هل يعقل أن لا نرى خطر الإبادة الماثل؟!
يتلخص المشروع الأنكلوأميركي الصهيوني المتعلق بالعرب بتحويل أوطانهم الى مخيمات أو معسكرات، والى محميات أو كانتونات، وفي أفضل الأحوال الى دويلات لكل منها حكم ذاتي مسؤول عن ضبط الأمن ولا سلطة له بصدد الأرض! إن السياسة الإسرائيلية صريحة تماماً في إعلانها عن مصير كهذا للفلسطينيين، وإن السياسة الأميركية تكشف عن سيرها في هذا الاتجاه بصدد مصير العراق، حيث تلحّ طوال الوقت على تأكيد تنافر مكوناته البشرية وضرورة تقسيمه، ومع ذلك فإن البعض مازال سادراً في ضلاله، لا يرى الأخطار الماثلة أو لا يريد أن يراها!
صحيح أن أوضاع العرب تختلف عن أوضاع الهنود الحمر اختلافاً كبيراً، بحيث يصعب أن يطبّق ضدّهم ما طبّق على الهنود الحمر في أميركا وكندا، غير أنه من الممكن تحقيق روح المشروع الأنكلوأميركي الصهيوني، والوصول الى النتائج المطلوبة، مع اختلاف لا قيمة له في المظاهر والشكليات، بل إن الصهاينة اليهود يمكن أن يفعلوا بعرب فلسطين ما فعله الأنكلوسكسون اللوثريون بهنود أميركا وكندا!
محميات الهنود الكندية المروَعة!
تبلغ مساحة كندا حوالي عشرة ملايين كم مربع (139\976\9كم) ويبلغ عدد سكانها حوالي ثلاثين مليون (25650مليون نسمة عام 1995) فهي شبه قارة كانت حتى الأمس القريب موطناً للملايين من السكان الأصليين، وهم الشعوب التي أطلق عليها المستوطنون الإباديون صفة الهنود الحمر، أما اليوم فلم يعد يوجد في كندا سوى حوالي نصف مليون إنسان من تلك الشعوب المبادة، وجرى توزيع ما تبقى من "هنود" كندا على 2234 محميَة، أو معسكر، أو مخيم، سمَها ما شئت، فهي بغضّ النظر عن التسميات تعني وضعهم في نطاق مكاني محدد تحت الإشراف! وعندما نتأمل في عدد سكان كل محمية من تلك المحميات الكثيرة فسوف نرى عدداً بائساً من أناس ليس أسهل من السيطرة عليهم، أي أن هذه البقية الباقية من أصحاب البلاد حرمت حتى من وحدة العدد الإجمالي المتبقي الذي هو نصف مليون، فكأنما هم أبيدوا عن بكرة أبيهم، حيث ذلك العدد من المحميات المنفصلة تماماً عن بعضها البعض (2234محمية) حوّل النصف مليون الى ما يقارب الصفر!
الهنود جزء من البيئة والطبيعة!
بالطبع كان ممكناً إبادة الهنود نهائياً، وقد ضاقت بهم المساحات الكندية الشاسعة، القليلة السكان! لكن بعض الظروف وبعض العقول الاستيطانية حالت دون ذلك، وراعت مقتضيات الحفاظ على "عيّنات من هذا النوع من الكائنات"! إن الفضل الأكبر في بقاء من بقي من السكان الأصليين يعود الى أنصار البيئة والطبيعة من المستوطنين الأوروبيين، الذين يناضلون أيضاً من أجل حماية بقايا الحيتان والفيلة والدببة! إن أنصار البيئة والطبيعة يتصدون فعلاً لأية محاولة تهدف الى إبادة بقايا الهنود الحمر، باعتبارهم جزءاً من البيئة الهندية التراثية وجزءاً من الطبيعة التي يتوجب الحفاظ عليها!
لقد أقيمت في مدينة "أوكا" الكندية محمية هندية تراثية وضع فيها مالا يزيد عن 2500 هندي أحمر، وخصصت لها غابة صغيرة من الصنوبر مساحتها في حدود ميل مربع ونصف، وهذه الغابة كانت من الممتلكات التي تركت للهنود الحمر حتى عام 1947، غير أن بلدية أوكا، لهدف ما تقتضيه مصلحة الحضارة، قررت منذ ذلك التاريخ إلحاق الغابة الصغيرة بممتلكات البلدية، مع بقاء الهنود فيها كبيئة تراثية، مثلما تخصص البلديات قطعة من الأرض كمحمية للحيوانات ترتع فيها ولا تملكها!
المحمية الهندية أم ملعب الغولف؟
لكن أنصار البيئة والطبيعة والتراث، والهنود والحيوانات، ليسوا بالتأكيد في قوة أنصار لعبة الغولف الأرستقراطية، وقد حدثت مواجهة بينهما سرعان ما حسمت لصالح لعبة الغولف، التي قرر أنصارها (ربيع عام 1990) توسيع ملعب بلدة أوكا، حين اقتضت الضرورة إضافة تسع حفر إليه، وبالطبع فإن إضافة تلك الحفر يعني الشيء الكثير على صعيد الحضارة والمدنية، وبالتالي فإن إزالة بعض العوائق البيئية الطبيعية، مثل الأشجار أو الهنود، بدت عملاً بسيطاً لا يتعدى في أهميته ترحيل أنقاض أو نفايات، وقد قرر أنصار الغولف إزالة تلك الغابة الصغيرة، المخصصة كمحمية للهنود الحمر، لصالح توسيع الملعب!
ولكن، من يصدق أن هنود تلك المحمية ثاروا، وتمردوا، وحاولوا عرقلة تنفيذ قرار البلدية بتوسيع ملعب الغولف على حساب المحمية المخصصة لهم؟ لقد كان حدثاً عجائبياً حقاً! الهنود يثورون ويتمردون؟! الوعول والغزلان تثور وتتمرّد؟! يا للغرابة!
القوات العسكرية تحاصر المحمية!
في الحقيقة، لقد أعلن الهنود في تلك المحمية حالة الاستنفار فعلاً، وحشدوا نحو مائتين من شبابهم للدفاع عن المحمية! تصوّروا! ولكن، بماذا تقاتل الطبيعة للدفاع عن نفسها؟ بالرياح، بالمخالب، بالأنياب؟! هاهنا وجد المتحضرون أنصار لعبة الغولف أنفسهم في مأزق، فمثل هذه الأسلحة لا تشكّل مبرّراً كافياً لتحريك القوات المسلحة ضدّ "الثورة" الهندية، فأعلنوا دون أن يأبهوا لتناقضهم أن الطبيعة، أي الهنود، يحملون بنادق كلاشينكوف وقنابل مولوتوف! وهكذا تحولت قطعان الوعول في لحظة الى منظمات بولشفية خطيرة، وهاهو رئيس وزراء كندا يعلن أنه أعطى تعليماته للحكومة الاتحادية كي تقدّم المساعدات الضرورية للسلطات المحلّية، علماً أنه كان موجوداً حينئذ في الولايات المتحدة، في هيوستن التكساسية، يشارك في أعمال قمة الدول الصناعية، فهل تشاور مع زملائه الأميركيين يا ترى قبل أن يعطي تعليماته؟!
لقد بدأت التعزيزات العسكرية تتدفق على المحمية الهندية بكثافة، وترافق تدفقها مع الإعلان المتكرّر عبر جميع أجهزة الإعلام عن تدفّق تعزيزات الهنود من المحميات الأخرى! إنها المحميات التي تعدادها 2234، والموزعة في مختلف أنحاء كندا، والتي تضم بمجملها نصف مليون هندي حولهم الشتات والإشراف الى ما يقارب الصفر!
قرون من الدفع الى الخلف!
إن المحمية الهندية، التي تقرر إزالتها لصالح توسيع ملعب الغولف، والتي صورتها الدعاية فجأة كأنما هي ستالينغراد، أو هافانا، لا تبعد عن مونتريال أكثر من ثلاثين كيلومتراً، فيا لوقاحة الطبيعة، ويالها من إرهابية متهوّرة حاقدة، حين تتحوّل فجأة الى ثورة حمراء، مسلحة بالكلاشينكوف والمولوتوف، على مرمى حجر من مركز ضخم للمتحضرين! يا لهم من متوحشين هؤلاء الهنود في تلك المحمية!
لكن أحد الشبان الهنود قال للصحفيين بنبرة واهنة: لسنا متوحشين! لقد بدا وهو يقولها كأنما هو ينوء تحت هذه الصفة التي ألصقت به طوال مئات السنين، بحيث أصبح ثقلاً هائلاً يصعب حمله! أضاف الشاب: "نحن نفخر بكوننا من شعب الموهوك"! ثم راح يشرح حائراً، سئماً: "نحن نتعرض للدفع الى الخلف منذ قرون، وهم يحاولون اليوم مجدّداً دفعنا وإرغامنا على التراجع الى الوراء مرة أخرى، وقد تعبنا من هذه المعاملة"!
لقد بلغ عدد الجنود الذين حاصروا المحمية الهندية ألفاً، وأعلن ضابط كبير أن الحكومة قد تصدر أوامرها "للقضاء على تمرّد الهنود الحمر من شعب الموهوك إذا فشلت المفاوضات في حملهم على إنهاء حصارهم للغابة"! هذا ما قاله بالضبط! ولعله كان يعني إصرارهم على إعاقة تحويل الغابة الصغيرة الى امتداد لملعب الغولف!
والحال أن خطأ الحكومة الكندية كان في إهمالها الذي جعل تلك القضية تخرج الى دائرة العلن، وتتردد أخبارها في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي دفعها الى التحدث عن الهنود باعتبارهم إرهابيين مسلحين بالكلاشينكوف والمولوتوف، محاولة تبرير العمل العسكري القمعي الذي يمكن أن تقوم به! ولا بدّ أن موقف رئيس الحكومة في مؤتمر هيوستن كان حرجاً جداً أمام زملائه قادة الدول الصناعية، الذين استغربوا حتماً تراخيه وقلّة حذره التي أخرجت قضية تافهة الى العلن، وجعلت معالجتها أمراً صعباً، بينما هم يدمّرون بلداناً بأكملها في الظلام من دون أن تنقل أجهزة الإعلام سوى ما يؤكد براءتهم!
لم يترك المستوطنون الإباديون لبقايا شعوب الهنود الحمر، بعد عدة قرون، حتى حق الموت بهدوء في محمية معزولة موضوعة تحت الإشراف! إنهم ينظرون الى بقايا الهنود اليوم باعتبارهم مادة صالحة للعرض في متاحف البيئة، وبالطبع لا يحق لها ولا ينتظر منها أن تتصرف بنفسها!
لقد سحقوا الإنسان الهندي حتى النخاع، ودمّروا نسغ حياته، فهو اليوم يحلم بمجرد الانزواء والموت بهدوء ومن حوله وجوه أليفة! غير أنهم يمنعونه من تحقيق هذه الرغبة المتواضعة، فلا يجد أمامه، مرة أخرى وأخرى، سوى الحلم بالكفاح الذي يمكن أن يوفّر له موتاً كريماً هادئاً، حيث لم يعد ممكناً أن يعيد إليه وطنه!
يقول أحد شيوخ الموهوك: "لم يستسلم شعبنا مرة واحدة طوال تاريخه، ولن يفعل ذلك اليوم"! ويقول شيخ آخر: "عندما يواصلون دفع الناس الى الوراء، وعندما تستمر الحكومة الاتحادية (الكندية) في إهمال شؤونهم، فإن من حقهم التحرّك في الاتجاه المعاكس، وما يحصل في أوكا (المدينة الكندية) هو مؤشر لما قد يحصل لاحقاً، فالهنود باتوا يعانون أزمة وجود، وسيظهر العنف كحل وحيد في صفوف الشبان"!
ملعب الغولف على الأرض العربية!
والآن لنقارن بين أفعال المستوطنين الإباديين في القارة الأميركية وبين أفعال المستوطنين الصهاينة والمحتلين الأميركيين في فلسطين والعراق! وأيضاً لنقارن بين تصريحات بعض شيوخ شعب الموهوك وتصريحات بعض حكامنا الذين يتهمون العدو بالتقصير تجاه العرب ويحذّرونه من غضب الشبان وعنفهم!
قبل سنوات نشر إسرائيلي (يدعى أفرايم تسيدون) في الصحف كلاماً موزوناً على شكل قصيدة شعرية، تضمن مايلي: "حتى لو تخلت المنظمة عن ميثاقها. حتى لو حوّل عرفات اسمه في احتفال رسمي ليكون موشيه. حتى لو تخلّى الفدائيون عن أسلحتهم وعقيدتهم، وأرسلوا بطاقات التهنئة لكل بيت يهودي في رأس السنة العبرية. حتى لو شاركتنا المنظمة في بناء المستوطنات لليهود القادمين الجدد. حتى لو أعلنوا على الملأ أن الضفة الغربية أرض يهودية. حتى لو قامت نساء فتح بنسج قبعات الصوف لجنود إسرائيل. حتى لو استقبل أهالي الضفة جماعات غوش أمونيم بالأغاني والزغاريد. حتى لو اعترفوا بالدولة اليهودية وقدّموا لنا كل التبرعات التي يتلقونها. حتى لو التزم ياسر عرفات أمام الملأ أننا الذئب وهو الغنم. حتى لو نقلوا اللاجئين الى القطب الشمالي ورفعوا رايات الهزيمة أياماً وليالي. حتى لو تحوّلت سيوفهم الى أقلام ومساطر، فلن نجالسهم أبداً ولن نحاور"!
واضح أن هذا الصهيوني من أنصار ملعب الغولف الذين يتطلعون الى زيادة مساحته أكثر فأكثر في فلسطين والبلاد العربية، كي تتسع لآلاف وآلاف الحفر! إنه الموقف ذاته والنوايا ذاتها وإن اختلف المكان والزمان، واختلفت الظروف والإمكانيات، فنحن في نظر هذا الصهيوني من نوع بقايا الناس الذين حشروا في محميات الهنود، أما بصدد ما إذا كان الصهاينة مخطئين أم مصيبين في تصنيفنا، وفي تصنيف أنفسهم إزاءنا، فإن المستقبل القريب سوف يبتّ في ذلك!
www.snurl.com/375h