كيف ينظر الغرب إلى موقع أمتنا؟
ينوف تعداد الأمة العربية اليوم عن ثلاثمائة مليون نسمة، ولا يضيرها في بنيتها الإجمالية ذلك التنوع في الأديان والأعراق هنا أو هناك، فهي متآخية وموحّدة في تاريخها العريق وفي معاناتها المعاصرة وفي تطلعها إلى مستقبل كريم، إضافة إلى توزعها الديمغرافي الضروري الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بوظائفها الإنسانية، فما ينوف على المائة مليون نسمة يتصلون بالأطلسي وبشمال أفريقيا وجنوب أوروبا عبر المغرب العربي، ومثلهم في وادي النيل وشرقي أفريقيا يتصلون بأواسط أفريقيا حتى أقصى الجنوب وبحوض المحيط الهندي عموماً، وأيضاً مثلهم في المشرق العربي والجزيرة العربية يتصلون بآسيا الصغرى، وبشرق آسيا الكبرى، وبأوروبا أيضاً!
إنها أمة سوف يبلغ تعدادها حوالي نصف مليار نسمة بعد عشرة أعوام تقريباً، ويعطينا مشهدها من حيث الحجم صورة إجمالية عن أمة من أكبر الأمم في منطقة حوض المتوسط عموماً، بل هي حقاً أكبرها قاطبة إذا ما أخذنا التجانس معياراً، وهو التجانس الذي لم يفقد شيئاً من استقراره ورسوخه وحيويته على الرغم من جميع المآسي والأهوال والمصائب التي حلّت بالعرب خلال القرون الخمسة الماضية!
التجزئة في نطاق الوحدة!
إن هذه الأمة موحّدة في الأساسيات بما لا يقبل المماحكة ولا يخفى على العاقل المنصف، لكن وحدتها تبقى ناقصة نقصاناً فادحاً، فهي مكبّلة، شبه معطلة ومغيبة، وقد حاولت طوال القرن الماضي تحطيم أصفادها وتحقيق نهوضها والانطلاق قدماً على طريق تخطّي حاضرها غير الكريم وغير اللائق إلى مستقبل كريم ولائق هي جديرة به، لكنها لم تحقق حتى الآن ما يستحق الذكر على صعيد بناها الفوقية، وإن هي ازدادت تشبثاً بوحدة الأساسيات في بناها التحتية، فكيف حدث أن الأمة ظلت موحدة بقوة في الأساسيات، أي في مكوناتها التاريخية وفي تجانس كتلها الاجتماعية وفي أحاسيسها وردود أفعالها وتطلعاتها، على الرغم من تجزئتها سياسياً وإدارياً وجغرافياً؟ الجواب بكل بساطة هو أن هذه التجزئة لم تحدث أبداً، في أي مكان وفي أي وقت، استجابة لإرادة أو رغبة أو موافقة مجتمعاتها، بل حدثت دائماً خلافاً لإرادتها، فالتجزئة كانت، ومازالت، محصلة إرادات أجنبية بالدرجة الأولى، تواطأت في تنفيذها قوى محلية محدودة، أما مبرّر الإرادات الأجنبية فهو أن وحدة هذا النظام الربوي العالمي تقتضي وتشترط تجزئة الأمة العربية وغيرها من الأمم، فالوحدة العربية، جغرافياً واقتصادياً وسياسياً، تعني بداهة النيل من وحدة النظام الاحتكاري العالمي، ولذلك نرى التجزئة مستمرة في نطاق وحدة هذا النظام على الرغم من أنها لا تحظى بأي تأييد اجتماعي في أي قطر من الأقطار العربية!
إن التجزئة إنجاز خارجي شبه محض، ولأنها لا تحظى بأي قدر من التأييد الداخلي المجتمعي، بل تواجه بالرفض والعداء الشديد، رأيناها مرعية ومحروسة على مدى القرن العشرين بالتدخلات العسكرية الأجنبية عندما اقتضى الأمر ذلك، ناهيكم عن القوى المحلية الساهرة، المسلحة وغير المسلحة، إضافة إلى القاعدة الاستيطانية الصهيونية!
فلسطين مركز جميع الفعاليات!
إننا إذا ما استعرضنا الأصفاد التي تكبّل الأمة جزءاً جزءاً، واستعرضنا مسببات عطالتها وغيابها، ثم ميادين الكفاح من أجل خلاصها، فسوف نجد فلسطين مركزاً وبؤرة وميداناً لكل ذلك، وأن فلسطين سوف تبقى إلى أمد، قد يطول وقد يقصر، ميدان الصراع الأول الذي يتقرر فيه استكمال الوحدة أو استمرار التجزئة، ومركز الفعالية الرئيسة الذي تتفرع عنه وتعود إليه جميع الميادين والمراكز الأخرى، ولا نبالغ إذا ما توقعنا للانتصار المنشود في الميدان الفلسطيني دوّياً تتردد أصداؤه حتى قطبي الأرض، حيث هو لن يعني، عندما يتحقق، أقلّ من تبدّل العلاقات الدولية نحو الأفضل!
إن الانتصار في فلسطين لن يعني أقلّ من تغيير العالم لما فيه مصلحة العالم، وذلك خلافاً لمصالح الاحتكارات الربوية، وعندئذ لن يبقى ما يحول دون استكمال الأمة العربية لوحدتها، ومن هنا نستطيع أن نفهم مغزى هذا الحضور المكثف والدائم في الميدان الفلسطيني من قبل أكبر القوى الدولية وأصغرها، وسرّ هذا المقدار الهائل من التعقيدات المستعصية، وهذا الحجم الذي لا يطاق من الضغوطات، والذي بلغ ذروته بالاحتلال الأميركي المباشر للعراق!
إن فعاليات الميدان الفلسطيني الرئيسة تبدو متمركزة في أقطار الوطن العربي الكبير الذي هو عقدة الاتصال والتقاطع بين القارات الثلاث، فهي تكبّل الأمة قطراً قطراً محيلة حياة كل واحد منها إلى أزمات مفتوحة، حادّة، يصعب الإمساك ببداياتها وتحديد نهاياتها، بينما مصالح المستعمرين تسري في مجاريها من دون عائق يستحق الذكر، لكن فعاليات الميدان الفلسطيني لا تقتصر على الأقطار العربية وحدها، بل تلقي بظلالها القاتمة على مساحات شاسعة تمتد آلاف الكيلو مترات عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا!
تقرير لجنة كامبل بنرمان!
لقد اقتصرت سياسة التجزئة المعمول بها على الأوساط العربية الحاكمة والدوائر العليا التي تحيط بها، وهي ظلت مرعية على الدوام من خارج الحدود العربية، وقد استماتوا، وما زالوا يستميتون، من أجل نقل الاختلاف والانقسام إلى جسم الأمة وروحها ونفسها وذهنها، لكنهم لم يحققوا أي قدر من النجاح يستحق الذكر، ولكي لا يخطر على بال أحد أننا نبالغ في تصوير استماتتهم من أجل إشاعة التجزئة في جسد الأمة نورد مقاطع من تقرير لجنة كامبل بنرمان رئيس الحكومة البريطانية الأسبق، وهو التقرير الذي أعدّ عام 1907 بعد جولة ميدانية طويلة في بلادنا اشترك فيها عشرات العلماء من مختلف الفروع، ولم تقتصر على الإنكليز وحدهم، بل ساهم فيها أوربيون من بلدان أخرى، وخاصة من فرنسا.
لقد أعدّ تقرير لجنة بنرمان في وقت كان المشرق العربي لا يزال جزءاً من الرابطة العثمانية، بينما كانت بلدان وادي النيل والمغرب العربي ترزح تحت وطأة الاستعمار الأوروبي، خاصة الإنكليزي والفرنسي، وقد انقسم التقرير إلى ثلاثة أقسام تقريباً:
1- في القسم الأول وصف التقرير جغرافية الوطن العربي الكبير، وموقعه، وخصائصه، فقال:" على الساحل الجنوبي للمتوسط من الرباط إلى غزة، وعلى الساحل الشرقي حتى مرسين وأضنة، وعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا والذي تمر به قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى طول ساحلي المحيط الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطريق إلى الهند .."! وبعد أن عرض التقرير حدود الوطن العربي انتقل إلى التوصيف الديمغرافي والاجتماعي، فقال:" إن في هذه المنطقة الحساسة أمة واحدة، تتوفر لها من وحدة تاريخها ودينها ولسانها وآمالها كل مقومات التجمع والترابط والاتحاد، وتتوفر في نزعاتها التحررية وفي ثرواتها الطبيعية وفي كثرة تناسلها كل أسباب القوة والتحرر والنهوض.."!
2- في القسم الثاني، عرض التقرير الإنكليزي/ الأوروبي معاني أن تكون الأمة العربية مستكملة وحدتها على أرضها الموحدة، فشرح كيف أن ذلك ممكن، ثم تساءل قائلاً:" كيف يكون وضع المنطقة إذا توحّدت فعلاً آمال وأهداف أمتها، وإذا اتجهت هذه الرقعة كلها في اتجاه واحد؟ وماذا لو دخلت إليها الوسائل الفنية الحديثة وإنجازات الثورة الصناعية الأوروبية؟ وماذا لو انتشر التعليم في أوساط هذه الأمة؟ وما الذي سوف يحدث إذا ما تحرّرت هذه المنطقة وتمكنت من استغلال ثرواتها الطبيعية من قبل أهلها؟.."! وقد علّق التقرير الإنكليزي/ الأوروبي على هذه التساؤلات بالقول:" إن الخطر على كيان الإمبراطوريات الاستعمارية كامن في هذه المنطقة، في تحررها، وفي توحيد اتجاهات سكانها، وفي تجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة وهدف واحد.."!
3- في القسم الثالث دعا التقرير الدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة إلى ما يلي:" للعمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ المتخلف كما هو، وعلى إبقاء شعبها في ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر، وعلى محاربة اتحاد جماهير المنطقة ومنع ترابطها بأي نوع من أنواع الترابط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وعلى إيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها ما أمكن.."!
وقد قدّم التقرير الإنكليزي/ الأوروبي بعض المقترحات المستعجلة، وجاء في نصه:" لدرء الخطر عن الاستعمار العالمي.."! فأوصى بضرورة:" العمل على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن الجزء الآسيوي.."! واقترح من أجل تحقيق الفصل الضروري:" إقامة حاجز بشري، قوي وغريب، على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، بحيث يشكل قوة صديقة للاستعمار وعدوّة لسكان المنطقة.."!
الحق ما شهدت به الأعداء!
لقد أعّد تقرير لجنة كامبل بنرمان (زعيم حزب الأحرار البريطاني) كما ذكرنا في عام 1907، وبعد ذلك بسنوات قليلة بدأت تظهر نتائج العمل بموجبه، ففي نهاية الحرب العالمية الأولى، وأثناء انهيار الرابطة العثمانية ومن ثم زوالها، أبرمت اتفاقيات سايكس/بيكو الإنكليزية الفرنسية (عام 1916) التي تضمنت تجزئة المشرق العربي، ثم صدر وعد بلفور في العام 1917، الذي نص على إقامة الحاجز البشري، القوي والغريب، والصديق للاستعمار، والعدو لسكان المنطقة، حسب ما ورد في تقرير لجنة كامبل بنرمان، وقد تحقق ذلك بمشاركة رئيسة قوية من حكومة الولايات المتحدة الأميركية التي سوف تتزعم النظام الاستعماري في مرحلته الربوية الاحتكارية السافرة ابتداء من نهايات الحرب العالمية الثانية، في الأربعينات من القرن العشرين!
وهكذا، فنحن لا نلقي الكلام جزافاً، على عواهنه، عندما نتمسك بحدود الوطن العربي التي عرضها تقرير لجنة بنرمان كحقيقة قائمة يجب تحطيمها، ولا نبالغ أبداً عندما نتحدث عن حجم الأمة ومكانتها ووحدتها وطاقاتها الكامنة، فقد صوّرها التقرير الإنكليزي/ الأوروبي تصويراً كاد يكون فوتوغرافياً في أمانته، وهذا أمر بديهي حيث المخططات الاستعمارية الجدّية والخطيرة يجب أن ترتكز إلى معلومات واقعية صحيحة!
www.snurl.com/375h