واشنطن الرئيس ، وواشنطن العاصمة ؟
كان القديس فرنسيس الأسّيزي يدعو أتباعه الى التخلي عن بعض ما يملكونه للفقراء ، فاتهمه مارتن لوثر ( 1483- 1546 ) بأنه " مختل العقل ، طائش ، أحمق ، وشرير "! فكأنما هو اتهم بذلك الكتاب المقدس ، وتحديداً انجيل لوقا الذي تقول تعاليمه : " بع كل مالك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء ، وتعال اتبعني " .
والحال أن مارتن لوثر اعتبر الملكية معياراً للتفريق بين الانسان والحيوان ، ولا أدري شخصياً ان كان وضع لها حداً أو سقفاً ، لكني أدري أن حكماء وول ستريت ، رجال المال والأعمال اللوثريين الأتقياء ، وضعوا مئات الدراسات عن تلازم الحضارة والملكية الفردية التي لا حدّ لها ولا سقف ، ودفعوا بفقراء العالم أجمع الى الهلاك ، ووصفوا الذين لا يؤمنون بذلك بالوحشية والشيطانية ، وأن هؤلاء الحكماء الأتقياء بلغوا اليوم ذروة جبروتهم التي ما بعدها ذروة ، والتي لا يليها سوى الهبوط .
لقد وضعت اللوثرية الأسس المتينة للديانة المالية الاقتصادية الأميركية ، الشايلوكية الربوية ، التي تحكم تعاليمها هذا العالم المعاصر ، ومرة أخرى لا أدري شخصياً ان كان مارتن لوثر قد تنبأ بما سوف يترتب على مذهبه من اجتهادات وسياسات مروّعة ، لكني أدري أن القديسين من أتباعه حين وضعوا أقدامهم على سواحل أميركا الشمالية ، ونزلوا في جيمستاون عام 1607 ، لم يستطيعوا التمييز بين السماء وعجل الذهب ، فراحوا يردّدون نصاً : " لقد وجدنا أرضاً واعدة أكثر من أرض الميعاد ، فبدلاً من اللبن وجدنا اللؤلؤ ، وبدلاً من العسل وجدنا الذهب " !
في عام 1623 ، كانت تقوم على ضفاف نهر البوتوماك مدينة جميلة أشبه بالحديقة الكبيرة ، يسودها الوئام والسـلام ، وتزدحم أسـواقها بالحرفيين والتجار ، هي مدينة ( تكن شَتَنكه ) عاصمة شـعب الكونوي ( الهندي ) لقد سوّيت هذه المدينة بالأرض وأبيد سكانها عن بكرة أبيهم قبل أن ينتهي ذلك العام ( 1623 ) . وفيما بعد ، جاء جورج واشنطن ( 1732 – 1799 ) يخبّ فوق رمادها ورمحها ، وأقام على أنقاضها مدينة واشنطن العاصمة ، معلناً أن الأرض التي اختارها هي مجرّد مستنقعات !
قبل سنوات من اليوم أقيم على أنقاض السوق التجاري لمدينة ( تكن شَتنكه ) وعلى رمم شعب الكونوي ، متحف الهولوكوست في واشنطن تخليداً لذكرى ما يسمى بالمحرقة اليهودية التي حدثت أثناء الحرب العالمية الثانية على أيدي الألمان ! وأيضاً قبل سنوات قليلة من اليوم ، أرادوا حفر حوض للسباحة في حدائق البيت الأبيض ، واذا بآثار مذبحة شعب الكونوي وتدمير مدنيته ترتفع على رفوش الرافعات ، فأسرعوا يردمونها تحت جنح الظلام ، متخلين عن مشروع حوض السباحة !
في عام 1779 ، أصدر جورج واشنطن أوامره الى الجنرال جون سوليفان بأن يحيل مساكن شعب الأوركوا ( الهندي ) الى خراب ، وأن لا يصغي لنداء السلام حتى تمحى مدنهم وقراهم وآثارهم عن وجه الأرض . وبعد أن نفّذ الجنرال تعليمات واشنطن كتب اليه يبشره بأن : " المنطقة الجميلة تحوّلت من حديقة بديعة الى أطلال مهجورة تثير الرعب والمقت " !
وفي رسـالة وجهها جورج واشنطن الى السـناتور جيمس دواين فسّر واشـنطن المفهوم الأميركي " للأضرار الهامشية التي ترافق انتشار الحضارة " فقال : " ان طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها " !
لقد واصل اللوثريون الأتقياء على خطى جورج واشنطن . حتى توماس جفرسون " رسول الحرية الأميركية " وكاتب وثيقة " الاستقلال " أمر وزير دفاعه بأن يواجه بالبلطة الهنود الذين يقاومون التوسع الأميركي ( لاحظوا : التوسع الأميركي ) وأن لا يضع البلطة حتى يفنيهم أو يسوقهم الى ما وراء نهر المسيسبي. قال جفرسون : " نعم ، انهم ققد يقتلون أفراداً منا، لكننا سنفنيهم ونمحوا آثارهم عن هذه الأرض . اننا مجبرون على قتل هؤلاء الوحوش أو طردهم الى الجرود مع وحوش الغابات " !
أية كارثة عظمى اذا لم نقارن مع ما يجري في فلسطين والعراق ؟ أية كارثة عظمى ؟! ان عالمنا كله يعيش اليوم تحت رحمة " مافيا " كولومبس الذي أوصى باستثمار ذهب أميركا في " تحرير أورشليم " . ان الهنود الحمر الذين أبيدوا بالنيابة عنا ، نحن الكنعانيين الحقيقيين ، ما يزالون يعيشون فينا ، حسب قول الباحث منير العكش في كتابه " أميركا والابادات الجماعية " !
كان جورج واشنطن من ملاكي العبيد المرموقين ، يتاجر بهم ويستعملهم كأدوات . وكان لا يكف عن التشكّي من أن عبيده لا ينتجون على أراضيه بمقدار ما ينتج هو ، ولذلك كثيراً مانهال بالسوط ، بيده ، على أجساد النساء اللواتي اتهمهن بالتظاهر بالمرض أوبالحبل . وهو وصف عبيده الذين يتباطأون خلال الثماني عشر ساعة من عملهم اليومي بالمخلوقات الكسولة المخادعة ! كذلك اتهم عبيده بسرقة المؤن ، فأقام رقابة صارمة ، ووضع كل شي " تحت القفل " كما يقال ، وراح يقتل كلاب العبيد مدعياً أنها تساعدهم في سرقاتهم الليلية . وفي ولاية فيرجينيا ، عام 1748 ، سنّ جورج واشنطن شخصياً عقوبة الاعدام بحق سارقي الخنازير !
كان جورج واشنطن نموذجاً للوثري البيوريتاني الانجليزي الورع الذي ينفذ بصرامة تعليمات "يهوة " بحق " الغوييم " الأغيار ، وهي التعليمات التي تنص على أن من واجب " شعب الله المختار " الانجليزي ابادة أولئك الأغيار والاستيلاء على ممتلكاتهم عندما تقتضي مصلحته ذلك . ولم لا وقد أصبح " يهوة " الهاً خاصاً منذ منحه أوليفر كرومويل الجنسية الانجليزية ؟!
في وقت مبكر ، أعلن جورج فوكس ( 1624 – 1691 ) البيوريتاني الانجليزي ما يلي : " أن تكون يهودياً باللحم والدم لا يعني شيئاً ، أما أن تكون يهودياً بالروح فهذا يعني كل شيء " ! وفيما بعد ، أعلن السناتور جيمس بولدين ، عضو الكونغرس ما بين 1834 – 1839 ، ما يلي : " قدر الهندي الذي يواجه الأنكلو سكسوني مثل قدر الكنعاني الذي يواجه الاسرائيلي : انه الموت " ! وفي عام 1831 ، قال جورج بوش الجدّ في كتابه " حياة محمد " ما يلي : " ما لم يتم تدمير امبراطورية السارزن ( المسلمين ) فلن يتمجد الرب بعودة اليهود الى وطن آبائهم وأجدادهم " ! وفي عام 1900 ، قال السناتور ألبرت بيفردج عبر خطاب رسـمي : " ان الله اصطفى الأمة الأميركية من بين جميع الأمم والشعوب ، وفضلها عليهم ، وجعلها " شعبه المختار " وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من شروره " !
وفي عام 1995 ، قال الرئيس الأميركي بيل كلينتون أمام الكنيست الإسرائيلي ( 27/10 ) أنه كان في بعثة دينية الى ( فلسطين ) قبل 13 عاماً ، حيث عايش تاريخ اليهود كما يرويه الكتاب المقدس ، وأن كاهنه المرافق أوصاه قائلاً : " اذا تخلّيت عن اسرائيل فان الله سيغضب عليك " ! وأنه فهم أن " ارادة الله تقضي بأن تكون اسرائيل لشعب اسرائيل الى الأبد " ! وأنه قطع لكلهنه عهداً وميثاقاً . قال كلينتون : " ان ارادة الله يجب أن تكون ارادتنا " !
لن أنقل عن جورج بوش الابن فلا ضرورة لذلك ، وبالاجمال هذه مآثر جورج واشنطن المؤسس ، وهذه مآثر العاصمة واشنطن في عهود جميع الرؤساء ، فأية كارثة عظمى إذا لم نقارن ونفهم حقيقة ما يجري في فلسطين والعراق ؟ غير أننا سنقارن ونفهم ، ونتصدى وننتصر .
30/11/2002