الاكتفاء بالتعبير ديمقراطياً عن الآلام المبّرحة!

بقلم: نصر شمالي

عندما يكون امرؤ موجوعاً وجعاً لا يطاق، بسبب علة خطيرة تهدّد حياته، فإنه لمن السخف الإجرامي أن ننشغل بمعالجة انفعالاته، فنطالبه أن لا يصرخ، أن لا يتلوى، أن لا ينتفض! ونوبّخه بل نضربه إذا أصاب من حوله بقبضته أو قدمه أو رأسه، وندعوه إلى التعبير عن وجعه الذي لا يطاق بأسلوب مهذب متحضر! إن واشنطن تدعو الشعوب الموجوعة، التي دخل بعضها في طور الاحتضار، إلى التعبير عن آلامها الرهيبة بأسلوب مهذّب، متحضّر، ديمقراطي، وأن تتجاهل العلّة الكامنة وراء أوجاعها!

الآلام المبرحة للمواصلات والاتصالات!

إن 70% من مواقع التجارة الإلكترونية العالمية، على مواقع شبكة الإنترنت، محجوزة ومتوضّعة في الولايات المتحدة الأمريكية، وإن 90% منها تنطق باللغة الإنكليزية! إن كل 300 إنسان أفريقي يمتلكون اليوم خط هاتف عادي واحد، مقابل 100% في الدول الاسكندنافية! وإن 40% من أجهزة الكمبيوتر في العالم موجودة في الولايات المتحدة وحدها، وأربعة أخماس مالكي الهواتف الخليوية يقيمون في دول الشمال الثرية! أما في بنغلادش، مثلاً، فهناك خط هاتفي عادي واحد لكل 275 إنسان، حيث 90% من قرى هذا البلد (86 ألف قرية) لا توجد فيها أية وسيلة على الإطلاق للوصول إلى خدمة الهاتف العادي! بل إن أكثر من مليار إنسان في هذا العالم، الذي تضطهده واشنطن على مدار الساعة، لم يجر أي منهم مكالمة هاتفية طوال حياته (مقالة مها جديد: العولمة والفجوة الرقمية) فهل هذا ذنبه، وتقصير منه؟ كلا! فالسبب يكمن في أن البلدان الثرية "المتخمة رقمياً" تسيطر أصلاً وفي الوقت نفسه على أسواق البورصة، وعلى مصادر المواد الخام، والأسواق الدولية، والنقل الجوي والبحري، وتوفرّ لمجتمعاتها بواسطة القوة الصماء الباغية أعلى مستويات الحياة على حساب عوز وشقاء وفناء مجتمعات الجنوب التي تشكل أربعة أخماس سكان العالم! إنها آلام مبرحة في ميدان المواصلات والاتصالات، سببها الاحتكار الدولي والاضطهاد الأميركي، غير أن الإدارة الأميركية لا ترى علاجاً لهذه العلة الموجعة سوى في التعبير الديمقراطي عن الألم!

أوجاع ميدان المال والأعمال!

إن هوّة التفاوت الاقتصادي والثقافي بين الشمال والجنوب، بين الخمس والأربعة أخماس، تتسع أكثر فأكثر، وواشنطن تقود عملية توسيعها وليس ردمها، فأكثرية سكان العالم تنوء تحت وطأة مديونية بلغت 2500 مليار دولار خلال العام الماضي، ودول الشمال الثرية المتخمة لا تتوانى عن تقديم المساعدات للأكثرية المسحوقة في الجنوب وإن بصورة متناقصة، غير أن حجم المديونية يعادل 50 ضعف حجم هذه المساعدات! ولا يحتاج الإنسان إلى كثير من الخبرة كي يكتشف أن "المساعدات" لا تعدو كونها حلقة في اللعبة الربوية الجهنمية التي يمارسها الاحتكاريون، فمقابل كل دولار واحد تتلقاه البلدان الفقيرة من البلدان الثرية على شكل معونة للتنمية تستردّ الدول الثرية سبعة دولارات كجزء من سداد الديون، أي أنها عملية استعباد والتهام أبدية لا مجال للخلاص من شبكتها الشيطانية سلمياً!

إن الدول الثرية بقيادة واشنطن تعتمد اليوم مقولة "التنمية المستدامة" التي تعني أن يستمتع الغرب باحتكاره الأناني للتقدم، والتي تتيح له أن يتصالح مع ماضيه الآثم، وأن يتابع من دون أي إحساس بتأنيب الضمير استمرار مشاهد التخلف ومعاناة المتخلفين في الجنوب، لأن تقدمهم على الطريقة الأوروبية/ الأميركية سوف يلحق أذى عظيماً بمستقبل كوكب الأرض بيئياً، فالتقدم المتكافىء على صعيد العالم أجمع سوف يعني التلوث المميت لكوكب الأرض، ولذلك فإن الحفاظ على التفاوت في التطور – حسب رأي الاحتكاريين – يعني الحفاظ على الحياة، وياللعجب! ويحدث هذا بينما تمتنع واشنطن عن توقيع بروتوكول كيوتو (1997) بصدد الحدّ من التلوّث، وهي المسؤولة عن ثلث التلوّث البيئي العالمي ( مقالة جورج طرابيشي: خطر تحوّل التنمية المستدامة) لكن واشنطن لا تكفّ عن توجيه النصائح الصارمة لأمم الجنوب بالتعبير ديمقراطياً عن آلامها التي لا تطاق في هذا الميدان!

وجع فلسطين الذي لا يطاق!

يتساءل جورج طرابيشي: أليست حرباً جديدة (عالمية) هذه الحرب التي بدأت يوم 11/9/2001؟ أليست حرباً لن تعرف نهاية حقيقية إلى أن يكفّ العالم عن كونه منقسماً على نفسه إلى أثرياء ومعدمين، وجارحين ومجروحين؟

إنه تساؤل صحيح، في محله، يصيب كبد الحقيقة، بعيداً عن المصطلحات والتوصيفات الإرهابية الأميركية، وإن العرب، في فلسطين والعراق خاصة، هم أول من أعطى ويعطي هذه الحرب الجديدة تفسيرها الصحيح، ففي فلسطين العربية المحتلة يمضي الصهاينة قدماً على طريق ابتلاعها بالكامل، وتبديد أهلها بالكامل، حيث بينما يتظاهر الصهاينة اليهود وحماتهم الأميركيون أنهم يسعون إلى إعطاء الفلسطينيين دويلة ما يستقلون بها، تؤكد وقائع الاستيطان أن حربهم الإبادية لن تتوقف حتى هلاك الفلسطينيين عن بكرة أبيهم. فالحكومة الصهيونية الحالية، ممثلة برئيسها، تتظاهر أنها تسعى إلى تفكيك بعض المستوطنات وإن عنوة، بينما هي التي قادت عمليات الاستيطان طوال الثلاثين عاماً الماضية في الضفة والقطاع، وهي التي أقنعت المستوطنين أن ما يسمونه "يهودا والسامرة" باقيتان لهم إلى الأبد، وهي التي شيّدت البيوت الكبيرة للمستوطنين، ولبّت جميع مطالبهم، وأوهمتهم أنهم "عمود النار" التوراتي، حتى باتوا يعتقدون أن التوراة لو كتبت اليوم – حسب صحيفة ايديعوت أحرونوت – لخصصت للمستوطنين فصولاً كثيرة! إن شارون هو أبرز من علّم المستوطنين كيف يعاندون، وكيف يضللون، وكيف يتناغمون مع السياسة المخاتلة لحكومتهم، وهو الذي أقنعهم أن كل شيء في "إسرائيل" منوط بشخص رئيس الحكومة، ويزول بزواله من الحكم! وفي مواجهة هذا الفتك السرطاني بالجسم الفلسطيني تدعو واشنطن الفلسطينيين إلى ضبط النفس، والتعبير عن أوجاعهم بهدوء حضاري ديمقراطي غير مسلّح!

العراقيون يواجهون العلّة التاريخية!

تسيطر الولايات المتحدة في أوروبا وحدها على 250 ساعة بثّ إذاعي وتلفزيوني من أصل 275 ساعة، ولنا أن نتصور حال أجهزة البث في مختلف أنحاء العالم الأخرى! وفي العراق تتشبث الإدارة الأميركية بخطابها الإعلامي الذي يدعو إلى التعبير عن الألم العراقي بإلقاء السلاح والتحول إلى الانتخابات الديمقراطية والخطاب الديمقراطي، ولا تسمح لأجهزة الإعلام بإبراز العلة المسببة للآلام العراقية، قبل الاحتلال وبعده، والمتمثلة بالإصرار على امتلاك أرض العراق ونفطه واستعباد شعبه! لكن الاستجابة للخطاب الأميركي في العراق لا تعني سوى الانتحار طوعاً، وهو ما يأباه العراقيون الذين لم يغب عن أذهانهم أبداً أن الأميركيين لا يأبهون لنوعية الأنظمة الحاكمة إلا بمقدار تعارضها أو تناغمها مع مصالحهم. لقد هبّ العراقيون يواجهون بصمت، وبحزم وبفعالية، العلة التاريخية لأوجاعهم وأوجاع الأمم جميعاً، ألا وهي الاحتكار الربوي العالمي، الإرهابي المسلّح، الذي دمّر بنية بلدهم التحتية بمجملها، ودمّر مدنهم، وقتل عشرات الألوف منهم، بينما هو يطالبهم بالتعبير عن أوجاعهم التي لا تطاق بصورة مهذّبة، متحضرة، وديمقراطية!

www.snurl.com/375h

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1