هل النظام العالمي في طور الاحتضار؟
بقلم: نصر شمالي
من أعجب الأمور وأكثرها مدعاة للاستغراب أن البعض يتحدث عن النظام العالمي من موقع المستقل عن هذا النظام العالمي، فيغيب عن بصره وبصيرته أن هذا النظام يتألف من جميع القارات وسكانها، ويتمايز من داخله بالشمال والجنوب، وأن العالم مثل المصنع أو الحقل الصناعي يتألف من مراكز الإدارة والملكية ومن صالات وحقول العمل والعاملين، بل لعله مثل السجن ينهض بالسجانين والمسجونين فلا وجود لهؤلاء من دون وجود أولئك، أو مثل المجتمع العبودي ومزارع العبيد في أميركا التي تكونت من السادة والرقيق!إن خصائص ووظائف المراكز في هذا العالم تحدد خصائص ووظائف أطرافه، وإن وجود أحد الطرفين بالصورة التي هو عليها يشترط وجود الآخر بالصورة التي هو عليها، وبناء على ذلك فإن انتفاء وجود أحدهما بخصائصه الراهنة يعني انتفاء وجود الآخر بخصائصه الراهنة، أي أن النظام العالمي يتغير عندما يتغير موقع أحد طرفيه وبتغيّر خصائصه ووظائفه!
المحتضر في حكم الميت!
غير أن هذا النظام الاحتكاري العالمي يواجه اليوم تغييرات من النوع الذي لا يمكن أن يسمح له بأن يستمر هو ذاته، فخصائص ووظائف أطرافه توشك أن تتبدل، وبالتالي فهو إلى زوال، وعلى الرغم من صعوبة التبسيط فإن المثال الذي يمكن أن ينطبق على حالته الراهنة هو مثال الإنسان الفرد في حالة احتضار طويلة نتيجة مرض عضال! إن الإنسان المحتضر الجاهز للرحيل عن الدنيا حتماً يتعذب ويعذب من حوله في علاقة رهيبة لا طائل من ورائها ولا يمكن تجنبها! إنها حالة قد تطول وقد تقصر، لكنها حالة احتضار! وعندما نستخلص النتائج الصحيحة من رؤيتنا لحالة هذا النظام الربوي الاحتكاري فإن المفترض بها أن لا تكون رهاناً على الموت، فالمحتضر في حكم الميت، ويعامل على هذا الأساس حتى لو عاش سنوات أخرى! وعند الإشارة إلى النتائج المرجوة التي ينبغي استخلاصها، والتي يؤمل أن تكون أقرب إلى الصواب، فإن المراد من وراء ذلك هو معرفة كيفية التصرف بصدد علاقات مرحلة الاحتضار، أو لنقل أنها علاقات مرحلة الانتقال التاريخية، وكيف يتوجب الاستعداد للمرحلة التي تليها، والتي لن يكون المحتضر موجوداً فيها، كي نكون جديرين بموقع لائق في النظام الجديد القادم.
الفيل المحتضر والطائرة المحترقة!
إن الوصول إلى استنتاجات مشتركة على مثل هذا القدر من الأهمية ليس بالأمر السهل قطعاً، خاصة إذا لم تكن المقدمات مشتركة، فبالإضافة إلى أن هناك الكثيرين ممن لا يرون وحدة النظام العالمي في تكاملها وعلى حقيقتها فإن الذين يرونها يتساءلون: هل النظام العالمي يحتضر حقاً؟ هل الفساد الذي نراه هو فساد الاحتضار والموت؟ هل دخل العالم فعلاً مرحلة الانتقال التاريخية من عصر إلى عصر، وأنه يجتاز الآن المساحة القاحلة التي تفصل بين عصرين؟ وبالطبع، فإن لمثل هذه التساؤلات مبرراتها القوية بينما العالم يعاني على مدار الساعة من مظاهر جبروت وعتو وطغيان هذا النظام العالمي، ويرى أذرعه الطويلة الفتاكة تنزل الدمار الشامل بأية بقعة من بقاع الأرض! ولعل الإجابة على مثل هذه التساؤلات تتلخص في أن قدرة الفيل مثلاً، على التدمير والقتل بحركة بسيطة منه لا تتلاشى ولا تنتفي حتى وهو في حالة النزع الأخير، وأن الطائرات المقاتلة المحترقة في الأجواء يمكن أن تحقق دماراً رهيباً وحرائق فظيعة وعدداً كبيراً من الضحايا قبل أن تستقر وتنطفئ، وبالتالي فإن خطر النظام العالمي في وضعه الراهن لا يختلف عن حظر الفيل المحتضر والطائرة المحترقة!
إنقاذ الحياة من براثنهم!
ينبغي التأمل في ما آلت إليه أوضاع العالم، بعد خمسة قرون هي عمر هذا النظام العالمي، لنرى كيف أبيدت مجتمعات لصالح نهوض مجتمعات محددة، ودمّرت قارات لصالح بناء قارة معينة، وسحقت طبقات لتحيا الطبقة السيدة، فصار خمس سكان العالم يستحوذون لوحدهم على حوالي 85% من مجمل الإنتاج والاستهلاك العالمي! ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أبيدت احتكارات أدنى في المراكز لدعم احتكارات أعلى، ثم انقسمت الاحتكارات الأعلى على نفسها، ومثلما تفعل بعض الكائنات الدنيا راح نصفها يلتهم نصفها الآخر، ثم اتصل النصف المتبقي بذاته ليلد كائناً شبحياً، محلقاً، غير محصور بمكان أو زمان وغير ملتزم بقيود أو قوانين، هو هذه الشركات المتعددة الجنسيات التي خرجت من يرقتها اليابسة لتحلق مؤقتاً، مخلفة بطنينها المتواصل غير المباشر الخبل والذهول والصرع في القارات الخمس، وبالطبع، أمام هذا الوضع الفالت، الذي تستحيل السيطرة عليه والمفتوح على جميع الاحتمالات، يمكن القول أن النظام العالمي قد بلغ نهاياته وأنه في طور الاحتضار.
لقد نضحوا ثروات الجنوب بعشوائية ميكانيكية صماء حتى أوشكت على النضوب، وهم لا يريدونها أن تنضب، واستعبدوا سكانه إلى درجة التحكم بمواليدهم وأنفاسهم ووضعوهم على حافة الهلاك، لكنهم لا يريدون موتهم لأنهم لا ينتفعون بهم أمواتاً، فالقطيع يذبح منه ما يفي بالحاجة وليس إلا المجنون من يبيده بكامله!
إن النضح العشوائي الوحشي المتلاف لثروات جنوب العالم قد تجاوز الحد الذي كان يتوجب إيقافه عنده قبل زمن طويل، فكيف ينتفعون بالجنوب بعد أن ينضب ويتعرى ويبور؟ وبلغ تدمير الإنسان في الجنوب حدّ الهلاك الشامل، فكيف يوفق الاحتكاريون المرابون بين حاجتهم للانتفاع بالبشر أحياء وبين حاجتهم إلى عدم السماح للبشر بالحياة الطبيعية حتى لا ينهضوا ويتحرروا؟ غير أن الأخطر ربما هو ما فعلوه بالطبيعة والبيئة، حيث وضعوا كوكب الأرض على مهاوي كارثة إيكولوجية، وهم بالطبع لا يريدون موت الأرض لأن في ذلك موتهم بداهة، غير أنهم يواصلون بلا تردد نمط حياتهم البهيمي الذي يسرّع بالكارثة العامة، فما هو الحل؟ إن الحل لم يعد عندهم بل عند الأمم الأخرى، وإن نظامهم العالمي الفاجر يحتضر، وسوف ينهض نظام عالمي جديد منطقي وعادل بجهود الأمم الأخرى.