هل الانسحاب أصعب من الاحتلال؟

بقلم: نصر شمالي

في أواسط الشهر الجاري عقدت في واشنطن اجتماعات على مستوى البيت الأبيض والخارجية الأميركية بين كبار المسؤولين الحكوميين وبين قيادات الحزب الجمهوري ونوابه المعارضين لسياسة الرئيس بوش. وقد تركزت جهود الإدارة على إقناع القادة والنواب الجمهوريين بتأجيل تأييدهم لمطالبة الديمقراطيين بالانسحاب من العراق والانتظار حتى أيلول/سبتمبر القادم، موعد تقديم القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق (الجنرال ديفيد بيترايوس) تقريره الشامل عن مصير الاستراتيجية الحربية الجديدة. غير أن النواب، وفي مقدمتهم تشاك هاغل وسوزان كولينز، رفضوا الدعوة الرئاسية للتريث، وقالوا أنهم يأخذون بالاعتبار إجماع أغلبية الشعب الأميركي على ضرورة البدء بخفض عدد قوات الاحتلال وتحويل مهمتها إلى حماية الحدود ومكافحة الإرهاب!

إن الظاهرة الأبرز في أوضاع الإدارة الأميركية هي فقدان الرئيس بوش لمصداقيته رسمياً وشعبياً، وقد أعلن السيناتور الديمقراطي تشارلز شومر أن الرئيس لن يتغير ما لم نلزمه بذلك! ومثل هذا الكلام، على تحفّظه، يحمل مدلولات هامة، ويتضمن معان خطيرة ليس أقلها أن الرئيس غير مؤتمن على الدستور والقوانين، بل هو غير مؤتمن على مصالح بلاده!

لقد دخل النواب الأميركيون فعلاً في عملية ضبط سلوك الرئيس، فالديمقراطيون يحاولون حشد الأصوات الكافية لنقض أي طعن (فيتو) رئاسي بمشروع الانسحاب من العراق في حال وصوله إلى البيت الأبيض، وقد كانوا في النصف الأول من الشهر الجاري بحاجة إلى 27 صوتاً كي يحققوا ذلك، وهي الأصوات التي يحاولون الحصول عليها من النواب الجمهوريين، أي من حزب الرئيس، ويبدو أنهم أحرزوا تقدماً في هذا المضمار، وكان مجلس النواب قد وافق على قرار الانسحاب الذي سيرسل إلى البيت الأبيض في حال الموافقة عليه في مجلس الشيوخ، إنما بعد ضمان الأصوات الكافية التي لا تسمح للرئيس المتمرد بالطعن فيه أصولاً!

وهكذا يبدو موضوع الانسحاب من العراق كأنما هو أمر مبتوت فيه، اللهم إلا إذا حدثت معجزة خارج كل الحسابات والتقديرات، وانقلب الموقف العسكري فجأة لصالح الاحتلال والرئيس! وجدير بالذكر أن وزارة الحرب الأميركية دخلت في تفاصيل دراسة عملية الانسحاب كخيار يبدو كأنما هو الخيار الوحيد الذي لا مفرّ منه، وفي هذا الصدد ترى الوزارة أن الانسحاب، في حال إقراره، لن يكون سريعاً ولا سهلاً من الناحية اللوجستية، فهو يحتاج إلى حوالي تسعة أشهر كما يقول أحد القادة العسكريين، وسوف يترتب عليه ترك القسم الأساسي من التجهيزات والعتاد في العراق، أما إذا كان المطلوب إعادة معظم المعدّات والتجهيزات وإغلاق القواعد فإن ذلك سيحتاج إلى نحو عامين!

إن الدليل القاطع على انتصار الشعب العراقي ومقاومته الباسلة لا يتجلى فقط في الأرض التي تميد في واشنطن تحت أقدام الفريق الحاكم، بل يتجلى أيضاً، وبصورة أكثر حدّة، في صعوبة بل خطورة عملية الانسحاب، حيث المأزق الأميركي الذي أحدثته المقاومة العراقية لا يسمح بالتسهيلات السياسية وبالمساعدات والتعويضات التي تجعله مستساغاً على مرارته! وتقول تقديرات وزارة الحرب الأميركية أنه في حال تلقي الأوامر بانسحاب القوات، التي يقدّر عددها حالياً بحوالي 160 ألفاً، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالجنود، حيث يقول وزير الحرب الأميركي أن ملايين الأطنان من المعدات ينبغي إعادتها إلى البلاد، أو نقلها إلى بلدان أخرى، عبر تركيا أو الأردن، بعد جردها وتنظيفها وتوضيبها قبل تحميلها. إنها مشكلات وعمليات لوجستية ضخمة وخطيرة لا يمكن مقارنتها يتلك العمليات اللوجستية التي تطلبها الانسحاب من المنطقة بعد حرب الخليج عام 1991، فذلك الانسحاب تحقق في ظروف سلمية وبتسهيلات إقليمية واسعة النطاق، ومع ذلك استمر ما يقارب العام! ويعتقد عدد من الخبراء الأميركيين أن العنف سيشتد عشية الانسحاب، الأمر الذي يجعل العملية أكثر صعوبة، حيث تصبح الحاجة ماسة إلى تنسيق دقيق لإجراءات التحرك على الطرق، وإلى تأمين غطاء جوي كاف! ويضيف أحد المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية أنه سيتوجب على الجيش الأميركي تعيين ما سيفعله بخصوص عشرات الآلاف من المدنيين (المرتزقة) الذين استخدمهم في العراق!

إن مئات الدبابات الأميركية من طراز أبرامز، ومئات الآليات المقاتلة من طراز برادلي وسترايكر موجودة اليوم في الميدان العراقي، ناهيكم عن آلاف المصفحات من طراز هامفي، والأعداد الكبيرة من الشاحنات الضخمة، إضافة إلى مخزونات هائلة من الذخيرة، وإضافة إلى مستودعات المواد الغذائية، وكذلك المستشفيات الثابتة والميدانية! إن هذا وغيره كثير يؤرق القادة الميدانيين الأميركيين الذين انهمكوا اليوم فعلاً في دراسته ووضع الخطط لمعالجته. وفي حال ترك معظم المعدات والتجهيزات في العراق فسوف يتوجب تعويضها عندما تعود القوات المحتلة إلى بلادها، وهو ما سيكلف أموالاً طائلة كما يقول القادة الأميركيون! وأكثر من ذلك: إن القادة الأميركيين يخشون ترك دباباتهم وآلياتهم للعراقيين حلفائهم نظراً لما تتضمنه من تقنيات حساسة لا يريدون أن يطلع غيرهم عليها حتى لو كان حليفاً! 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1