مسرحيات صهيونية بالذخيرة الحية والقتل الفعلي!
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي نظّمت الحركة الصهيونية هجرة واسعة النطاق من جمهورياته السابقة إلى فلسطين المحتلة، وقد اندفعت تلك القوافل المهاجرة بعد أن أغروها بالانخراط في مشروع استيطاني استعماري عظيم المردود يحوّل فقراءها بطرفة عين إلى أثرياء، أي أن الدوافع لم تكن دينية في المقام الأول، بدليل أن عدد المهاجرين الذين زعموا أنهم يهوداً، بينما هم ليسوا كذلك ومازالوا، بلغ اليوم مئات الألوف!
غير أن قادة الكيان الصهيوني، خاصة المتطرفين منهم في أحزاب الليكود والمفدال وشاس، لم يعترضوا ولم يستنكروا ولم يندفعوا للفتك بهؤلاء "الغوييم" المتطفلين أو لطردهم على الأقل، فقد ران صمت الرضى والقبول، باستثناء همسات وملاحظات لا تستحق الذكر!
إن قصة المهاجرين غير اليهود، الذين استوطنوا في فلسطين العربية المحتلة خلال السنوات العشر الماضية، تقطع بأن الصهاينة عموماً لم يكونوا صادقين في أي وقت من الأوقات في ادعاءاتهم الدينية بصدد فلسطين، وأنهم كانوا يكذبون ولا يتوهمون، وبالتالي يتوجب علينا أن لا نأخذ على محمل الجدّ مظاهر التطرف الديني الشديد دفاعاً عن المستوطنات في غزة والضفة مهما كانت فعاليتها على أرض الواقع، حتى لو اغتالوا رئيس وزرائهم، فكل ذلك في انطلاقته الأساسية مجرّد تمثيل متقن هدفه رفع سقف التعويضات المالية وجني الثروات الطائلة!
إن قصة التظاهر بالتهود، أو التهوّد المصلحي لأسباب مادية دنيوية، لها جذورها التاريخية التي تعود إلى القرن الثامن الميلادي، ففي مناطق القوقاز، وفي الرقعة الممتدة بين نهري الفولغا والدون، حتى شواطئ بحر الخزر، ظهرت في ذلك التاريخ تشكيلة أطلق عليها اسم "مملكة يهودية" تكونت من خليط بشري يعود بأصوله إلى أواسط آسيا وشرقيها، وحدث ذلك بعد أن تهوّدت جماعياً قبيلة خزرية بقرار من زعيمها، وهي قبيلة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالسامية، لا عرقياً ولا روحياً ولا جغرافياً ولا تاريخياً! أمّا عن العوامل التي أدت إلى تهوّدها فإن المفكر الصهيوني آرثر كوستلر يلخصها بما يلي: "عوامل التهوّد تعود إلى الحرص على الاستقلال إزاء القوتين العظيمتين، المسيحية والإسلام، اللتين كانتا تستقطبان العالم"! ويوّضح أن صلات أؤلئك الخزريين الوثيقة ببيزنطة وبعاصمة الخلافة كشفت لهم أن عقيدتهم الشامانية البدائية لم تكن فقط همجية ومتخلفة، لكنها ايضاً عاجزة عن إضفاء الهيبة الروحية والشرعية على حكامها، وأنهم اختاروا العقيدة الثالثة اليهودية (مازال الكلام لكوستلر) خوفاً من الذوبان وفقدان الاستقلال، وأنهم تعرفوا على اليهودية عن طريق اليهود الذين لجؤوا إلى مناطقهم هرباً من الاضطهاد اليوناني.. الخ! وهكذا، استناداً إلى أقوال كوستلر، فإن اليهود الأوروبيين الذين يشكلون اليوم ارستقراطية الكيان الصهيوني وسادته وقادته، هم من أصول خزرية لا علاقة لها بالسامية، ولا بإبراهيم وموسى، ولا بفلسطين!
على أية حال، وسواء رجعنا إلى كوستلر وأمثاله من الصهاينة الأشكنازيم الأوروبيين، أو إلى المؤرخين العرب، ابن فضلان خصوصاً، والاصطخري وابن حوقل والمسعودي وغيرهم، فإن جملة الوقائع المتوفرة عن قبائل الخزر المتهودة في القرن الثامن الميلادي تعطينا معلومات تقطع بأن تلك "المملكة" كانت تشكيلة اجتماعية قبلية، تمتهن الرعي والصيد بالدرجة الأولى، وتزاول أشكالاً بسيطة من التبادل التجاري، وأنها كانت في معظمها مملكة من الخيام! إن جلّ ما يمكن أن يقال عنها هو أن الجملة الإنسانية في حوض البحر الأبيض المتوسط كانت تحتوي حينئذ على المجتمعات التي انخرطت في أنظمة متقدمة تنشئ الحضارات المتعاقبة ومستقرة مادياً وروحياً، وتحتوي في الوقت نفسه على مجتمعات متخلفة، غير مستقرة، تدور في فلك المجتمعات المتحضرة، المسيحية البيزنطية والإسلامية، وهذا ما كانت عليه حال قبائل الخزر التي تهوّدت؛ وليست هي وحدها فحسب قبل وبعد تهوّدها ، بل إن حال المجتمعات اليهودية القديمة، منذ ما قبل ميلاد السيد المسيح، كانت بدورها كذلك، حيث عاش اليهود دائماً على هامش الحضارات الكبرى، في مصر والشام والعراق وفارس، وداروا في فلكها، ولم يشاركوا أبداً كقادة في صنع تاريخ الحضارات البشرية.
لفترة قصيرة، عند شواطئ بحر الخزر، نهض الكيان اليهودي الخزري على هامش العصر العربي الإسلامي العالمي وعلى تخوم الدولة البيزنطية المسيحية العريقة، فهو كان يتنفس منهما كرئتين لأنه لم يكن يمتلك رئته الخاصة، تماماً مثلما هو حال الكيان الصهيوني اليوم! فهناك، في تلك الأصقاع الشديدة القسوة، وراء القفقاس، وشمالي بحر قزوين وشرقيه، وفي السهوب الروسية، حتى المناطق الممتدة من اسكندنافيا إلى البلقان والنمسا، عاشت تشكيلات اجتماعية بدائية في حالة دائمة من الاقتتال والاجتياحات المتبادلة والهجرات المتوالية، وقد تألفت تلك التشكيلات المتنقلة من قبائل الجرمان والهون والسلاف والآفار والفايكنغ وغيرها، وكانت قبيلة الخزر التي تهوّدت من جملة تلك الأقوام!
يقول ب. كاسل أحد مستشرقي القرن التاسع عشر مشيراً ضمناً إلى الخزر: "وبعد كل شيء فقد كان "آتيلا" مجرّد ملك لمملكة من الخيام، وقد زالت مملكته بينما ظلت قوية تلك المدينة التي كانت موضع استخفافه (القسطنطينية) واختفت الخيام وبقيت المدن، فقد كانت دولة الهون مجرّد زوبعة"! وبالمناسبة، فإن المستوطنات الصهيونية، بالرغم من قوتها العسكرية ومن كل تقدّمها الهندسي والتقاني، ليست سوى الشكل المتجدّد لتلك الممالك القديمة من الخيام، فهي مؤقتة مهما دامت!
إن آرثر كوستلر يقرّ بلسانه وقلمه أن مملكة آتيلا ومملكة الخزر كانتا مجرّد قبائل من الرعاة المحاربين، لكنه يسمح لنفسه، مثلما هي عادة الصهاينة اليهود وغير اليهود، بصياغة استنتاجات لا أساس منطقي لها كي يوظفها في خدمة الصهيونية المعاصرة، فهو يقول أن تلك القبائل الخزرية البدائية "كانت في طريقها للتحول إلى أمة من المزارعين والتجار والحرفيين المهرة"! إن هذا التحوّل لم يحدث، لكنه يسجّله كأنما هو حدث فعلاً! ليس هذا فحسب بل يستنتج ما يترتب عليه كأنما هو "ترتّب" وصار واقعاً! ثم يحدثنا عن "مملكة يهودية" خزرية أوقفت زحف الجيوش العربية الإسلامية وحالت دون اجتياح أوروبا من الشرق، بينما شارل مارتل حال دون اجتياحها من الغرب، فيالها من قصة طريفة، قصة التعاون بين قبائل الخزر اليهودية في الشرق وقبائل الجرمان المسيحية في الغرب، من دون اتفاق أو اتصال مباشر لحماية أوروبا من الكماشة العربية الإسلامية!
ولكن قارة أوروبا بالصورة التي يتحدث عنها كوستلر وأمثاله لم تكن موجودة في ذلك التاريخ على الإطلاق! لم تكن ثمة قارة أوروبية بالصورة التي بدأت تتشكل منذ القرن الحادي عشر فقط! إن العالم المتحضر في ذلك التاريخ، العربي الإسلامي والبيزنطي المسيحي، كان يتعامل مع الخزر والجرمان في شرقي وشمالي وغربي أوروبا باعتبارهم خارج دائرة الفعالية الحضارية وغير قابلين للتحضّر بعد، فنجد في بلاد الخزر، مثلاً، التجار المسلمين والمسيحيين الشرقيين واليهود الشرقيين يبادلون المنتوجات المصنعة بالفراء والمنتوجات الحيوانية والنباتية الأخرى، غير أن كوستلر يحدّثنا، من دون أن يطرف له جفن، عن تعاون "حققته الأقدار" بين اليهودية الخزرية والمسيحية الجرمانية، وأنه التعاون الذي قرّر مصير أوروبا!
بل إن مملكة الخزر اليهودية ـ حسب كوستلر ـ كانت أكثر مهابة وجلالاً من دولة شارل مارتل الجرمانية المسيحية الناشئة في بلال الغال (فرنسا) حيث الخزرية ـ كما يرى ـ شكلت: "بداية من بدايات العصر الإقطاعي"! يقول كوستلر: "كانت بلاد الخزر أول دولة على مستوى الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الإسلامية"! ثم هو لا يلقي بالاً لانهيار الدعاوى الصهيونية العرقية (السامية) التي كشف هو نفسه انهيارها، ولا يرى في ذلك ما يستوجب أي تعديل في الرؤية والواقع مهما كان طفيفاً، يترتب على انهيار تلك الدعاوى، فيقول أنه بالرغم من أن كتابه (إمبراطورية الخزر وميراثها) يدرس التاريخ الماضي "فلا مفر أن يحمل تضمينات معينة تنسحب على الحاضر والمستقبل: "فأنا أعي الخطر المتمثل في أنه قد يساء فهمه بخبث، باعتباره إنكاراً لحق "دولة إسرائيل" في الوجود، لكن هذا الحق لا يستند إلى الأصول المحتملة للشعب اليهودي، ولا إلى الميثاق الأسطوري بين إبراهيم ويهوه، بل يستند إلى القانون الدولي، أي إلى قرار الأمم المتحدة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، واياً كانت الأصول العرقية للمواطنين الإسرائيليين، واياً كانت أوهامهم عنها، التي يعللون النفس بها، فإن دولتهم قائمة فعلياً وقانونياً، وسواء حملت كروموزومات شعبها جيّنات من أصل خزري أو من أصل سامي، من أصل روماني أو إسباني، فإنه أمر لا صلة له بالموضوع، ولا يمكن أن يؤثر في حق "إسرائيل" في البقاء، ولا في الالتزام الأدبي لأي شخص متحضر، يهودياً كان أو غير يهودي، بالدفاع عن هذا الحق، ولا شأن لمسالة الوجود الخزري منذ ألف سنة بإسرائيل الحديثة مهما كان سحر هذه المسألة"!
كأنما كوستلر يقول: إننا نكذب، ففلسطين ليست أرض أجدادنا بل إن إبراهيم واسحق ويعقوب ليسوا أجدادنا. نحن لسنا ساميون، فقد نكون خزراً أو روماناً أو إسباناً (ولن نقول عرباً!) لكن ذلك كله لا يعني شيئاً، فقد استولينا على فلسطين وجعلناها دولتنا بقوة السلاح والقانون الدولي (الأنكلوسكسوني) أي بقوة الأمر الواقع، وسنحتفظ بها على هذا الأساس!
وأغرب ما في الأمر أن الوقاحة تصل بكوستلر إلى حدّ تضمين كتابه رسالة موثقة بعث بها ملك الخزر إلى وزير يهودي في حكومة الأندلس العربية، في حوالي منتصف القرن العاشر، وجاء فيها ما يلي: "أنا أحرس ـ بعون الله ـ مصب نهر الفولغا، ولا أسمح للروس القادمين في سفنهم أن يغزوا بلاد العرب، وأنا أخوض ضدّهم حروباً ضارية، لأنني إذا أذنت لهم بذلك فسوف يكتسحون بلاد المسلمين"!
إن ما جاء في هذه الرسالة يناقض جذرياً ما قيل عن "التعاون الذي حققته الأقدار" بين الخزر في الشرق والجرمان في الغرب دفاعاً عن أوروبا في وجه الزحف العربي الإسلامي، لكن كوستلر لا يأبه!
تبقى المسألة الوحيدة التي تكتسي طابعاً عملياً هاماً ومعاصراً، وهي تتبّع مصير الخزر المتهوّدين في القرن الثامن، فقد هاجروا جميعاً، بعد تدمير المغول في القرن الثاني عشر لما تبقى من مجتمعاتهم، وانتشروا على طرق التجارة الجديدة الناشئة بفضل الحروب الصليبية، في بولونيا وهنغاريا، وشرقي ألمانيا، وأيضاً في روسيا وفنلندا ودول البلطيق، ليشكلوا في ما بعد المصدر الأول والأعظم لتلبية احتياجات المشروع الصهيوني في فلسطين من المستوطنين، وليشاركوا بدور رئيسي في هذه المسرحيات الإبادية التي وضع نصوصها وأخرجها اللوثريون الإنكليز في بريطانيا والولايات المتحدة!
www.snur1.com/375h