نصال الأميركيين تتكسّر على نصال الأوروبيين!

دمشق
صحيفة تشرين
سياسة
الاثنين 15 تشرين الأول 2007
بقلم: نصر شمالي
هبّ الكثيرون في جميع الأقطار العربية يعبّرون عن قلقهم العميق وغضبهم الشديد بسبب القرار الذي صدر عن الكونغرس الأميركي مؤخراً.

والذي أخذ شكل توصية بتقسيم العراق، فقد ذكّرهم هذا القرار باتفاقيات سايكس/بيكو الإنكليزية الفرنسية التي مزّقت بلاد الشام والعراق، وذكّرهم بالاتفاقيات الأميركية/ البريطانية التي لخصها وعد بلفور بإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية (1916 ـ 1917) وأظهرتهم ردود أفعالهم القلقة الغاضبة كأنهم يواجهون خطراً مميتاً لأول مرة بعد تسعين عاماً، أي كأنهم اعتادوا الترتيبات الاستعمارية القديمة وتعايشوا معها وألفوها وسلّموا بها، وأنهم يدافعون عنها ضدّ عملية تقويض وتقسيم جديدة تحدث في نطاقها! ‏

ولكن، أليس مفهوماً وبدهياً أن من لا يتصدّى عملياً وميدانياً للترتيبات الاستعمارية الصهيونية القديمة لا يحق له الاحتجاج والاعتراض على الترتيبات الجديدة، وأنه إذا فعل ذلك فإن فعله لا قيمة له ولا جدوى منه؟ ألا ينطبق على القرار الأميركي الذي صدر مؤخراً وصف النصال اللاحقة وهي تتكسّر على النصال السابقة، كما أوجز ببلاغة شاعرنا العربي؟ وإذا كنا قد تحملنا طعنات السهام السابقة، واعتدناها وتعايشنا معها وألفناها، فلماذا لا نتحمل السهام الجديدة ولماذا نشكو منها؟! ‏

إن مجرد صرخات الهلع والغضب، تطلقها الضحية في مواجهة خطر مميت، هو في حد ذاته حدث يستحق الاهتمام والعطف، لأنها ردّة الفعل المفهومة للحياة ضدّ الفناء، لكن الأهم هو أنها تستدعي المبادرة لتطويرها وعقلنتها كي تصبح مجدية ميدانياً، ومثل هذه المبادرة تصطدم بتحالف الخيانة والانتهازية والجهل الذي لن يتعاطف معها، بل سيصنّفها في خانة «القومجية» الغوغائية، وسيصنف خطاباتها في خانة اللغة «الخشبية» الميتة، بل سيجد عذراً للكونغرس الأميركي في قراره الداعي إلى تقسيم العراق، الذي هو تأكيد أميركي حضاري نبيل على حق الطوائف الإثنية والدينية والمذهبية، والطوائف السياسية أيضاً، في تقرير مصيرها! وعندما نقول بوجود «طوائف سياسية» فإننا نعني أولئك الذين يدّعون العلمانية والليبرالية ويحتلون مواقعهم اليوم في الحياة العامة كطوائف حديثة مغلقة! وإنها بالفعل طوائف سياسية حديثة مغلقة تضاف إلى الطوائف الإثنية والدينية القديمة المغلقة وتتكامل معها! فهذه الطوائف السياسية الجديدة (العلمانية والليبرالية) تتناقض ظاهرياً فقط مع الطوائف الدينية والإثنية القديمة، بينما هي في الواقع تستمد وجودها منها! وإن هذا الذي يفعله العلمانيون والليبراليون الجدد يتناقض جذرياً، بالطبع، مع التوجهات التاريخية الأساسية للعلمانية والليبرالية! ‏

على أية حال، إن قرار الكونغرس الأميركي تقسيم العراق يأتي بعد تسعين عاماً مضت على إجراء تلك العمليات الجراحية الإجرامية التي أخضع لها جسم أمتنا عنوة، والتي استخدمت مبضع الجرّاح فقط، للبتر والتقطيع والتفريق، واستبعدت نهائياً أدوات الوصل والتجميع والتوفيق، فلم تكن هذه الدويلات المصنوعة من الأشلاء، وغير القابلة للحياة إلا كسجون، وقد عاشت في هذه الدويلات/ السجون أجيال شهدت تصنيعها في عقودها الأولى، وها نحن اليوم وقد بلغ التسعين من عمره كل من ولد عام 1917 ولا يزال حياً! فإذا كان ثمة عذر، أو تفسير، لمواقف الطوائف السياسية الجديدة فهو أنها ولدت داخل الدويلات/ السجون فاعتادتها وألفتها، وصار السجان مثلها الأعلى وقدوتها الحسنة، فإذا حلمت بالاستقلال والحرية فإن حلمها لا يتعدّى الاستقلال بزنزاناتها داخل السجن، أي تجزئة السجن! بل هي صارت تتهم من يصرّ على تقويض السجون ونيل الحرية الحقيقية بأنه قومجي وخشبي! وهكذا لابدّ من الإقرار بأن الشيطان الذي صنع الدويلات/ السجون قد نجح في جعل بعض السجناء يتمسكون بسجنهم ويقومون بمحاولة ضبط إخوانهم غير الواقعيين، الذين يحاولون التمرّد عبر الفوضى والإرهاب! ‏

لقد اعتمد العدو على الزمن وعلى قوة العادة والألفة لتدجين أمتنا، ولإنتاج أنصار للتجزئة من بين الضحايا أنفسهم، وبالفعل صار البعض يتمسك اليوم بترتيبات العدو تمسكه بحياته، بل هو لم يعد يمانع في تجزئة الأجزاء، أي في أن يصبح قطاع غزة، أو الضفة، أو جبل لبنان، أو الأعظمية، أو الكاظمية..الخ، مشروع دولة يستحق تحقيقه القتال الداخلي! غير أن الأكثرية الساحقة من الأمة، رغم أهوال التسعين عاماً الطويلة الماضية، هي اليوم أشدّ تمسكاً بإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وإنها لعلى صواب في موقفها، حيث الأوضاع على جبهة العدو لم تعد كما كانت في الماضي، وهي تعاني اليوم مثلما نعاني بل أكثر، ويكفي أن نذكّر بأن عقد اتفاقية سايكس/بيكو وصدور وعد بلفور (1916 ـ 1917) قد تحققا في ذروة انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. أما قرار الكونغرس الأميركي بتقسيم العراق (في هذا العام2007) فقد صدر في حضيض الهزائم التي يتعرض لها الأميركيون وحلفاؤهم وقاعدتهم الصهيونية، في العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان وغيرها! وإن الفارق لابدّ من أن يكون حاسماً بين قرار اتخذ في ذروة انتصار عالمي وقرار اتخذ في حضيض الهزائم العالمية! بين قرار اتخذ في بدايات مرحلة الصعود والنمو والانتشار، وقرار اتخذ في بدايات مرحلة الانحدار والضمور والانكفاء! ‏

قبل تسعين عاماً قرّر العدو المستعمر أن يجعل بلادنا ركناً أساسياً من أركان نظامه الربوي الصهيوني العالمي، أما اليوم فإن هذا الركن يتعرض للتقويض بفضل المقاومة الناهضة التي أصبح إيقافها وإلحاق الهزيمة الحاسمة بها شبه مستحيل، فإذا ما تقوّض هذا الركن فإن العلاقات الدولية الظالمة الفاسدة تصبح بمجملها عرضة للتقويض، وبناء على ذلك نستطيع القول أن القرار الأميركي تقسيم العراق يبدو كأنما لا قيمة إضافية له، وأنه يمكن أن يكون مجرّد حبر على ورق! ‏

Hosted by www.Geocities.ws

1