الصهاينة منهكون في ذروة جبروتهم !
يتلخص موقف القيادة الإسرائيلية اليوم في رفض الحدّ الأدنى من الشروط التي تسمح بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، أما الانفصال عن غزة فهو الثمن الذي يتوجب دفعه مقابل الاحتفاظ بمعظم الضفة الغربية إن لم يكن كلها، وأما الخلافات في أوساط القيادة الليكودية بصدد هذا الموقف فهي إلى حد كبير حول ترتيب العملية، وليس حول جوهرها، فهم يختلفون مثلاً حول ما إذا كان سيسمح للفلسطينيين بتسمية الترتيبات "دولة فلسطينية"، حيث يجادل العديد من أعضاء قيادة الليكود في أن القبول بحق الفلسطينيين في إقامة "دولة" ولو شكلياً من شأنه خلق آلية فلسطينية نشطة تندفع نحو تحقيق سيادة وطنية لن ينجح الكيان الصهيوني في السيطرة عليها!
وهكذا نفهم أن المشروع الصهيوني يسعى إلى تحقيق وضع يشبه وضع الفصل العنصري الذي كان معمولاً به في جنوب أفريقيا، حيث يعيش الفلسطينيون في "كانتونات" عازلة مقطوعة عن بعضها، وبما أنهم يريدون للشعب الفلسطيني مصيراً يشبه مصير شعوب أميركا الأصلية، أي الاضمحلال والتلاشي، ويخشون ما نجم عن وضع جنوب أفريقيا من تطورات قلبت الموقف رأساً على عقب، فإنهم يخشون عنوان "الدولة الفلسطينية" حتى وإن كان شكلياً!
ديمقراطية علمانية أم عنصرية لاهوتية ؟!
لا جدال في أن مجتمع الاستيطان الصهيوني يواجه اليوم مأزق وجود أو لا وجود، وإنه لمن الجهل والسذاجة أن لا نأخذ بالاعتبار دور الانتفاضة والمقاومة خلال السنوات الأربع الماضية في صنع هذا المأزق الخطير، فقد تبلورت خلال هذه السنوات إرادة فلسطينية صلدة، ليست سياسية وحسب بل مجتمعية تشمل حتى الأطفال والنساء، متمسكة بإحباط مشروع الإدارة الصهيونية بصدد "اتفاقية مؤقتة" تضمن مع الوقت هيمنة الصهاينة التامة على الضفة الغربية، وترجئ إقامة دولة فلسطينية إلى ما بعد عقود من السنين يواصل الصهاينة خلالها تقطيع أوصال ما تبقى من المناطق إلى " كانتونات" معزولة هي بالضبط "مقابر أحياء"!
غير أن بعض الصهاينة، الأبعد نظراً، يرى في الانسحاب من غزة من طرف واحد، وفي نظام الفصل العنصري المعدّ للفلسطينيين، ما سوف يجعل اليهود أقلية في فلسطين طالما أنهم يريدون المحافظة على "دولة يهودية" نقية! ومن المعروف أن حكومة جنوب أفريقيا العنصرية البيضاء كانت قد انفصلت عن المعازل التي أقامتها للأغلبية السوداء، غير أن" فك الارتباط " ذاك هو تحديداً الذي كشف بوضوح عنصرية النظام ومأزقه، ومهّد للتطورات اللاحقة التي نسفته، الأمر الذي يمكن أن يتكرر في فلسطين إذا ما اتبعت الإدارة الصهيونية النهج ذاته!
إن المأزق الصهيوني سوف يستمر باستمرار إرادة المقاومة التي تكشف التناقض العميق بين دعاوى "الواحة الديمقراطية" العلمانية وبين العنصرية اللاهوتية التي يمارسها الصهاينة على أرض الواقع، ومثل هذا التناقض سوف يعمق المأزق، ويضعضع أركان الكيان الصهيوني من داخله!
انطفاء الجيش الصهيوني وتآكله!
لقد أدت المعارك المتواصلة على مدى السنوات الأربع الماضية إلى إنهاك الجيش الصهيوني، على الرغم من تفوقه العسكري المطلق، فقد كان يخوض معاركه ضدّ المجتمع الفلسطيني بكامله، عاجزاً عن التمييز بين البسطاء وبين المقاومين المتفرغين، وأكبر مثال على ذلك هو الحادث الأخير، حيث قتل ضابط (قائد سرية) طفلة فلسطينية في الثالثة عشر من عمرها كانت تسير وحدها في طريقها إلى المدرسة وعلى ظهرها حقيبة كتبها، وهو لم يكتف بقتلها من بعيد، بل اقترب من جثمانها وأطلق عليها النار مرة أخرى، فإذا عزونا ذلك إلى خوفه من أنها مشروع استشهادي، وتصوّره أن حقيبتها مليئة بالمتفجرات، أدركنا مقدار الإنهاك والإرهاق والهلع الذي بات يسيطر على الجنود الإسرائيليين!
يقول "يارون لندن" في افتتاحية لصحيفة "ايديعوت أحرونوت" أن الإرهاق هو عدو الجنود الأكبر، والعوامل التي تكمن وراء هذا الإرهاق "سوف تتسبب في انطفاء جيشنا وتآكله". إن العنف – حسب يارون لندن – سوف يتسلل رويداً رويداً من ساحات القتال إلى شوارعنا وبيوتنا. الآن لم يعد ممكناً نفي تحقق هذه الحقيقة! أما عن "فك الارتباط" مع قطاع غزة فيقول الكاتب الإسرائيلي أنه يعبّر عن الحقيقة البسيطة التي تقول أننا لم ننتصر في معارك غزة، وهي الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها!
كائن اصطناعي تملكه واشنطن !
والحال أن في الكيان الصهيوني اضطراباً عظيماً، واسع النطاق، سببه أن هذا الكيان لا يمتلك معدته الخاصة، ولا رئته الخاصة، ولا إرادته الخاصة، فهو مجرّد مخلوق إجباري صنعته وتغذيه وتوجهه الإدارات الأميركية، وإنه لمن الثابت أن أكثريته تريد حلاً نهائياً، بالقضاء التام الناجح والحاسم على الإرادة الفلسطينية المقاومة، وإلا فبالتفاهم والتعايش مع الفلسطينيين إذا لم يكن الحل الأول ممكناً، غير أن للإدارات الأميركية فهماً آخر وموقفاً آخر، فهي تريد من اليهود أن يكونوا جزءاً لا يتجزأ من سياستها في المنطقة والعالم، يقاتلون بل يموتون عندما ترى هي ذلك، ويسالمون ويتفاهمون عندما ترى هي ذلك أيضاً، فهي تدفعهم إلى القتال وترغمهم عليه وفي الوقت نفسه يمكن أن توبّخهم وتعاقبهم على ذلك، تظاهراً وكذباً، لاعتبارات سياسية مع أطراف أخرى تقتضي أن يظهر موقفها مختلفاً!
وبالفعل، يقول جدعون ليفي في مقالة له نشرتها "هاآرتس" أن "الولايات المتحدة انتخبت عدو إسرائيل رئيساً لها"! وأن الضرر الذي سيلحقه بوش بالكيان الصهيوني سيكون بلا حدود توصف خلال فترة رئاسته الثانية! يقول ليفي: إن على رأس الحكومة الإسرائيلية شخص يخشى أميركا، ولو رغبت أميركا لاستطاعت دفع شارون إلى انسحاب داراماتيكي من مناطق الاحتلال! ولو كان بوش قلقاً فعلاً على مصير "إسرائيل" لدفعها منذ زمن إلى طاولة المفاوضات، غير أن شخصاً مثل بوش يتحمّل مسؤولية قتل مائة ألف مواطن عراقي لن يتأثر من أفعال الاحتلال الإسرائيلي، فهو لا يعرف إلا لغة القوة ويتضامن كلياً مع الدولة التي لا تعرف سوى هذه اللغة! إن إعادة انتخاب بوش ستسمح بتهميش الشعب الفلسطيني كله في دائرة العنف، وذلك نتيجة عمليات العقاب الجماعي واستخدام القوة المنفلتة. إن الأضرار تبدو بعيدة المدى بالنسبة "لإسرائيل" وأميركا اللتان ستدفعان ثمناً باهظاً في قادم الأيام. والتنبؤات التي تقول أن بوش سيضغط على شارون في ولايته الثانية لا أساس لها، فهذا النمر (بوش) الذي ينظر إلى العرب والمسلمين كلهم بصورة مقولبة قائمة على أفكار وتعميمات مسبقة، والذي يعتبر الحرب سلاحاً مشروعاً، لن يتحول إلى قط أليف وديع! هذا ما كتبه جدعون ليفي!
www.snurl.com/375h