ان لاستدعاء أخبار الماضي أسبابه المختلفة ، فهناك من يستدعيها لاحتياجات وظيفية ، تتعلق بالتعليم المتخصص ، وهناك من يستدعيها بدافع الفضول المتعدد الأغراض ، ومن يستدعيها لمجرّد المتعة في مراجعتها ، كما لو كان يطالع رواية من الروايات ، غير أن استحضار الماضي بأخباره وأشخاصه تفرضه ، من جهة أخرى مختلفة تماماً ، ضرورات ملحة اجتماعية ووطنية و قومية وأممية . انها ضرورات واقعية يتطلبها الحاضر المعاش من أجل التقدم بنجاح على طريق المستقبل المنشود .
وهكذا فان سبب استدعائها هنا هو تمادي طغاة هذا العصر الأوروبي الأميركي الى أبعد الحدود في تزوير وتشويه الثقافة البشرية والتاريخ البشري . ان استدعاءها ضروري كي نتمكن من مواجهتهم بنجاح في حربهم المفتوحة ضدنا . ان حربهم الضارية ضدّ الأمة العربية والاسلامية تستند بالدرجة الأولى الى تلفيقاتهم الثقافية والتاريخية ، وهي التلفيقات التي يعطون أنفسهم بموجبها الحق في تدميرنا ، بل افنائنا اذا اقتضت مصلحتهم ذلك .
انهم يحاولون طوال الوقت ، وبمختلف الوسائل ، الصاق كل نقيصة بالعرب والمسلمين ، بعد طمس كل فضيلة قديمة أو حديثة . انهم يريدون أن نقرّ ونسلّم بدونيتنا ووضاعتنا ، وبعجزنا عن مجرّد الاسهام في صنع الحضارة الانسانية ، وانه ليحزّ في نفوسنا نجاحهم في جعل بعض أبناء أمتنا يقرّون ويسلّمون بذلك ، فيردّدون تزويراتهم وتشويهاتهم وتلفيقاتهم ، فمثل هذا الاختراق أشدّ خطراً وأثراً من حروبهم العسكرية ضدّنا .
لقد ألحقوا أفدح الأضرار بالأدب العربي نثراً وشعراً ، باسم الحداثة وما بعد الحداثة ، والبنيوية وما بعد البنيوية ، وما الى ذلك من مصطلحات وطروحات وقضايا ، ان صحّت في بلدان منشئها فانها لا تصح في بلادنا أبداً ، ولا ينجم عنها الا الخراب ، وبالفعل ، صار كثير من انتاجنا الأدبي مجرّد أصوات قبيحة غامضة تصدر عن مجرّد ببغاوات مصبوغة بألــوان مضحكة ! وهم زوّروا التاريخ ، ووجدوا بين نخبنا من يردّد مغالطاتهم حول الفتح العربي الاسلامي الذي صوّروه " استعماراً " وهو الانجاز التقدمي الانساني الأعظم في تاريخ البشرية . وبالطبع ، انعكست هذه المغالطات التاريخية وبالاً على سياساتنا في الحاضر المعاش عن طريق اختراقها نخبنا السياسة ، ولعل ماأصاب الدولة الاندلسية من مغالطات هوأقسى وأخطر ماتعرض له تاريخنا .
في زمن أجدادنا الفينيقيين / الكنعانيين كانت الحياة المجتمعية في حوض المتوسط متمركزة ومتقدمة خصوصاً في مناطق العراق وسوريا ومصر ، وعموماً في منطقتي شرق أفريقيا وغرب آسيا المتواصلتين المتفاعلتين . وفي مرحلة من المراحل كان الفينيقيون / الكنعانيون سادة البحر المتوسط ، بل هم تجاوزوه عبر مضيق جبل طارق الى المحيط الأطلسي ليقيموا علاقات تجارية مع شعوب السواحل الأفريقية الغربية ، وبناء على ذلك وبفضله أسسوا مدناً ومجتمعات تجارية نشطة في شبه الجزيرة الايبرية التي يشبه مناخها مناخ بلادهم في سوريا ولبنان وفلسطين ، وهكذا فانه لمن شبه المتفق عليه عند المؤرخين من مختلف الأجناس أن المجتمعات الأقدم في اسبانيا والبرتغال وشبه الجزيرة الايبرية عموماً هي المجتمعات الفينيقية ، ذات الأصول المشرقية السورية ، أي أجدادنا نحن العرب .
لقد خضعت شبه الجزيرة الايبرية للحكم العسكري الروماني حتى القرن الخامس الميلادي ، وحين اضمحلت تلك الامبراطورية الرومانية القديمة ، وراحت تتهاوى تحت الضربات القاتلة للقبائل الوثنية المنفلتة من مجاهل أقاصي أوروبا ، تعرضت شبه الجزيرة الايبرية لهجمات قبائل الوندال والالين والسويف القادمة من الشمال الأقصى ، وهي قبائل بدائية وثنية غير مسـتقرة ، اجتاحتها بعد أن اجتاحت في طريقها بلاد الغال ، فرنسا الحالية .
على مدى قرنين من الزمان ، من الخامس الى السابع ميلادي ، عاشت مجتمعات شبه الجزيرة الايبرية ، ذات الأصول الفينيقية الكنعانية السورية ، حالات من الفوضى والاضطرابات المستمرة ، بسبب الحروب بين القبائل البدائية الوثنية على أراضيها . وأخيراً نجحت قبائل القوط في قهر جميع القبائل الأخرى ، في القرن السادس الميلادي ، وانفردت بشبه الجزيرة . ولكي تنجح في حكمها اعتنقت الديانة المسيحية التي هي ديانة أهلها ، والتي هي – كتذكير لاضـرورة له – ديانة مشرقية سورية فلسطينية ، بل هي اتخذت لغتهم لغة لها ، غير أن جميع هذه التحولات التي أقدمت عليها قبائل القوط البدائية لم تجنب البلاد ما حلّ بها من مظالم ، وما أصاب أوضاعها عموماً من تردّيات فظيعة في جميع ميادين الحياة .
لم يمض قرن أو أكثر على استقرار حكم القوط لشبه الجزيرة حتى كان العرب المسلمون يقفون على الشاطئ الأفريقي لمضيق جبل طارق ، ولنا أن نتصور مقدار حماسة المجتمعات الايبرية لعبور أبناء عمومتهم المضيق اليهم ومساعدتهم في التحرّر من حكم القوط . وبالفعل ، حدث ذلك بتفاهم مسبق بين أبناء العمومة ، فعبر ألاف الجنود العرب المضيق ، واشتبكوا مع النظام الحاكم ، ودحروه بمشاركة أهالي البلاد كتفاً بكتف ، ليتحقق بذلك الفتح العربي الاسلامي لشبه الجزيرة الايبرية من دون جيوش جرارة ولا معارك ضخمة .
اننا عندما نتأمل في المدة الزمنية لكل عهد من العهود التي تعاقبت على شبه الجزيرة الايبرية فسوف نرى بوضوح تام أن مدة حكم الرومان والقوط قبل الحكم العربي ، مضافة اليها مدة حكم من جاؤوا بعد العرب حتى يومنا هذا ، هي جميعها أقصر من عهود العرب في تلك الديار ، والتي دامت ثمانية قرون ، وان هذا ليعطينا فكرة معبّرة عن حاضرنا المعاش ، وصفاقة وابتذال طروحات اليهود الصهاينة وأسيادهم عن حقهم التاريخي في فلسطين ، اذ لو فكّر العرب بطريقتهم ، وهو تفكير له مصداقية عظيمة كما رأينا ، لكان من حقهم التطلع ليس الى استرداد فلسطين فحسب بل الى استرداد شبه الجزيرة الايبرية أيضاً !
ان تاريخ الفتوحات العربية حافل بأخبار النداءات والدعوات والبعثات التي توجهت الى دار الخلافة راجية ايفاد هيئات سياسية وعلمية وروحية وعسكرية لمساعدة بلدان بعيدة على التحرر والنهوض .
يقول الرئيس الهندي الراحل جواهر لال نهرو : ان الديانة التي بشرّ بها محمد ، وبساطتها واستقامتها ، والديمقراطية والمساواة اللتين أعلنتهما هذه الديانة ، كل ذلك حظي بصدى واسع لدى شعوب البلدان المجاورة . وقد عانت تلك الشعوب والبلدان لأمد طويل من نير الحكام والملوك والطغاة ، ومن نير الكهان والقساوسة الذين لم يكونوا أقل طغياناً وتعسفاً من الملوك . لقد تعبت الشعوب من النظام القديم ونضجت لتقبل الجديد ، وقدّم لها الاسلام هذا الجديد الذي كان مرغوباً ، لأنه حمل اليها الأفضل من نواح ٍ عديدة ، ووضع حدّاً للكثير من الشرور الناجمة عن النظام القديم .
ويقول هربرت ويلز : لقد توجه الاســـلام الى جماهير الناس فبشّرها بأن الله هو اله العدل . وكان تبني تعاليم النبي محمد ومنهجه قد فتح الباب على مصراعيه أمام روح الأخوة والثقة بين الناس على وجه الأرض في ذلك العالم الملىء بالشكوك والخيانات والعوائق المستعصية . لقد فتح تبني تعاليم محمد ومنهجه أبواب الجنة كذلك ، لكنها ليست جنة العبادة والصلاة بلا انقطاع ، التي يشـغل فيها رجـال الدين والكهنوت والملوك المعمدون مواقعهم الرفيعة ، بل هي جنة الأخوة الحقة ، والملذات البسيطة المفهومة التي تتعطش لها الأرواح . لقد غرس محمد هذه الحقائق الرائعة في أفئدة البشرية من دون أية رموز مريبة ، ومن دون محاريب معتمة ، ولاابتهالات يتلوها القساوسة . لقد انتصر الاسلام لأنه كان أفضل نظام اجتماعي وسياسي ظهر في ذلك العصر ، وشاع لأنه وجد حيثما حلّ أناساً لامبالين من الناحية السياسية ، أناساً مضللين ، مضطهدين ، مرتعبين ، جهلة غير منظمين ، وحكاماً حمقى فارغين لاتربطهم بالشعب أية رابطة . لقد كانت أفكار الاسلام هي الأكثر شمولاً ، وجدّة ، ونقاوة ، من الناحية السياسية في العالم آنذاك ، وقدّم لجماهير البشرية ظروفاً أفضل من أية ديانة أخرى .
ويقول المفتي ضياء الدين باباخان : كان من المتعذّر على العرب احراز الانتصارات الحربية ، ونشر الاسلام على مساحات شاسعة من العالم ، لو كان ذلك يصطدم بمقاومة الجماهير. كانت الجماهير الكادحة والناس البسطاء في بلاد الفرس والامبراطورية البيزنطية ينظرون الى العرب باعتبارهم يحملون اليهم أفضل العقائد عن نظم الحياة . لقد استقبلت تلك الشعوب العرب بوصفهم المنقذين من الظلم والاضطهاد والجهل والفقر .
أما عن شبه الجزيرة الايبرية تحديداً في العهد العربي فيقول غوستاف لوبون أنه : بالاضافة الى العدل بين الرعية الذي هو دسـتور العرب ، والى ترك الناس أحراراً في أمور دينهم ، فانه لا يوجد في اسبانيا المعاصرة من أعمال الري سوى ما أتمّه العرب ، فهم من أدخل الى اسبانيا زراعة قصب السكر ،والتوت ( للحرير) ، والأرز ، والقطن ، والموز ، وقد أكثر من انشاء الطرق ، والجسور ، والفنادق ، والمشافي ، والجامعات ، والمدارس ، والمكتبات العامة ، والمساجد ، في كل مكان . وكانت البحرية قوية جداً ، تتحقق بفضلها الصلة التجارية بجميع مرافئ آسيا وأفريقيا وأوروبا . وكان دخل بيت المال يقوم على الضرائب ، والمناجم ، كما هو الحال في بغداد . كانت مناجم الذهب والفضة والزئبق غنية جداً ، والضرائب تتألف من العشر العيني لمحاصيل أراضي المسلمين ، ومن الجزية يعطيها النصارى واليهود ، ومن الجمارك والمكوس . وكانت الامامة الثقافية للعرب ، أما باب المناصب فمفتوحاً للنصارى ، الذين كانوا يخدمون في الجيش ، والذين لم يكن تزاوجهم والمسلمين قليلاً ، فوالدة الخليفة عبد الرحمن الثالث نصرانية . وتعتبر الكنائس الكثيرة المسيحية التي شيّدت في العهد العربي دليلاً على احترام العرب لمعتقدات الناس ، فاعتنق الاسلام كثير من النصارى ، لكنهم لم يفعلول ذلك طمعاً في كثير شئ وهم الذين استعربوا ، وكذلك اليهود ، فغدوا مساوين للمسلمين ، وقادرين مثلهم على تقلّد مناصب الدولة العليا . ولقد واصل أساقفة المسيحية عقد مؤتمراتهم بكامل حريتهم ، مثل مؤتمر اشبيلية المسيحي المنعقد عام 782 م ، ومؤتمر قرطبة عام 852 م ، بل ان أحد باباوات روما تخرّج في جامعة قرطبة .
دورة الاضطهاد الرهيبة الطويلة :
دامت الحضارة العربية في اسبانيا نحو ثمانية قرون ، وبعد انهيارها النهائي بسقوط غرناطة عام 1492 ، عاهد فرديناند العرب على منحهم حرية الدين واللغة ،ولكن ما أن حل عام 1499 حتى انطلقت تلك الروح القوطية الهمجية من عقالها وبدأت عمليات الاضطهاد المروّعة التي دامت قروناً !
لماذا تنصّل حكام اسبانيا الجدد بسرعة من وعودهم وعهودهم التي قطعوها للعرب ؟ الجواب : لأنهم كانوا ملزمين بسياسات اتحاد المدن التجارية الأوروبية الممتدة من نوفجورود في أقصى الشمال الغربي الروسي حتى نانت في فرنسا ، والذي كان تأسس عام 1241م في جحيم الحروب الصليبية ، وبفضل التفاعل مع العرب سلماً وحرباً . واذا كان التنصل حدث في عام 1499 فان السبب المباشر ، غالباً ، يعود الى اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 1497 ، أي قبل عامين ، حيث العمليات المسلحة ضدّ عرب المشرق بدأت في الخليج العربي بعد ذلك الاكتشاف .
فيما بعد ، وقف الفونسو البوكر ، خليفة فاسكو دوغاما في أمارة الأسطول البرتغالي ، وقال في خطبة موجهة الى جنوده :
- " هذه الخدمة الجليلة التي سنقدمها لله بطرد العرب من هذه البلاد ( يقصد شرق آسيا ) وباطفائنا شعلة أمة محمد بحيث لا يندلع لها هنا بعد ذلك لهيب ، واني لعلى يقين أننا لو انتزعنا تجارة " ملقا " من أيدي العرب لأصبحت كل من القاهرة ومكة أثراً بعد عين ، ولامتنعت عن البندقية تجارة التوابل كلها ، ما لم يذهب تجارها الى البرتغال لشرائها من هناك " !
اذن ، فانهيار الأندلس كان مدخلاً لاشتباكات سرعان ما أخذت بعداً عالمياً ، وهي كانت استمراراً للحروب الصليبية ، وحرباً عالمية حقاً ، شملت جميع ميادين الحياة الدولية آنذاك ، من القارة الأميركية المكتشفة عام 1492 ، وهو أيضاً تاريخ سقوط غرناطة ، حتى ساحات المحيط الهندي والمحيط الهادي وميادين البحر الأبيض المتوسط ، وان ذلك الذي حدث في شبه الجزيرة الايبرية لم يكن في حقيقته سوى تقابل صدامي بين عصرين ، واحد يأفل وآخر يبزغ ، ولكن شتان بين سياسات هذا وسياسات ذاك ، فطلائع العصر الأوروبي الجديد انطلقوا يمارسون سياسة الابادة في القارة الأميركية ، وفي شبه الجزيرة الايبرية ، وفي شرق آسيا حيث استئصلت الجاليات العربية المحترمة عموماً بأطفالها ونسائها ، ومن نجا منها بيع في أسواق النخاسة !
في دورة الاضطهاد الرهيبة الطويلة ، التي عاشتها اسبانيا تحت حكم القوط الجدد ، صار تعميد العرب كرهاً ، وراحت محاكم التفتيش تأمر بعد ذلك باحراق المعمدين الذين أصبحوا نصارى ، ثم بدأت عمليات التطهير بالنار تدريجياً ، لتعذر احراق الملايين من العرب الأندلسيين دفعة واحدة !
لقد نصح كاردينال طليطلة التقي ، الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش ، بقطع رؤوس جميع من لم يتنصّر من العرب ، رجالاً ونساءً وولداناً ، غير أن الراهب الدومينيكي " بليدا " لم ير في ذلك ما يكفي ، فأشار بضرب أعناق حتى من تنصّر منهم . لماذا ؟ لأنه من الصعب التأكد من صحة تنصّرهم ، ولذلك فمن المستحب قتل جميع العرب لكي يحكم الرب بينهم في الآخرة ، ويدخل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم !
في عام 1610 أمر الحكام القوط الجدد باجلاء جميع العرب عن شبه الجزيرة . لكن الأكثرية الساحقة من المهجرين أبيدت قتلاً على الدروب ، وأبدى ذلك الراهب بليدا ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع أولئك المهاجرين أثناء رحيلهم . لقد قتلوا مئة ألف مهاجر من قافلة واحدة كانت تضم مئة وأربعين ألفاً وهي في طريقها الى المغرب العربي !
لقد بدأت منذ تلك التواريخ ، وعلى مدى القرون الخمسة التالية ، عمليات الابادة والاستيطان في جميع القارات ، وهي العمليات التي دفعها الانجليز والأميركيون البيوريتان الى أقصى مدى ، وواصلوا ممارستها حتى يومنا هذا ، كما نرى في فلسطين والعراق .
زوال الأندلس كارثة انسانية :
يقدّر كثير من العلماء عدد العرب الذين خسرتهم اسبانية بثلاثة ملايين انسان ، وذلك فقط بعد سقوط غرناطة بقيادة فرديناند عام 1492 م ، وتلك ، برأي العلماء الأوروبيين أيضاً ، لم تكن كارثة لاسبانيا فحسب بل كارثة انسانية عامة حقاً .
ترى كيف توارت وتلاشت تلك الأعداد الهائلة من العرب ، وكم عدد الذين نجحوا في البقاء ، وكم عدد الذين رحلوا الى جنوب أميركا ، والى البلدان المنخفضة في أوروبا ، ناهيكم عن الذين نجحوا في الوصول الى شمال أفريقيا ، ومصر ، وبلاد الشام ، والقسطنطينية ، وجزر المتوسط ، وجنوب ايطاليا ؟
يقول غوستاف لوبون : لايسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الغزاة من حوسب على اقترافه جرائم قتل كتلك التي اقترفت ضد العرب ، وما يرثى له أن اسبانيا حرمت عمداً تلك الملايين الثلاثة من العرب الذين كانت لهم امامة الثقافة والصناعة ، ثم رأت محاكم التفتيش أن تبيد كل نصراني فيه شيئاً من النباهة والفضل ، فكان أن هبطت اسبانيا الى أسفل دركات الانحطاط ، بعد أن انهار كل ما كان فيها من زراعة وصناعة وتجارة وعلوم وآداب وسكان !
من الواضح أن ما يسمى مواجهة بين الاسلام والمسيحية كان مصطنعاً ، وأنه انتاج أوروبي ، وهو المسؤول عن التأسيس للنزعات " الأصولية السلفية " بمعناها السلبي الذي يحتكر الحقيقة والحق والايمان . ان حكام اسبانيا والبرتغال الجدد، قد أسسوا لهزيمتهم المنكرة على أيدي الانجليز ، بسبب قصر نظرهم وضحالتهم وحماقتهم ، فلم تقم لهم بعد ذلك قائمة حتى يومنا هذا .
النتائج الرهيبة للكارثة الانسانية :
لقد صار عدد سكان طليطلة 17 ألفاً بعد أن كان 200 ألفاً قبل انهيار النظام العربي ، وصار عدد سكان قرطبة 42 ألفاً بعد أن كان مليوناً ، ولم يبق من مدن ولاية شلمنقة ، التي كان عددها 125 مدينة ، سـوى 13 مدينة ، أما عدد ســـكان مــدريد فقد تقلص من 400 ألفاً الى 200 ألفاً !
في جميع المناطق الاسبانية / البرتغالية ، أغلقت المصانع الكبرى أبوابها ، وأهملت الزراعة فتحولت الأرياف الى بلاقع ، وخلت المدن من السـكان بصورة مخيفة ، وصارت اشبيلية ، التي كانت تدير 1600 مؤسسة حرفية كافية لاعاشة 130 ألفاً ، تضم فقط 300 مؤسسة حرفية صناعية ، فضلاً عن خلوّها من ثلاثة أرباع سكانها . لقد وردت هذه المعلومات في رسالة مجلس الكورتس الى الملك فيليب الرابع .
وفي طليطلة ، لم يبق سوى ثلاثة عشر مصنعاً للصوف بعد أن كان فيها خمســون مصنعاً ، كذلك خسرت طليطلة جميع مصانع الحرير التي كان يعيش منها أربعون ألف انسان ، وقد وقع مثل هذا في كل مكان ، ولم تلبث المدن الكبيرة ، مثل قرطبة وشقوبية وبرغش ، أن تحوّلت الى صحارى تقريباً ، حيث زالت المصانع التي استمرت قائمة فيها لبعض الوقت بعد الزوال الأخير النهائي للعرب منذ عام 1610 .
ومن جراء غياب الصناعات مع غياب العرب ، اضطرت اسبانيا الى جلب عمال من هولندا عندما أرادوا انشاء مصنع للصوف في شقوبية أوائل القرن الثامن عشر ! لقد اضطروا الى تسليم زمام أمورهم ، وسلطاتهم العليا ، وشؤونهم الادارية ، وصناعاتهم وتجاراتهم ، الى مديرين من الأجانب أتوا بهم من فرنسا وايطاليا وألمانيا !
لقد خلت تلك البلاد ، التي أضاءت العالم أيام العرب ، من أية مدرسة لتعليم الفيزياء والرياضيات والطبيعيات ، وصرت لا ترى فيها ، حتى عام 1776 م ، كيماوياً واحداً قادراً على صنع أبسط التراكيب ، ولا شخصاً واحداً قادراً على صناعة مركب أو سفينة شراعية ، حسبما أكد الكاتب الاسباني كنبو مانس !
لقد نجحت محاكم التفتيش الرهيبة في مهماتها فعلاً ، بحيث جعلت جميع المناطق الاسبانية لا تعرف غير كتب العبادة والأمور الدينية ، أما أطباؤها فلم يسمعوا شيئاً عن الدورة الدموية الى ما بعد اكتشافها بقرن ونصف !
يقول الألماني فويشت فانغر : ترجم العرب لمسيحييهم الكتاب المقدس الى العربية ، وأعطوا اليهود حق المساواة الاجتماعية وهم الذين كانوا تحت الحكم العرفي أيام القوط . لقد عاش اليهود في ظل الاسلام حياة سعيدة ، رغيدة ، لم يسبق لهم أن عاشوها في أي مكان آخر ، فظهر منهم وزراء وأطباء ، وأسسوا معامل ومراكز تجارية كبرى ، وأرسلوا سفنهم التجارية في بحار الأرض السبعة ، ومن دون نسيان لغتهم العبرية التي لهم الحق في استخدامها طوّروا نظماً فلسفية باللغة العربية ، فترجموا مؤلفات أرسطو ، وصهروا تعاليمه مع تعاليم كتابهم ومع تعاليم علماء الحكمة العرب ، وخلقوا نقداً حراً ، جريئاً ، للكتاب المقدس ( العهد القديم ) وجدّدوا فنّ الشعر العبري . . الخ !
تهديد ثقافتنا يعني تهديد وجودنا :
أخيراً ، نعود لنقول ونحن نتابع مأساة العرب والمسلمين ، المستمرة على مدى القرون الخمسة الماضية ، التي بلغت ذروتها اليوم في فلسطين والعراق ، أن الخطر الجدّي على وجودنا هو تقويض آدابنا وفنوننا وثقافتنا التاريخية ، وأن اختراق النخب الثقافية والسياسة العربية ، وجعلها تردّد كالببغاوات أضاليل وأباطيل الأعداء ضد تاريخنا ، هو بداية زرع الخلايا السرطانية في جسم الأمة ، وأنه يتوجب علينا التمييز بحزم بين نظام عالمي يقوم على التكافؤ والتعاون والمساواة بين جميع الأجناس والأعراق ، كالنظام العالمي العربي الاسلامي ، وبين نظام آخر يقوم على التمييز والاحتكار والاستعداد التام لاســتئصال الثقافات والأمم والحلول محلها ، كالنظام العالمي الحالي ، الأوروبي الأميركي .