هل العراق غابة وحشية ومجتمع بدائي؟!

بقلم: نصر شمالي

لا تنقطع أبداً أفواج السياسيين والإعلاميين الأميركيين الذين يزورون بلادنا العربية، وهم جميعاً يحملون جوازات سفرهم التي تتضمن أسماءهم وتؤكد جنسيتهم، لكننا لا ندري حقاً ما هي الأسماء الحقيقية وما هي الجنسيات الأصلية لمعظم هؤلاء الزوار! نحن لا نعرف ما هي الأسماء الحقيقية والجنسيات الأصلية للسياسيين الأميركيين من أمثال بول وولفويتز وريتشارد بيرل ودينيس روس، وغيرهم ممن لعبوا أدواراً خطيرة في بلادنا، تماماً مثلما لا نعرف ما هي الأسماء والجنسيات الحقيقية الأصلية للإسرائيليين من أمثال نتنياهو وأولمرت وباراك وغيرهم! فإذا قيل لنا أن هناك جهات مختصة لديها معلومات مدونة موثقة تحدّد أصولهم وفصولهم السابقة لما هو مدوّن في جوازات سفرهم، فإننا نسأل عما إذا كانت محتويات هذه المدونات بدورها هي الأساسية الأولى، والحقيقية الأصلية! أما عن الإعلاميين الأميركيين فهناك، على سبيل المثال لا الحصر، الصحفي الأميركي توماس فريدمان محور هذه المقالة، المشهور بتخصصه في شؤون بلادنا، والذي لا ندري أيضاً ما هو اسمه الحقيقي وما هي جنسيته الأصلية!

بالطبع ليس الاعتراض على أن يغيّر الإنسان جنسيته ومكان إقامته ولا اسمه وعقيدته فهذا شأنه، إنما الاعتراض على دوافع المرتزقة والمتآمرين والقتلة، الذين انخرطوا في ميادين التجسس والتضليل والحروب الإبادية التي ينظمها ويشنها قادة هذا النظام الشايلوكي العالمي، والذين احتلوا في مؤسساته من المناصب أعلاها وأدناها! إن هؤلاء يبدّلون جنسياتهم وأسماءهم وأماكن إقامتهم وحتى عقائدهم، مثلما يبدّلون ربطات أعناقهم، كي يقوموا بوظائفهم الإجرامية كمرتزقة! وجدير بالتذكير أن هذه اللعبة الفظيعة ليست جديدة ولا بريئة، فقد انطلقت على نطاق عالمي واسع منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً منذ انعقاد مؤتمر بال الصهيوني الأول عام 1897، والذي ترافق تاريخ انعقاده مع تاريخ انتقال كل من بريطانيا والولايات المتحدة إلى مرحلة الإمبريالية الصهيونية الربوية!

نعود إلى الصحفي الأميركي توماس فريدمان، الذي أصبح مرجعية ذات مصداقية في الشؤون العربية والإسلامية، والذي لا نعرف جنسيته الأصلية ولا اسمه الحقيقي، لنجده في إحدى مقالاته الأخيرة يواصل نقده الشديد لسياسة الإدارة الأميركية في العراق، داعياً بإلحاح إلى انسحاب القوات المحتلة، ومظهراً شفقته على الضحايا الأبرياء من الجنود الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم، حسب قوله، في جحيم حرب أهلية طائفية عرقية قبلية بدائية لصوصية..الخ! إن هذه الحرب، كما يشرح فريدمان، تقتصر على كائنات عراقية متصارعة تتصف جميعها بالجهل والبدائية، والخسة والغدر، والخبث المصلحي الشرير، فهي تبتز الأميركيين وتسرقهم وتقتلهم، مثلما يبتز كل فريق منها الفريق الآخر ويسرقه ويقتله! إن فريدمان، وهو يتظاهر بدهشة البراءة والطيبة، يحاول أن يوحي لقرائه أن الأميركيين الأخيار وجدوا أنفسهم وقد ورطتهم نواياهم الطيبة في غابة وحشية، فجرّبوا استصلاحها وأنسنة كائناتها المتوحشة لكنهم عجزوا عن تحقيق هذه المهمة النبيلة! ليس هذا فحسب، بل هم علقوا بين أنياب ومخالب البدائية الهمجية، وصارت القضية كلها تتلخص في إخراج الأميركيين المتحضرين الأبرياء من هذه المستنقعات والمجاهل، ومن جحيم حرب ليسوا طرفاً من أطرافها ولا مصلحة لهم فيها!

طبعاً، لسنا بحاجة إلى التوضيح أن الكائنات المتوحشة الهمجية هي تلك التي تتكون منها قوات الاحتلال، وأن هذه القوات هي التي جعلت العراق موحشاً، إنما إلى حين بالتأكيد، ولكن ينبغي الاعتراف بأن بعضنا يعتبر فريدمان مرجعية محترمة ذات مصداقية عالية! وبما أن الأمر كذلك فإن هناك من يجاريه في توصيفه وفي استنتاجاته، بل هناك من يتعاطف مع المحتلين ويساعدهم، ويتمنى لو أنهم ينجحون في استخلاص الثروات الطبيعية المهدورة في الغابة العراقية الموحشة لصالح الأمم المتحضرة الطيبة! إن هناك من يتمنى أن ينجح الأميركيون في ترويض الكائنات البدائية المتصارعة التي يتحدث عنها فريدمان، وفي تنظيم حياتها على طريق الديمقراطية، وذلك بتحقيق فرزها والفصل بينها أولاً، أي بوضع كل نوع منها في مربع من الأقفاص داخل الحديقة الفيدرالية التي سوف يتشكل منها العراق الجديد!

واضح تماماً أن فريدمان، الذي لا نعرف اسمه الحقيقي ولا جنسيته الأصلية، يتحدث عن الشعب العراقي العظيم العريق كما كان المستوطنون الأوروبيون الإستئصاليون يتحدثون عن الشعوب الأصلية في أميركا تمهيداً لإبادتها! لكن فريدمان وأمثاله وسادته تحدثوا عن العراق عشية الاحتلال بطريقة أخرى معاكسة تماماً، فقالوا أنه صورة عن ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، وكان مأخذهم على تقدمه أنه تقدم عدواني على الطريقة الألمانية واليابانية، وأنه يعجّ بالخبراء والعلماء العراقيين الناشطين بنجاح في مؤسساتهم الضخمة المنتشرة في كل مكان فوق الأرض العراقية وتحتها، وأنه على وشك إنتاج القنبلة النووية، فكيف بدّلوا خطابهم بكل بساطة بعد الاحتلال، وصاروا يتحدثون عن غابة متوحشة ومجتمع بدائي؟!

وواقع الحال أن العراق يدفع اليوم حقاً وبالدرجة الأولى ثمن تقدمه الشجاع على طريق التطور المستقل والتكافؤ مع الدول المتقدمة، وبما أن مثل هذا التوجه ممنوع تحت طائلة التدمير الشامل، لأن هناك قانون استعماري غير معلن، ومعمول به منذ مئات السنين، ينص على التطور غير المكافئ بين الأمم، ويحرّم التنمية المستقلة لأكثرية شعوب العالم، فإن الجميع يذكر التصريحات الأميركية التي انطلقت عشية الحرب متوعّدة بإعادة العراق إلى العصر الحجري! أي أن العراق كان متقدماً فقرروا إعادته إلى حالة التخلف، ولم يكن متخلفاً أرادوا مساعدته على تحقيق التقدم كما قالوا في ما بعد!

بالطبع لم يكن غريباً عليهم تبديل خطابهم إلى النقيض، فما كانوا يصفونه بالخطر النووي الحديث تحوّل بكل بساطة إلى خطر قبلي بدائي، وهم لم يجدوا صعوبة بعد الاحتلال في إطلاق قوى تحالف الخيانة والانتهازية والجهل الكامنة، التي يوجد مثلها في جميع الدول وعند جميع الأمم بلا استثناء، لتساعدهم في توصيفهم الجديد للعراق وللشعب العراقي، المتحضر المتقدم بالأمس والبدائي المتخلف اليوم، كما يحاول تصويره توماس فريدمان وأمثاله وسادته! ولا عجب في هذا، فقد حدث مثله في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فانطلقت في أرجائها عصابات تحالف الخيانة والانتهازية والجهل تعيث فساداً بدفع من الأميركيين، لكن ذلك الذي حدث في روسيا بقي مفتعلاً وسطحياً على فظاعته، واستمر إلى حين فقط، ريثما نهضت روسيا من جديد، وإن هذا هو عين ما يحدث وما سوف يحدث في العراق.

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1