هل يريد اللبنانيون والسوريون القطيعة ؟!

بقلم: نصر شمالي

بسبب التطورات الأخيرة، والمستجدات الخطيرة، هاهي قضية العلاقات اللبنانية السورية تطرح نفسها مرة أخرى وأخرى على بساط الجدل والمراجعة والبحث التاريخي. إنه جدل شعبي ورسمي سوف يستمر على الأغلب لزمن غير قصير، وهو جدل أين منه ذاك الذي أعقب انهيار الوحدة المصرية السورية التي دامت أقل من أربعة أعوام!

صحيح أن مثل هذا الطرح لقضية العلاقات اللبنانية السورية قد تكرر على مدى أكثر من خمسة وثمانين عاماً مضت، أي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وانهيار الرابطة العثمانية، واحتلال الإنكليز والفرنسيين لبلاد الشام والعراق وتجزئتها، غير أن الجدل يدور الآن بعد حوالي ثلاثين عاماً من الحياة اللبنانية السورية المشتركة، اليومية الميدانية، ومن هنا تبرز أهميته وخطورته، فهي ثلاثة عقود من السنين تشكل حوالي ثلث المسافة الزمنية التي تفصلنا عن البداية بعد الحرب العالمية الأولى، أي أنها حقبة كبرى تفوق من حيث مساحتها وعمقها، ومن حيث ثرائها بالتفاصيل الدقيقة، الزاهية أو القاتمة أو كليهما، أية واحدة من الحقب السابقة. إنها بالمقارنة تفوق بما لا يقاس العلاقات المصرية السورية البالغة القصر في عهد الوحدة، بل وتفوق العلاقات المصرية السودانية قبل ثورة تموز/ يوليو 1952!

صحيح أن العلاقات اللبنانية السورية، الميدانية المباشرة، تحققت في ظل ظروف استثنائية عام 1976، وأنها في ما بعد نظمت باتفاقية الطائف، لكننا رأيناها على مدى سنوات طويلة تتجاوز الظروف الاستثنائية والطائف إلى تنظيم العلاقات الثنائية، بين البلدين وحدهما فقط وفي جميع ميادين الحياة العامة لكليهما، بحيث غدت العلاقات العسكرية كأنما هي استثنائية وثانوية قياساً بالأسس التي أرسيت بما يتفق مع حياة مشتركة متطورة ودائمة، فكيف حدث أن ذلك كله يبدو اليوم كأنما هو في مهب الريح؟

جدلية الاتحاد والافتراق؟

سواء تحدثنا عن الاتحاد أو عن الافتراق، فإن السؤال الذي يتوجب علينا طرحه هو: ما هي الوظيفة الإنسانية التي استدعت الاتحاد، وما هي الظروف التاريخية التي ساعدت على تحقيقه، وما هي الظروف الإنسانية التي استدعت الافتراق، وما ظروفها التاريخية، فليس من شك أن لكل منهما ضروراتها الفعالة، بغض النظر عن النتائج سلباً أو إيجاباً. إن الوظائف الإنسانية هي التي تعطي الاتحاد أو الافتراق تلك القيمة الهامة، فعندما لا تنفي مزايا وخصائص المدن وحدة الدولة، مثلاً، لا تكون ثمة مشكلة خطيرة قائمة، فالحدود الإدارية للمدن داخل الدولة الواحدة، مضافاً إليها الخصائص الذاتية المحلية لسكان المدن، لا تشكل نيلاً من وحدة الدولة، المتجسدّة في وظائفها الإنسانية التي حظيت برضى وقبول مجمل الشعب الواحد، وبالمقابل، فإن وحدة الدولة الواحدة تصبح عبئاً ثقيلاً لا يطاق على المدن إذا ما كانت وظائفها غير إنسانية، متناقضة مع متطلبات الحياة العميقة التي أجمع عليها الشعب رسمياً وأصولاً، ومتعارضة مع خصوصيات المدن والجماعات والأفراد وإن كانوا أبناء أمة واحدة! فإذا كان الحال كذلك في الظروف الطبيعية، حيث الدولة مستقلة مالكة لإرادتها، فكيف يكون في حال ضعفها وإذا كان لافتراق أبنائها وتجزئتها وظيفة خارجية ضرورية، تقتضيها المصالح الأجنبية الاستراتيجية؟

لقد حدث أن الأوساط القيادية العربية لم تقدّم الوظيفة الضرورية الإنسانية للاتحاد بما يكفي من الوضوح، لا في خطابها السياسي ولا في أدائها الاتحادي، فترتب على ذلك قصور خطير جعل الدعوات والتجارب الوحدوية تبدو إلى حد كبير عشوائية وضبابية، إن لم تظهر كأنما هي غير مجدية وضارة، الأمر الذي ترك المجال فسيحاً للقوى الأجنبية كي توظف الافتراق والتجزئة لصالح استراتيجيتها الدولية، وعلى حساب مصالحنا بالطبع!

من هنا تبدو خطورة التطورات والمستجدات الأخيرة في العلاقات اللبنانية السورية، فالثلاثين عاماً الماضية من الحياة الميدانية المشتركة أصبحت أساساً رئيساً لجدل واسع النطاق حول علاقات تاريخية لا فكاك منها سلباً أو إيجاباً، مهما حدث وأياً كانت المستجدات، ولذلك فإن الفشل في العيش المشترك غير مسموح به قطعاً على الرغم من أي شيء، فإما أن تكون النتيجة علاقات سليمة صحية طيبة، وإما العكس لصالح الأعداء، حيث لا يستطيع أي من البلدين الابتعاد عن الآخر والانتقال إلى منطقة نائية، أو كوكب بعيد!

اللبنانيون ضدّ الافتراق

في عقد الخمسينات من القرن الماضي واظب اللبنانيون على انتقاد الرئيس خالد العظم لأنه نظم العلاقات الجمركية بين البلدين من طرف واحد، وأطلقوا عليه اسم: أبو القطيعة! أي أبو الافتراق والتجزئة! لقد كانوا بكل بساطة، وبحسهم الفطري العفوي السليم، يدركون أن حياة المواطنين في لبنان وسورية، وفي مجمل بلاد الشام والعراق، وجميع الدول العربية الأخرى، تتعارض مع الحدود والسدود والقيود من أي نوع كانت، أي أن نزعة المواطن البسيط العادي هي نزعة اتحادية، تنطلق من فهمه المبسّط لاحتياجات حياته اليومية، فالزارع والصانع والتاجر والسائح، ناهيكم عن المثقف والمفكر، يدركون قيمة الحركة على مساحة جغرافية وديمغرافية واسعة لا تحدّها قيود. إن الأمكنة الضيقة تنتج أفكاراً ضيقة، وتحقق مصالح مالية وصناعية وزراعية وتجارية ضيقة، بل خانقة، وهذا ما يدركه بداهة أبسط الناس في بلادنا، وما هو الاتحاد إن لم يكن استجابة مخلصة لهذا الإدراك؟ لكن الناس البسطاء لا يستطيعون أن يذهبوا بتفكيرهم إلى أبعد من ذلك، فتقدير العواقب والنتائج البعيدة هي من مهام الأوساط القيادية، وقد سمعت أحد اللبنانيين يتحدث إلى التلفاز شاكياً من الممارسات التي تعرّض لها، وقلقاً في الوقت نفسه على مصالحه المشتركة مع إخوانه السوريين، وقد لخص بعبارة بسيطة اعتراضاته، ومخاوفه من التطورات، فقال أن المواطنين السوريين واللبنانيين هم الضحية!

ويحضرني هنا ما جاء في خطاب جلالة الملك فيصل الأول، أمام المؤتمر العربي التأسيسي في دمشق عشية تتويجه ملكاً على سورية. لقد قال ما معناه أن سياسة حكومته ستكون تقديم أصحاب الخبرة والكفاءة على أصحاب الوجاهة والثراء، وأن على الأكثرية أن تضحي لصالح المناطق النائية والفئات الاجتماعية التي ظلمت في الماضي كثيراً، وأنه سيميّز تلك المناطق وتلك الفئات بالمعاملة وبالامتيازات التعويضية، وأنه سيترك لبعضها المجال واسعاً في مناطقها كي تمارس عاداتها وتقاليدها وعقائدها براحتها التامة! ولعل الملك فيصل دفع سريعاً ثمن ذلك التوجه التوحيدي، الواقعي العملي، الذي يجمع ولا يفرّق، ويحبّب ولا ينفّر، ويجلب ولا يستبعد، فكان أن أخرجه الفرنسيون من سورية بعد أقل من سنتين لصالح الاستراتيجية الدولية التي تقوم على العكس تماماً!

القلب المفتوح والطريق المفتوحة

ولكن الأعداء يخططون ويعملون اليوم على تجزئة الأجزاء! إن الدويلات المجزأة التي صنعوها في الأربعينات، بما يتفق مع إقامة الكيان الصهيوني، معرّضة اليوم مرة أخرى لأخطار المزيد من التجزئة، أي أن تتلاشى شعوبنا الصغيرة وليس أمتنا الكبيرة لصالح الصهيونية والاستراتيجية الدولية، وأن تتحول بلادنا إلى ما لا يحصى من الكانتونات، وإن أبسط ما يتوجب علينا فعله للدفاع عن وجودنا الأولي هو أن يستوعب الأكبر الأصغر، فيعطيه دائماً و لا يأخذ منه أبداً، ويفتح له القلب والطريق لحركة أوسع، جغرافية وديمغرافية، يتسع معها أفقه، وتنتعش بها روحه، وتتحقق عبرها مصالحه، فتتلاشى شكوكه ومخاوفه، ويطمئن إلى أشقائه ويزداد ثقة  بهم وتلاحماً معهم، وإن نقطة البدء في كل هذا هو احترام الإرادات الاجتماعية العامة التي تعبر عن نفسها بنصوص رسمية، مقرة رسمياً، والتقيّد بها مثلما الإنسان مقيّد بالتنفس!

www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1