ما هي مدلولات العودة الى نفط ألبرتا ؟

بقلم: نصر شمالي

يقوم النفط في شرايين الحياة الأممية المعاصرة مقام الدماء في شرايين الجسم البشري، غير أن هذه المادة الحيوية تختلف عن الدماء في كونها محدودة ومستهلكة، أي أنها عرضة للنضوب، بينما الطلب العالمي عليها يزداد بمعدّل يقارب 2% كل عام، مع الانتباه الى أن هذا المعدل لا يعني الكمية نفسها مكررة، بل يعني أرقاماً تكبر وتكبر من عام لآخر، ففي العام 1972 كان معدّل 2% يعني زيادة مقدارها 800 ألف برميل في اليوم، أما الآن فإن هذا المعدل نفسه يعني زيادة يومية تبلغ أكثر من مليوني برميل في اليوم ! ويتوقع الخبراء أن يؤدي النمو في الاقتصاد العالمي خلال العشرين عاماً القادمة الى ارتفاع الطلب على النفط من 65 – 85 مليون برميل الى 330 مليون برميل، وإنه لرقم بالغ الضخامة حقاً يجعلنا نلتفت تلقائياً الى الوجه الآخر للمسألة، وهو أن الاحتياطي الإجمالي العالمي لهذه المادة يتناقص بمعدل 3 – 4 % كل عام، أي ما يقارب حوالي 1،5 مليون برميل يومياً في العام 1972 ، يقابلها 3 الى 4 ملايين برميل يومياً في المرحلة الراهنة !

الأميركيون يستعجلون كارثة عامة !

إن الهاجس الأعظم الذي يؤرّق البشرية في مواجهة خطر تناقص النفط هو تأمين الكهرباء للبيوت، وتأمين الطاقة لقطاعات المواصلات والزراعة والصناعة، وإن البدائل المطروحة هي الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، غير أن هذه البدائل جميعها مازالت تبدو بعيدة عن متناول اليد العامة، لضعف جدواها الاقتصادية من جهة ولمحدودية جدواها الإنتاجية من جهة أخرى، أي أن أرباحها ضئيلة وإنتاجها قليل، فالخبراء يقدّرون إنتاجها بما يعادل 1 الى 200 من حجم الطاقة التي يحتاجها العالم ويوّفرها النفط اليوم، ولا يبدو في الأفق المنظور أي حل عملي لعلاج هذين النقصين الفادحين في بدائل النفط !

غير أن الهواجس المؤرقة لا تقتصر على تأمين الكهرباء والمواصلات والصناعات السلمية بل تتعداها الى أخطار تطال حياة كوكب الأرض بمجمله، حيث تناقص النفط بالطرق المتبعة لاستهلاكه، وبالتالي نضوبه، يعني في الوقت نفسه دمار البيئة الصالحة للحياة على الأرض ! ومن جهة أخرى فإن النفط في حال ترشيد استهلاكه يمكن أن يستمر أزمنة طويلة كافية ريثما تنهض البدائل، ولا تتعرض خلالها الحياة عموماً لخطر الفناء الشامل، لكم الأميركيين لا يأبهون لذلك، ويواصلون برعونة مخيفة فعل كل ما من شأنه تسريع قدوم كارثة عامة، رافضين الموافقة والتوقيع على أية معاهدات دولية يمكن أن تحول دون وقوع الكارثة !

عجز المنطق وضرورة الردع !

إن سكان الولايات المتحدة يشكلون 2% فقط من مجمل سكان العالم، لكن الفرد الواحد منهم مسؤول لوحده عن نسبة من تلوث البيئة العالمية تعادل ما يلوثه ألف فرد من سكان بلدان الجنوب ! وسكان الولايات المتحدة، بنسبتهم الضئيلة هذه، يستأثرون لوحدهم بأكثر من 30% من مجمل الطاقة المستهلكة دولياً ! فإذا سألت قادتهم الاحتكاريين الأثرياء القساة عن تفسير لهذه المفارقة أجابوك باعتداد وصلف أن بلادهم تنتج 35% من مصنوعات العالم، وبالتالي فإن من حقهم الحفاظ على طراز ومستوى حياتهم ! غير أنهم لن يخبروك أن جيوشهم وآلاتهم الحربية تستهلك قسماً كبيراً من كمية الطاقة التي يحتكرونها، ولن يقولوا لك أن الحروب التي يفتعلونها لترويج منتجاتهم الحربية وللسيطرة على ثروات الشعوب الأخرى تستهلك بدورها قسماً كبيراً من هذه الطاقة، كذلك لن يجيبوك أن الحفاظ على طراز ومستوى حياتهم المتلافة الباذخة هو الذي يدفعهم الى العدوان على الشعوب، والى تأجيج نيران الحروب في كل مكان، وبالتالي الى تعريض كوكب الأرض برمّته لأخطار إيكولوجية ماحقة ! 

إن الأميركيين لا يأبهون، ويرفضون الاحتكام الى المنطق والالتزام بالقرارات الدولية عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على طراز ومستوى حياتهم ! إنهم مثل فتى طائش، أفسده الدلال والثراء حتى النخاع، يبدد ثروة الأهل ويهدرها بطرق جنونية، فلا ينفع معه سوى الردع ! وبالفعل فإن أحد خبرائهم النفطيين الكبار أجاب معلّقاً على ما قيل له بصدد تناقص احتياطي النفط بما يلي: أنا أعرف ما يقولونه. إنهم يأتون إليّ كل عشر سنوات ولسان حالهم يردد الكلام نفسه. لكن الانخفاض في إنتاج النفط يبقى دائماً بعيداً لعشر سنوات أخرى، وأنا لا أكاد أراه يحدث !

 

نفط ألبرتا ونفط العرب !

في الزحف نحو الغرب الأميركي، وهو الملحمة المروّعة التي انخرطت فيها جموع من القتلة والرعاع والمغامرين وشذّاذ الآفاق، وقادها الاستراتيجيون الإنكليز روّاد الاستيطان، أبيدت شعوب أميركا الأصلية الى حد كبير، والقلة القليلة التي بقيت على قيد الحياة دفعت وحوصرت في مناطق غير صالحة للحياة وكفيلة بهلاكها أو بالحدّ من نموها، ومن هذه المناطق منطقة " ألبرتا " التي تتميز أراضيها بأنها غير صالحة للزراعة ولا للرعي، إضافة الى سوء مناخها ! لأنها سهوب جرداء من الرمال المشبعة بالنفط، وهو نوع من النفط يصعب استخراجه إلا بتكاليف عالية جدا، حيث تبلغ تكلفة استخراج البرميل الواحد في ألبرتا عشرين ضعف مثيله في البلاد العربية ! إن بعض الخبراء يقدّرون احتياطات ألبرتا النفطية بما يعادل احتياطات السعودية، لكن الوصول إليها واستخراجها فائق التكلفة والصعوبة كما ذكرنا، فخلافاً لنفط المنطقة العربية، بشروطه الجيولوجية الإيجابية، تسرّب نفط ألبرتا منذ أقدم العصور واختلط بالرمال وبغيرها على سطح الأرض، فأصبحت عملية فصله معقدة جداً، تحتاج طحن الرمال المشبعة، ثم دفعها الى محاقن عملاقة تخلطها بالماء الساخن، ثم تدوّرها في آلات طرد مركزية تفصل النفط عن بقية المواد..الخ ! أما في الكويت مثلاً، فإن برميل النفط الخام في متناول اليد مباشرة، يؤخذ من الآبار بالراحة بكلفة لا تزيد عن دولارين ! وبالطبع، هكذا حال النفط في العراق وفي بقية البلاد العربية النفطية عموماً.

نعود الى ألبرتا، التي جعلوا منها معزلاً مميتاً للهنود الحمر، فنراهم قد عادوا اليوم لاستردادها من بقية أصحابها الأصليين المعزولين فيها ! إن الجرافات القلابة العملاقة، من طراز كاتربلر 797، تجوبها اليوم وتسيطر عليها ! إنها آلات ديناصورية تتحرك على إطارات يبلغ قطرها أربعة أمتار، أما حمولتها فتبلغ 363 طناً من الرمال المشبعة بالنفط، تغرفها مجارفها وتنقلها الى المطاحن، أما الشركات التي بدأت تعمل في هذا الميدان فهي شركة "شل" وشركة " هاليبرتون " وغيرهما من الشركات التي يتولى رجالها اليوم قيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، من أمثال جورج بوش وديك تشيني، الذين يقودون الحرب الإبادية ضدّ العراق وفلسطين والأمة العربية عموماً!

إنهم يريدون استنزاف النفط العربي، السهل والجيد والرخيص، حتى آخر قطرة لصالحهم وحدهم، ولو استدعى ذلك فناء أصحابه، ويستعدون في الوقت نفسه لمرحلة ما بعد نضوبه، بالعودة الى نفط ألبرتا الذي أفنوا أصحابه، وبتدمير مناطق أخرى داخلية وخارجية، مثل آلا سكا وتشاد والسودان، فإذا ما نهضت بدائل النفط بمواصفات مقبولة وكافية استولوا عليها بدورها، أما إذا لم يحدث ذلك فإن لسان حال الإدارات الأميركية الفاسدة يردد: إذاً فليذهب العالم كله، وبلادنا في جملته، الى الجحيم !

www.snurl.com/375h 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1