هل يمكن تجاهل العرب وإسقاطهم من الحساب ؟! (1)

بقلم: نصر شمالي

ذات يوم من عام 1942، طلب الرئيس الأميركي روزفلت من الصهيوني حاييم وايزمان القدوم إلى الولايات المتحدة للمساعدة في تطوير صناعة المطاط المركّب، باعتباره كيميائياً! كانت الإدارة الأميركية في تلك الفترة مهتمة أعظم الاهتمام بالمنطقة العربية ونفطها، وحريصة أن لا يبدر عنها ما يثير مخاوف العرب بصدد مصير فلسطين، وهذا ما يفسّر الدعوة بحجة صناعة المطاط المركّب! وقد لبى وايزمان الدعوة، واستمرت إقامته في الولايات المتحدة حتى تموز/ يوليو 1943، حيث في تلك الفترة، وعلى ضوء قنابل الحرب العالمية الثانية، كان ولاء القيادات الصهيونية اليهودية يتحول من لندن إلى واشنطن بسرعة، فقد صار واضحاً أن تلك الحرب سوف تنتهي بانتصار الولايات المتحدة وحدها! وبالطبع استقبل الرئيس الأميركي ضيفه وايزمان مرات عديدة، وفي إحداها حاول أحد الحضور، وهو معاون وزير الخارجية سمنرويلس، إثارة تجاوب الرئيس وعطفه على فكرة إقامة "دولة يهودية" في فلسطين، غير أن الرئيس الذي لم يكن يحتاج إلى تحريض، بل كان متحفظاً مؤقتاً، بدا ميالاً إلى فكرة "تسوية عربية/ يهودية للمشكلة الفلسطينية"! مع أنه لم تكن ثمة "مشكلة فلسطينية" على الإطلاق بل مشكلة هجمة صهيونية استيطانية إبادية على فلسطين برعاية لندن وواشنطن خاصة!

في تلك المقابلة قال وايزمان للرئيس الأميركي: إذ اعتمد إنشاء الوطن القومي اليهودي على موافقة العرب فإنه لن ينشأ أبداً"! لقد اقترح وايزمان تجاهل العرب وإسقاطهم من الحساب، وأن تتخذ الولايات المتحدة وبريطانيا موقفاً قوياً داعماً لإنشاء "الوطن اليهودي" وإجبار العرب على الإذعان لمنطق القوة العارمة، مثلما أجبروا من قبل على الإذعان لتصريح بلفور وما تلاه بواسطة القوة!

روزفلت يؤسس أكذوبة اللوبي اليهودي!

كان الرئيس الأميركي روزفلت وزوجته أليانور من أبرز الشخصيات الأميركية الصهيونية غير اليهودية ومن أشدّها تأييداً للمشروع الاستيطاني الإبادي في فلسطين، لكنه في تلك اللحظة كان مشغول الفكر بالتوفيق بين ضمان تحقيق المشروع الاستيطاني وبين ضمان تحقيق صداقة الحكام العرب، والحلول محل بريطانيا في المنطقة العربية، حيث الصراع الخفي كان ضارياً حول منطقتنا بين واشنطن ولندن، أما وايزمان فكان يخشى أن تعيق تلك الاعتبارات تحقيق حلمه اليهودي الخاص، أو أن تنعكس على شكله وحجمه وقيمته، فهو يعلم تمام العلم أنه مجرّد مشروع استعماري لا يمكن أن تقوم له قائمة، ولا أن يعيش، من دون دعم ورعاية العواصم الاستعمارية، ولذلك راح ينصح سيّده أن صداقة العرب أو عداءهم لا يؤثران على المصالح النفطية، بدليل أنهم رضخوا وأذعنوا لتصريح بلفور!

لقد استمر الرئيس روزفلت في محاولاته للتوفيق بين التزاماته الصهيونية اليهودية وبين اتجاهه بعد مؤتمر يالطا نحو تعزيز صلات الصداقة بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة المملكة العربية السعودية، غير أن ذلك لم يمنع، ابتداء من عهده، ترسيخ ذلك التقليد الأميركي الذي ظل ثابتاً ومستمراً، وهو ما يدعى بالتأثير الصهيوني اليهودي (اللوبي) على السياسة الأميركية بصدد ما يسمى بالشرق الأوسط، خاصة من خلال البيت الأبيض مقر الرئاسة الأميركية، فذلك "التقليد" ظل حتى الأمس القريب يعفي الإدارات الأميركية من الحرج، ويظهرها كأنما هي مغلوبة على أمرها مثلها مثل الحكومات العربية، الأمر الذي يستدعي تفهم وضعها ومساعدتها من قبل الحكام العرب! وبالفعل، في ما بعد، صارت معظم الحكومات العربية المتعاقبة تجد عذراً للسياسة الأميركية الصهيونية اليهودية بسبب ذلك التقليد الذي تأسس في عهد روزفلت!

ترومان يتجاهل الحكام العرب !

بعد وفاة الرئيس روزفلت جاء الرئيس ترومان، بطل القنابل النووية ضدّ اليابان، ليتجاوز محاولات التوفيق بين الالتزام بالصهيونية اليهودية وبين كسب ودّ الحكومات العربية، فقد تبنى بلا مواربة وجهة النظر التي عرضها وايزمان، وهي أن الحكام العرب سوف يذعنون أياً كانت المواقف الأميركية، وبالفعل اعتبر الحكام العرب أن ترومان ليس سوى ضحية للوبي اليهودي الصهيوني، ففي 31 آب/ أغسطس 1945 قام ترومان بخطوته الأولى على طريق تجاهل الحكام العرب، حيث طلب من رئيس الوزراء البريطاني (إتلي) الموافقة على هجرة 100 ألف يهودي إلى فلسطين، فراح إتلي يذكره بالعهود التي قطعت للحكومات العربية، بينما هو في الحقيقة يحاول الدفاع عن مصالح دولته المهدّدة من قبل واشنطن، لكن ترومان واصل اندفاعه بقوة، إلى حدّ أنه أذاع على الملأ أن الولايات المتحدة "سوف تضطلع بالمسؤولية المالية لنقل اليهود إلى فلسطين"!

في العام التالي، 1946، أعلنت الحكومة العمالية البريطانية معارضتها مرة أخرى لقبول 100 ألف مهاجر يهودي، وعندئذ راح المسؤولون الأميركيون يلوّحون بإمكانية رفض الكونغرس المصادقة على قرض لبريطانيا قيمته 3750 مليون دولار، فكان ذلك التهديد كافياً كي تخفف الحكومة البريطانية من تشدّدها في التظاهر بأخذ الحكام العرب بعين الاعتبار!

إحالة القضية إلى الأمم المتحدة!

في الثاني من نيسان/ أبريل 1947، طلبت بريطانيا من هيئة الأمم المتحدة إدراج مسألة فلسطين على جدول أعمالها، فشكلت لجنة خاصة للتحقيق ولرفع التوصيات، فكان أحد الاقتراحات هو تقسيم فلسطين إلى ثلاثة أجزاء: دولة عربية، ودولة يهودية، ومنطقة دولية في القدس! وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1947 أعلن وفد الولايات المتحدة في هيئة الأمم تأييده الرسمي لمشروع تقسيم فلسطين، وتمّ ذلك بأمر مباشر من الرئيس ترومان، وبذلت الإدارة الأميركية جهوداً جبارة في الضغط على عدد كبير من الحكومات لإلزامها بالتصويت إلى جانب مشروع التقسيم، وفي التاسع  والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، أقرت الجمعية العمومية تقسيم فلسطين، وبعد اتخاذ القرار أصبح مطلوباً بإلحاح ضمان الاعتراف بالكيان الصهيوني على أنه دولة، وعندما أعلن عن قيامه (14 أيار/ مايو 1948) بعث الرئيس ترومان باعتراف أميركا بعد إحدى عشرة دقيقة فقط!

هكذا أسقط العرب من الحساب، وجرى تجاهل أبسط حقوقهم الطبيعية، وذلك بحجة "ملء الفراغ الاجتماعي والسياسي والحضاري"، حيث كان الأوروبيون والأميركيون يتحدثون عن العرب باعتبارهم تلك المجتمعات " القبلية، الرعوية، المتخلفة، التي تقطن الخيام، في تلك البلاد التي تتطور ببطء شديد نحو مراحل ما قبل الرأسمالية، الأمر الذي يستدعي زرع رأسمالية متقدمة، متحضرة، في ذلك الشرق الأوسط شبه الإقطاعي، الذي لا يخضع فيه الإنتاج لأي تصنيع محلّي حديث، والذي تنحصر موارده في بعض العائدات الريعية التي تدفعها الشركات الأوروبية والأميركية للشيوخ الحكام في تلك الأقطار.. الخ"!

الحكم على الأمة العربية بالموت !

هكذا يتحدث الأوروبيون والأميركيون الصهاينة عن الجزء باعتباره كلاً، وعن الفرع باعتباره أصلاً! لقد جزأوا الوطن العربي، قبل انهيار الدولة العثمانية وبعد انهيارها، كي يتمكنوا من الحديث عنه والتعامل معه جزءاً جزءاً، وقد طاش صوابهم عندما حاول محمد علي توحيد المنطقة وتحديث مصر، وتعاونوا جميعاً على إفشال محاولاته، وكرروا ذلك مع الشريف حسين رغم أنه حاول إقامة دولة عربية موحدة بمعرفتهم وبالتنسيق معهم وبموافقتهم، فتنصلوا من وعودهم وخذلوه خذلناً تاماً، وهكذا فإنهم هم من أوجد قسراً ما زعموا أنه "فراغ حضاري"، وهم من تسبب في تعميق التخلف ورعاية عدم الخروج منه، فأقاموا هذا العدد الكبير من الدويلات التي يحلو لهم الحديث عن/ ومع كل واحدة منها على حدة! وبالطبع، فإن الكيان الصهيوني ما كان له أن يقوم وسط مجتمع حديث متقدم، والمبّرر هو أن يقوم في منطقة تعيش مرحلة ما قبل العلاقات الرأسمالية، أو الحديثة، حيث السكان عاجزون عن اللحاق بالعصر الحديث..الخ، وبما أن عدة محاولات عربية كبرى برهنت عن جدارة الأمة العربية بالانتقال إلى أحدث المراحل التاريخية فقد سارعت الإدارات الرأسمالية الصهيونية الدولية إلى ضرب تلك المحاولات وتشويهها وطمسها بمنتهى الشدّة، فالكيان الصهيوني هو من يستطيع ملء "الفراغ الحضاري"، وهو من سيغدو "الواحة الديمقراطية" في تلك الصحارى المترامية القاحلة، فيضيء الظلام الدامس بصفته مجتمعاً حديثاً، رأسمالياً تقدمياً، وديمقراطياً حضارياً، وهو من سيقود هذه المجتمعات القبلية المتخلفة، الميؤوس من نهوضها، بموافقتها أو من دون موافقتها!

والحكم للكيان الصهيوني بالحياة !

لم يكن مطلوباً تكريس التخلف في المنطقة العربية وحسب، بل إظهاره على أنه أصلي متأصل في الأمة العربية، مع أنها عريقة حية، كي ينهض مبرّر إقامة الكيان الصهيوني مع أنه مخلوق إجباري لا أصل له! وبعد إقامته صار من الضروري الحيلولة بحزم دون إحراز أي تقدم عربي في أي ميدان إنساني، لأن ذلك سوف يتحقق بالضرورة على حساب المهمة "الحضارية" المنوطة بالصهاينة اليهود وحدهم، ناهيكم عن الوعود الإلهية المزعومة التي تبشر بألف عام سعيدة تلي إبادة العرب وانتصار اليهود الذين سوف يعتنقون حينئذ المسيحية الأنكلو سكسونية اللوثرية ويحظون معها بالخلاص والسعادة السرمدية!

لقد أرغم كل عربي حاول التقدم على الفشل بطريقة أو بأخرى أياً كانت ميوله السياسية والاجتماعية، بما في ذلك المتحمسين لإقامة أوثق العلاقات مع الدول الاستعمارية، الذين أخلصوا لعملية الانتقال إلى مرحلة الرأسمالية الليبرالية! لقد كانت الشروط الذاتية لتحقيق هكذا عملية متوفرة دائماً بالطبع، غير أن مصر، مثلاً، لم تتمكن من وضع قدمها على أول طريق الانتقال إلا في عام 1952، حيث كان الكيان الصهيوني قد نهض قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات، ولو أن الخطوة المصرية تحققت قبل نهوضه لكانت أفسدت خطاباتهم وحججهم وأربكت مشروعهم الاستيطاني! ولذلك نرى كيف سبق إنشاء الكيان الصهيوني تقسيم المشرق العربي إلى مناطق وضعت تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، وكيف تحوّلت هذه المناطق إلى دويلات جديدة في السنوات القليلة التي تحوّل فيها أيضاً الكيان الصهيوني إلى "دولة"! وعندما أعلن عن قيام "الدولة اليهودية" كان ذلك إيذاناً بحرب مفتوحة يترعرع الكيان المصطنع في أجوائها بينما يضمحل محيطه المجزأ!

سياسة الغرب التاريخية الثابتة !

يقول المفكر العربي المصري أنور عبد الملك في أحد كتبه: إن ما حدث في الأربعينات (من القرن العشرين) وفي المقدمة إقامة "دولة إسرائيل"، كان استمراراً متصلاً لتلك السياسة الغربية المعادية للعرب، وإن هي عبّرت عن نفسها بأساليب جديدة، وعندنا أن الواقع والتاريخ معاً يؤكدان أن قضية فلسطين هي آخر حلقة وأخطرها في مسألة الشرق العربي، فالواقع والتاريخ يؤكدان أن المنطقة المعروفة اليوم في الغرب باسم "الشرق الأوسط" كانت منذ خمسين قرناً منطقة الصراع المصيري الرئيسي بين دول الشرق وحضاراته من ناحية، والغزاة الآتين من الشمال من ناحية أخرى، وكان هذا بالضبط مغزى التاريخ الغربي والشرقي كله منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، وفي كلمة، كانت وجهة الغرب الحضارية، وحروبه وغزواته، وأهدافه السياسية والدينية، والإيديولوجية والفكرية، والاقتصادية، جميعها تهدف إلى شيء واحد، ألا وهو تحطيم جميع المحاولات الهادفة إلى إنشاء دولة عربية في قلب الحضارة الشرقية الإسلامية، كي تستطيع أوروبا أن تسود وتهيمن بالسلاح والفكر، وإن الواقع والتاريخ يؤكدان أنه منذ اشتداد أزمة النظام العالمي، وفي مواجهة اشتداد الموجة الثورية العربية، كان لابد من إقامة السدّ تلو السدّ، وبناء على بدايات نشأت منذ نهاية القرن التاسع عشر جرى تقسيم فلسطين عام 1947 وإنشاء "الدولة الصهيونية" ضدّ حركة التحرر والوحدة في الوطن العربي، وجملة القول أن الأزمة في الشرق العربي لم تنشأ ابتداء من قضية فلسطين، بل من إصرار الغرب كله على تقويض أركان القوة الشرقية بقيادة العرب في منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا وغرب آسيا، ومعنى هذه السياسة، بشكل واضح ودقيق، أن رسالة الغرب الحضارية تكمن في منع قيام دولة شرقية عصرية في هذه المنطقة، هي دولة الأمة الحضارية المتحدة. هذا ما قاله أنور عبد الملك.

www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1