا وقتلوا منذ وضع المحتلون أقدامهم على أرض العراق ؟
ظاهرة الانقلاب رأساً على عقب !
إن الكاتبين السوريين يتجاهلان الوقائع الاستئصالية العظمى، مثلما فعل رئيس الرابطة التاريخية الأميركية هاورد بيكهام الذي اكتشف وثيقة إمهرست الإبادية، فأخفاها ومثيلاتها لسبع سنوات بحجة أنها " تعطي انطباعاً سيئاً " ! ولكن إذا كان بيكهام معذوراً في محاولته الدفاع عن دولته الأميركية فأين العذر في دفاعنا نحن عن تلك الدولة المعتدية علينا، وما الصمت عن أفعالها إن لم يكن تواطؤاً على الأقل ؟ وفي ما بعد عثر المؤرخ آلان ستيرن مصادفة على وثيقة إمهرست وأوردها في كتاب له، غير أن الكتاب اختفى من الأسواق، بل من معظم المكتبات الجامعية، ولم تدرجه مكتبة الكونغرس في فهارسها!
لقد دعا كاتب المقالة الأولى للتصالح مع " المسألة الأميركية " واتّهم الحركات العربية، الإسلامية والقومية والشيوعية، بإنتاج نزعة الكراهية ضد أميركا، وتحدث عن هذه الحركات كأنما هي ظاهرة مقتصرة على العرب وحدهم ولا يوجد مثلها عند غيرهم، وكأن الأميركيين لا مشكلة لهم سوى مع تخلّف العرب ! كأنما العرب هم فقط من يكره أميركا، مع أن أوروبيين كثر يكرهون أميركا بمجملها فعلاً لأسباب تنافسية على الأقل، بينما العرب، بما فيهم الحركات الإسلامية، يكرهون سياساتها العدوانية فقط. وهل نحن من ذهب إليها أم هي من جاءت إلينا بأساطيلها وإسرائيلها !
أما كاتب المقالة الثانية فقد دلل على أنه يكره المقاومة أكثر من كراهيته للاستبداد، وقد بدا متفائلاً بالاحتلال، مطمئناً الى خروجه بشرف بعد القضاء على المقاومة!
إن النكوص والانقلاب رأساً على عقب، من الشيوعية والقومية الى نقيضهما، هو ظاهرة تستحق التوقف والتفهّم شرط أن لا تشغلنا عن الأخطار العظمى الماثلة الماحقة، فهذه الظاهرة تبقى في سياق التاريخ هامشية وثانوية قياساً بالأخطار الخارجية، بل هي تنهض مع التدخلات الخارجية وتزول بزوالها، وأمام بروزها اليوم هنا وهناك، في أوساط بعض النخب السورية، لا نملك سوى الشعور بالأسف والحزن، إنما دون خوف على الأسس والأصول والمستقبل.
www.snurl.com/375h