هل سيصبح العالم خمسة آلاف دولة؟!
انفلتت عملية تدمير الدول من عقالها وانطلقت متسارعة، نامية نموا سرطانياً، في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، وبالضبط في تلك اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأميركي بوش الأب عن بداية نهوض نظام دولي جديد! لقد وضعت هذه الظاهرة مفهوم الدولة في مهب الريح، فبمقدار ما كانوا يعظمون هذا المفهوم بمقدار ما جرى الاستخفاف به والحط من شأنه! أما المتفلسفون المتفذلكون فراحوا يعزون الظاهرة الى التطور التاريخي، مغفلين تماماً وحدة النظام العالمي الاحتكاري، ووحدة قيادته الديكتاتورية التي يتزعمها الأميركيون، ومغفلين دور هذه القيادة في العمل اليوم على تقويض الدول بواسطة الجيوش، وهي التي رعت من قبل نهوض هذه الدول عندما كان ذلك يخدم مصالح الاحتكار العالمي! أما دليلنا على النوايا المبيتة مسبقاً فهو القانون الدولي الذي جمع المتناقضات، فنصّ على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة، وعلى مبدأ وحدة وسلامة أراضي الدول من جهة أخرى! لقد وضع هذان النصان المتناقضان في القانون الدولي منذ عام 1945، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين تسلم الأميركيون زمام القيادة الدولية كورثة لعواصم الاستعمار القديم. وليس من شك في أن ذلك التناقض كان متعمداً، فوحدة أراضي الدول وسلامتها تكون مقدسة عندما تقتضي مصالح الاحتكارات ذلك، وتفتيتها بحجة حقوق الإنسان وتقرير المصير للشعوب يصبح بدوره مقدساً عندما تقتضي المصالح ذاتها ذلك، وها هي الدول، منذ مطلع عقد التسعينات الماضي، على طريق التفتت المتسارع، وها هي حوالي خمسة آلاف جماعة عرقية أو دينية تتحرك للانطلاق في هذا الاتجاه، بعد أن احتفظت بها الإدارة الدولية الأميركية جاهزة لمثل هذه المهمة طوال نصف القرن الماضي! إن هذه الجماعات تشكل اليوم الرصيد الضخم المتحرك بعد أن انطلقت عملية تمزيق الأمم عموماً!
لقد أعطى الرئيس بوش الأب إشارة الانطلاق لمبدأ حق تقرير المصير كي يلتهم مبدأ وحدة أراضي الدول! أما الأدوات فكانت جاهزة سلفاً على مدى عقود لتلقي مثل هذه الإشارة في اللحظة المناسبة، وقد راحت التقارير والدراسات في المراكز القيادية الدولية تعد اللوائح بأسماء الدول التي سوف تتفتت تباعاً، فجرى الحديث مسبقا عن تفتيت الصين والهند والبرازيل والمكسيك..الخ، وأيضاً عن تفتيت البلاد العربية والإسلامية، وعن العراق تحديداً، حيث كتبوا في الثمانينات أن العراق يعيش حالة ما قبل الانفجار: " هناك منطقة سنية حول بغداد، ومنطقة شيعية في الجنوب، وأخرى كردية في الشمال "! لقد ورد ذلك في دراسة مطولة أعدها الباحث باسكال يونيفيس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، ونشرتها مجلة واشنطن كوارترلي الفصلية في خريف 1989! تقول الدراسة: إن الدول تنشأ غالباً في سياق الحروب، فعدد الدول في أوروبا تقلص من حوالي 500 في عام 1500م الى بضع عشرات في عام 1800م، وتحقق ذلك الدمج بفعل الحرب، غير أن هذه العملية تتحرك الآن في الاتجاه العكسي، حيث الحروب اليوم لا تفضي الى توحيد الدول بل الى تفكيكها، وليس الى بناء الإمبراطوريات بل الى البلقنة، وهذه النزعة الانفصالية تمثل اليوم التهديد الرئيسي للسلام العالمي، وعقد التسعينات الماضي هو عقد انطلاق النزعات الانفصالية الدموية، فهذا الزمن أكثر دموية حتى من زمن الغزوات الاستعمارية المبكرة، وأكثر وحشية على نحو مروع! إنه عقد يتسم بحروب ضروس بين شعوب كانت قبل فترة وجيزة تتعايش بسلام. هذا ما كتبه يونيفيس!
لكن دراسة باسكال يونيفيس عن تفتيت الدول لا تستثني أوروبا، فهي تقول: حتى الغرب، رمز الأمن العسكري والازدهار الاقتصادي وسلامة الأراضي، تتجمع اليوم فيه سحب انفصالية عاصفة، وتوضح الأرقام ذلك، ففي عام 1920 كانت أوروبا تتشكل من 23 دولة يفصل بينها حوالي 18000 كيلومتر من الحدود، أما في عام1992 فقد صارت تتشكل من 50 دولة و40000 كيلومتر من الحدود، ولا يزال الاحتمال مفتوحاً على المزيد!
أغنية الشيطان الأميركية الانفصالية!
يقول يونيفيس أنه ليس للانفصاليين علاقة بحروب الاستقلال، وأن الحافز الأساسي للانفصال ليس مجرد الدفاع عن هوية مهددة، بل هو حافز مادي! إن الموقف الراسخ من الانفصاليين، أي موقف الإدارات الدولية، هو التعامل معهم كمدافعين عن هوية عرقية شرعية! وهكذا، فبمجرد أن يمنح المجتمع الدولي الرسمي شرعيته لواحدة من هذه الحركات الانفصالية فإن هذا سيحفّز الحركات الأخرى حول العالم، حيث لا يمكن لأحد أن يدافع عن حق تقرير المصير لسكان سيراجيفو ويزعم في الوقت نفسه أن الحرب في الشيشان شأناً روسياً داخليا! ولا يمكن لأحد أن يؤيد حق الكروات في الاستقلال عن يوغوسلافيا بينما ينكر حق صرب كرواتيا في وطن قومي لهم! ولا يمكن لأحد أن يعترف بحق الصرب البوسنيين في الاعتراض على حكومة سيراجيفو بينما ينكر حق ألبان كوسوفا في رفض وصاية بلغراد..الخ!
هكذا انطلقت أغنية الشيطان الأميركية حول حق تقرير المصير كمبدأ دولي قانوني، ملغية المبدأ المقابل وهو وحدة وسلامة أراضي الدول! لقد انطلقت عملية التفتيت الى أقصاها، وشاع الوهم الذي يفترض أن نجاح الدولة/المدينة، مثل هونغ كونغ أو سنغافورة، أظهر أن التطور في التقانة والأسواق المالية يمكّن الاقتصادات الصغيرة من العمل بكفاءة عالية، شريطة الاندماج في النظام الكوني المعولم، أي المؤمرك! إنهم يقولون أن الميزة التنافسية لسنغافورة كانت ستبقى أقل بكثير اليوم لولا أنها انفصلت عن اتحاد المالايو عام 1965! لنلاحظ ما يجري اليوم في أقاليم السودان مثلاً، حيث يردد الانفصاليون الأوهام ذاتها! غير أن هذه التمنيات سرعان ما ستصطدم بالواقع المختلف وتتبدد، إنما بعد فوات الأوان، والآن لننظر الى تلك النزعات الانفصالية في أندونيسيا بجزرها الثماني عشرة ألفاً، وبجماعاتها العرقية الخمسمائة، وعدد سكانها الذي يقارب المئتي مليون نسمة، حيث يجري العمل على تقسيم هذا البلد الى عدد كبير من الدول الصغيرة التي تحلم كل واحدة منها بأن تكون سنغافورة جديدة!
بعض النخب غير البريئة!
إن قرار تفتيت الدول وتمزيق الأمم كان متخذاً منذ البداية، منذ عام 1945، بذريعة مبدأ تقرير المصير، أما تأجيل العمل به فقد بقي مرهوناً بالحاجة إليه ريثما تنتهي الحاجة الى مبدأ وحدة وسلامة أراضي الدول! ولنلاحظ الآن كيف تطور خطاب بعض النخب في العراق، من الدعوة في البداية الى صيانة حقوق الإنسان ليتحول اليوم الى الدعوة لحق تقرير المصير، أي الانفصال! وليس غير الذي لا يملك ذرة عقل من يخامره الشك في أن الدعوة الأولى القديمة كانت تتضمن الدعوة الثانية الجديدة منذ البداية وبتصميم مسبق! وليس غير أعمى البصيرة من لا يدرك أن بعض النخب غير البريئة كانت مستفيدة من ارتكابات السلطات المستبدة وإن هي تظاهرت بالعكس، بل لعلها كانت سعيدة بتلك الارتكابات ضد حقوق الإنسان إن لم تكن ساهمت في ما من شأنه دفع السلطات الى التمادي تمهيداً لمثل هذا اليوم الموعود، الذي ظلت تنتظره بفارغ الصبر!
والآن، فإن الأصوات تتعالى هنا وهناك دفاعاً وتعاطفاً مع حقوق الإنسان، وهذا أمر طبيعي جداً وجهد ضروري جداً، ولكن يفترض أن لا يفوتنا الانتباه الى ما تتضمنه مسبقاً بعض الأصوات، ألا وهو الانتقال في أول فرصة ملائمة الى المناداة بالمبدأ الآخر من مبدأي قانون الأمم المتحدة الأميركي، نعني مبدأ حق تقرير المصير أو الانفصال! فإذا كنا نرى جيداً دور الاستبداد السلطوي في دفع مجتمعاتنا عموماً الى الوقوع في براثن هذا الشرك، الذي نصبته الديكتاتورية الأنكلوسكسونية الدولية منذ عام 1945، فإننا في الوقت نفسه نرى جيداً أيضاً الوجه الآخر، أو الدافع الآخر المتربص، الذي يتظاهر بمعارضة الارتكابات الاستبدادية بينما هو يمدها بالمبررات كي تتمادى، منتظراً لحظته التاريخية، بعد تقويض الأمة، لتحقيق مصالحه الضيقة المخيفة!
www.snurl.com/375h