مقارنات تاريخية بالغة الدلالة؟
صنعاء – 23 – 26 /6/2003
مداخلة: نصر شمالي - سورية
في جميع الأزمنة والعصور، يتفق الإنسان السويّ أو يختلف مع العقيدة السياسية. هو لا يتفق أو يختلف مع الأجناس كأجناس والأديان كأديان، بل مع عقائدها السياسية، عادلة أو ظالمة. ولكن حدث في عصور قديمة، وفي العصر الأوروبي الأميركي الحالي، أن العقيدة السياسية السائدة نهضت على أساس الموقف من الأجناس والأديان والطبقات الاجتماعية، فالتابع يجب أن يبقى تابعاً، والعامل يجب أن يبقى عاملاً، والعبد يجب أن يبقى عبداً، وبالمقابل يجب أن يبقى السيد سيداً!
التجربة الإغريقية والديمقراطية الأولى
ليس من قبيل المصادفة أن هذا العصر الأوروبي الأميركي، الذي نهض قبل حوالي خمسة قرون، قد ارتكز في نهضته المادية إلى الديمقراطية الإغريقية القديمة سياسياً، وإلى العهد القديم اليهودي لاهوتياً، فالركيزة الأولى تعطي الحق في التمايز عن الآخر والتعالي عليه، والركيزة الثانية تعطي الحق في استعباد الآخر وإبادته عندما تقتضي الضرورات ذلك!
غير أن هناك من يقرأ التجربة الإغريقية القديمة بعيون الأوروبيين والأميركيين، فلا ينتبه أنها ديمقراطية قامت على نظام العبودية، وأن موقعه فيها عبداً لا سيداً، ففي أوج ازدهارها كان عدد مواطنيها الأحرار، بمن فيهم الأطفال والنساء، في حدود تسعين ألف نسمة، بينما كان عدد سكانها من العبيد، ذكوراً وإناثاً، في حدود ثلاثمائة وخمسة وستين ألفاً، أما عدد الوافدين إليها من الغرباء، إضافة إلى العبيد المحرّرين، ففي حدود خمسة وأربعين ألفاً!
كانت الدولة الأثينية تدار من مجلس مؤلف من خمسمائة نائب انتخبتهم القبائل العشر، وكان هناك الاجتماع الشعبي، الذي اعتبر المرجع الأعلى، والذي كان من حق كل مواطن اثيني حرّ حضوره والتصويت فيه، وكان هناك الموظفون الذين يديرون فروع الإدارة والقضاء، ولم يكن يوجد رئيس للسلطة التنفيذية، وبالطبع كان لديها جيشاً وأسطولاً، للتصدّي للأعداء الخارجيين، ولفرض الطاعة العمياء على الأكثرية الساحقة من السكان العبيد!
وبسبب الازدهار السريع والكبير للثروة، بفضل التجارة والصناعة، توقف التناحر بين الأرستقراطية والأحرار من أبناء الشعب، واستمّر بين الأحرار عموماً، أرستقراطية وشعباً، وبين أكثرية السكان من العبيد التي لم تكن تتمتع بأية حماية أو حقوق!
كانت الأكثرية الساحقة من السكان العبيد تعمل مرغمة، باعتبارها ممتلكات، في الماينفاكتورات والمشاغل الكبيرة، تحت إشراف مراقبين قساة يحصون أنفاسها على مدار الساعة، وذلك ما حقق، بالطبع، ذلك الازدهار المادي الضخم للدولة الأثينية. وقد شرح أرسطو في كتابه "السياسة" كيف أن الناس، الذين لا يملكون سوى عضلاتهم، مسخرّون بإرادة الطبيعة عبيداً للأسياد المفكرين!
كذلك، فإن هناك من يقرأ التجربة الأوروبية الأميركية الحديثة بعيون الأوروبيين والأميركيين، فلا ينتبه أنها ديمقراطية قامت على نظام العبودية الحديث الذي يشمل العالم أجمع، وأن موقعه فيها عبداً لا سيداً، ففي أوج ازدهار الديمقراطيات الأوروبية الأميركية الحديثة، مضافاً إليها اليابان وغيرها، لم يتجاوز عدد سكانها خمس عدد سكان العالم، وفي نطاق هذا الخمس تدار تلك الديمقراطيات من قبل مجلس أعلى ينبثق عن مجالس الشركات المتعدّدة الجنسيات، وإذا كان من حق كل مواطن ديمقراطي حرّ من أبناء الخمس الإدلاء بصوته فإن ذلك لا يعني أن القول الفصل ليس في يد مجلس الشركات الأعلى. لقد أوضح الأميركي المنصف نعوم تشومسكي جيداً، في كتابه "ردع الديمقراطية" كيف يتوهم المواطنون الديمقراطيون الأحرار في الولايات المتحدة أنهم يصوتون بإراداتهم ويعبرون عن قناعاتهم بينما الحقيقة أنهم يفعلون تماماً ما يريده المجلس الأعلى للشركات، وكيف صار حالهم كذلك نتيجة عمليات طويلة معقدة مارستها إدارات الشركات الاحتكارية الربوية!
وأيضاً بسبب الازدهار الهائل، والثروات الأسطورية، توقف التناحر بين أرستقراطية الشركات والمواطنين الديمقراطيين الأحرار، ليستمر بينهم عموماً وبين أكثرية سكان العالم الساحقة، أربعة أخماس البشرية، التي حلّت محل العبيد القدامى، أكثرية سكان الجمهورية الإغريقية القديمة!
لكي نضع الإصبع على ما آلت إليه أوضاع العالم، بقيادة ديمقراطية الخمس، سوف نعرض ببعض الأرقام تردّي أوضاع البشرية المستعبدة أكثر فأكثر بين العام 1960 ونهايات عقد التسعينات. ففي عام 1960 كان عشرون بالمائة من سكان العالم يستحوذون على خمسة وسبعين بالمائة من مجمل ثروات الكرة الأرضية. ذلك هو الخمس البشري الديمقراطي الحر. أما في عام 1996 فإن العشرين بالمائة هؤلاء باتوا يستحوذون على خمسة وثمانين بالمائة من مجمل المنتوج والاستهلاك والاحتياطي العالمي!
وفي ذلك العام،1960، كان عشرون بالمائة من سكان العالم يحصلون بالكاد على اثنين ونصف بالمائة من مجمل الثروات، وهؤلاء هم الخمس البشري الأشدّ فقراً. أما في عام 1996، فقد صار هؤلاء العشرون بالمائة الأشدّ فقراً يحصلون بشق الأنفس على واحد ونصف بالمائة!
وفي ذلك التاريخ نفسه، 1960، كان ستون بالمائة من سكان العالم يحصلون على اثنين وعشرين ونصف بالمائة من مجمل الثروات العالمية، وهؤلاء كانوا الأخماس الثلاثة من البشرية، الذين يشكلون ما يمكن تسميته بالطبقة المتوسطة العالمية، أما في العام 1996 فقد باتت هذه الطبقة العالمية المتوسطة تحصل بالكاد على ثلاثة عشر ونصف بالمائة؛ وهي تنحدر اليوم بسرعة متسارعة على طريق الاضمحلال والزوال ملتحقة بالأقلية الأشدّ فقراً، لتحوّلها إلى أكثرية عالمية ساحقة!
غير أن ما انكشف في عام 1998 تجاوز كل التوقعات، حيث صار ثلاثمائة وخمسون مليارديراً دولارياً، ديمقراطياً،عالمياً، يستحوذون لوحدهم على ما يعادل دخول خمسة وأربعين بالمائة من سكان العالم! وأما ما تكشّف فيما بعد، في السنوات الثلاث الأخيرة من بداية الألف الثالثة، وخاصة بعد الإقدام على احتلال العراق، فإنه لم يبق عذراً لجاهل بحقيقة الديمقراطيتين الأولى والأخيرة، الإغريقية والأميركية!
مثلما كان مستحيلاً استمرار ذلك النظام الديمقراطي الإغريقي العبودي، فانفجر بتناقضاته وتلاشى، كذلك فإنه لمن المستحيل استمرار هذا النظام الديمقراطي الأميركي العبودي، الذي سوف ينفجر بتناقضاته ويتلاشى أيضاً. إن القرية العالمية التي يتحدثون عنها طوال الوقت كتطور ديمقراطي إيجابي تتكشف بسرعة عن معسكر سخرة عبودي عالمي، عن سجن لمليارات من البشر، وإنه لمن المستحيل خداع الناس وتضليلهم بشعارات العولمة، واقتصاد السوق، واشتراكية الرأسمالية، والشرق أوسطية، والمتوسطية، وأخيراً وليس آخراً إحلال الديمقراطية بواسطة الأساطيل الحربية، بل لقد صار واضحاً أن العالم محكوم بديكتاتورية الديمقراطية الأميركية، التي هي واجهة المرابين الذين يكنزون معظم الكتلة النقدية العالمية، ولا يتركون لأتباعهم سوى فتات الموائد!
لقد كان وطننا العربي الكبير، على سبيل المثال، في عام 1960 أيضاً، يؤمن ذاتياً حوالي خمسة وسبعين بالمائة من حاجاته الغذائية، أما في عام 1998 فقد صار يؤمن ذاتياً حوالي ثمانية وأربعين بالمائة من هذه الحاجات، والرقم في تراجع، وما يقال عن العرب يقال عن غيرهم من أمثالهم الذين يشكلون الأكثرية الساحقة من العبيد سكان القرية العالمية!
وهكذا تبدو العولمة مرحلة أعلى وأخيرة من مراحل الإمبريالية، ويبدو النظام العالمي مشرفاً على نهاياته، مثلما حدث للنظام الإغريقي العبودي القديم، ولن ينقذه البعد التلمودي الذي يبرّر له ذبح الآخرين، والذي يبدو اليوم كأنما هو سلاحه الأخير!