هل يعقل تجاهل عصر بكامله؟!
في المأزق البشري الحالي الخطير تواصل أجهزة الدعاية والتثقيف المركزية، الأوروبية الأميركية، إلحاحها على أن المرجعية الأممية محصورة بمجتمعات الخمس البشري، التي يزعمون أنها مركز الحضارة ومنتجها عبر جميع العصور، وأنها المجتمع الدولي مضافاً إليها من يجاريها في مركزيتها واحتكارها المتعصب المتعالي!
لقد صنّفوا أمم أربعة أخماس البشرية خارج نطاق الفعل الحضاري، وخارج سياق تسلسل العصور البشرية، فإذا تحدثوا عن علاقاتها الاجتماعية نسبوا إليها كل ما لا يتفق مع معايير التقدم الإنساني وكل ما يتسم بالقصور الأصلي، الذي يجعلها وسطاً بين الإنسان والحيوان! وإذا تحدثوا عن علاقاتها السياسية لخصوها بعنوان واحد هو: الاستبداد الشرقي! وإذا تحدثوا عن علاقاتها الاقتصادية اختصروها أيضاً بعنوان غامض ملفق هو: الاقتصاد الآسيوي! لكنهم، وياللعجب، لا يأبهون لمغالطاتهم، حيث في ذروة صعود البورجوازية الأوروبية والأميركية، منذ القرن السابع عشر على الأقل، لم يتورعوا عن اعتماد نظام الرق الاجتماعي، فتاجروا بمئات ألوف البشر كرقيق مستورد قسراً من أفريقيا، ولم نسمع قط صوتاً ذا قيمة سياسية أو دينية ارتفع اعتراضاً على تجارة الرقيق الفظيعة تلك، التي كانت لها شركاتها ومكاتبها في لندن ومدريد ولشبونة والبندقية وغيرها، ولها أسواقها المزدهرة خاصة في القارة الأميركية، بلاد الإبادة والاستيطان التي جبلت بنيتها المادية التحتية التأسيسية بعرق ودماء ولحوم وعظام الرقيق الأفريقي!
الحرفة العربية والإقطاع الأوروبي!
إننا، إذا كنا غير ملزمين بالانصياع لمركزيتهم والتقيد بتوجيهاتها العنصرية، نقول أن الثورة التي أنهت عصر الرق، والتي تحدثت الماركسية عن ضرورتها، هي الثورة العربية الإسلامية في القرن السابع، التي تشكلت قاعدتها المادية من الصناعات الحرفية والتبادلات التجارية بعد أن حرّرت الإنتاج الحرفي والتبادل السلعي اللذين كانا مكبلين بقوانين وعلاقات الأنظمة العبودية الرومانية والفارسية، غير أن الماركسية لا تقول ذلك للأسف الشديد، وتنسب الفضل في إنهاء عصر الرق لعصر الإقطاع، معتبرة مركز العصرين هو أوروبا، ودائماً أوروبا!
ولكن، إن ما يسمى عصر الإقطاع لم يكن سوى تلك الأنظمة المتخلفة التي سادت أوروبا فعلاً في القرون الوسطى، وهي أنظمة لا تصلح أبداً مقياساً لذلك الطور الإنساني العام، حيث في معظم المناطق الأخرى التي كانت تشغلها الجملة الإنسانية سادت نظم متقدمة على نظامي الرق والإقطاع، وكانت مراكزها العواصم العربية الإسلامية المستندة بالدرجة الأولى، وبصورة غالبة، إلى أسس اقتصادية متينة قوامها الإنتاج الحرفي الطليق والتبادل السلعي الحرّ على أوسع نطاق عالمي، وقد شكلت تلك الأسس، الحرفية والتجارية، المقدمات المنطقية لظهور نظام الماينفاتورة المتقدم مادياً، ثم لمكننة الإنتاج التي نهض على أساسها العصر الأوروبي الأميركي الرأسمالي؟
الإنتاج الزراعي يتبع الصناعي!
وهكذا، فليس الإقطاع الأوروبي من هيأ لتكنيك المانيفاتورة المتقدّم، بل الممارسات الطويلة للتجار والحرفيين العرب، فاقتصاد الإقطاع الأوروبي في القرون الوسطى كان اقتصاداً طبيعياً (من الطبيعة) تستهلك الأسرة فيه ما تنتجه من قيم استعمال فجّة ليس فيها أي أثر للإبداع، فهو اقتصاد راكد آسن لم تحركه وتطهّره تيارات الأسواق العالمية، ولا يملك أية قاعدة مادية تؤسس لنهوض النظام التالي المتقدم، نظام الماينفاتورة.
لقد كان ذلك العصر، ما بين القرن السابع والقرن السادس عشر، عصر الحرفة المحرّرة والتجارة الطليقة، وليس عصر الإقطاع، والإنتاج الحرفي كان ممتداً إلى الأرياف، حيث الإنتاج الزراعي في العصر العربي الإسلامي كان على العموم وفي غالبيته إنتاجاً حرفياً، خاصة في المراكز والبلاد المتقدمة التي يقوم فيها أسلوب الإنتاج الزراعي على الأيدي العاملة الزراعية التي كانت بأكثريتها حرفية حرة أو محرّرة، تنتج على أساس المحاصصة بينها وبين صاحب الأرض، أو بينها وبين التاجر المموّل للعملية الزراعية، سواء بالقروض النقدية أو القروض العينية، أما الأوساط الحاكمة فكانت في غالبيتها من التجار!
إن الإنتاج الزراعي، في كل مجتمع وفي أي طور تاريخي، لا يشكل سوى قطاعاً من الإنتاج الإجمالي للمجتمع، وفي عصر ازدهار الحرف والتجارة العربي الإسلامي، وكذلك في عصر ازدهار الرأسمالية الأوروبية، كان مركز ثقل الإنتاج، ومحرك عملية الإنتاج، قائماً في المجتمعات المتقدمة، فمركز الثقل هو قطاع الصناعات الحرفية أو الميكانيكية، حيث تنتج وسائل الإنتاج والقيم الأخرى المتممة لها على أساس من المعارف والمهارات التي هي حصيلة التقدم الإنساني عموماً، وليس على أساس الزراعة، ولذلك فإنه لا يبنى على علاقات الإنتاج الزراعي الإقطاعية أي طور أو عصر عالمي.
الإنكار والجحود الأوروبي الأميركي!
إنه لمن المنطقي، والثابت، أن الرأسمالية لم تكن نقيضة الإقطاع في أوروبا أو في غيرها، بل كانت نقيضة الصناعات الحرفية ووليدتها، وكانت ثورة على نظامها السائد عالمياً آنذاك، وقد قامت المؤسسات الأولى للنظام الرأسمالي (المانيفاتورة) في إيطاليا المطلة على المشرق العربي والمتصلة به اتصالاً حميماً، ثم اندفع التيار الرأسمالي في اتجاه المقاومة الأضعف، في اتجاه أوروبا المتخلفة، وعندما كان يصطدم بالعقبات المحلية الأوروبية فإنه كان، في جوهر الأمر، يصطدم بنقيضه الحقيقي القائم في مناطق العالم المتقدمة، أي بنظام الإنتاج الحرفي المزدهر في بغداد والقاهرة ودمشق وغرناطة وسمرقند..الخ.
خلاصة القول أنه، في كل عصر من العصور البشرية، يسود عالمياً أكثر المجتمعات تقدماً بسيادة نظامه على جميع الأنظمة الأخرى في الجملة الإنسانية، فيحتوي تلك الأنظمة بشكل من الأشكال المناسبة، بحيث تصبح امتداداً له في مناطقها، وتحمل عنوانه سواء أكانت من مخلفات عصر سابق أم كانت متقدمة تشكل إرهاصاً للعصر القادم التالي الذي لم يبدأ بعد!
لقد تعمدّت المركزية الأوروبية/ الأميركية العنصرية طمس العصر الإنساني السمح، العربي الإسلامي، الذي نهض ما بين القرن السابع والقرن السادس عشر، والذي فصل بين عصر الرق الذي سبقه والعصر الرأسمالي الذي تلاه، ولاتزال هذه المركزية تتمادى في إنكارها وجحودها وعنصريتها حتى يومنا هذا!