من وراء فكرة ثنائية العالم؟
من غرائب هذا الزمن أننا أين توجهنا نصطدم بفكرة "الثنائية العالمية" العجيبة، ففي جميع البلدان هناك كثيرون يتحدثون من مواقعهم المؤثرة، السياسية والأدبية، عن وجود عالمين: شرقي وغربي، إسلامي ومسيحي، اشتراكي ورأسمالي، استبدادي وديمقراطي . .الخ! وإنها لغريبة حقاً فكرة هذه الثنائية العالمية التي يواظبون على اعتمادها في تناولهم لجميع مسائل التاريخ عبر جميع العصور، حيث فكرة الثنائية حديثة ظهرت في هذا العصر الأوروبي الأميركي، أي خلال القرون الخمسة الأخيرة، أما قبل ذلك، عندما لم تكن قارات قد اكتشفت بعد، وعندما لم تكن أمم ودول قد تبلورت وتأسست بعد بينما هي اليوم في ذروة حضورها وجبروتها، فإن الأرض كانت أرض الله، والخلق كلهم عيال الله أحبهم إليه أنفعهم لعياله!
كمثال على ذلك، لنلاحظ أن الإسكندر يدخل في صميم النسيج التراثي العربي الإسلامي، فيرد ذكره في كتب العرب والمسلمين ولكن من دون الإشارة إلى اصله وفصله، كأنما هو ظهر في القدس أو دمشق أو مكة، فلا إبراز لأية صفة له عرقية أو مذهبية أو جغرافية، لكن قادة هذا العصر الأوروبي الأميركي، وتلامذتهم النجباء في جميع القارات، أطالوا في الحديث والشرح عن ذلك الصراع المفتوح بين عالم غربي وعالم شرقي، وهو الصراع الذي بدأ كما يقولون بالإسكندر (كقائد أوروبي!) وربما قبله ومازال مستمراً، وسوف يبقى مستمراً! أي أنه صراع أزلي من الصعب تحديد بداياته، ومن شبه المستحيل تحديد نهاياته!
يقول المفكر العربي المصري أنور عبد الملك :"كانت وجهة الغرب الحضارية وحروبه وغزواته وكانت أهدافه السياسية والدينية والأيديولوجية و والاقتصادية كلها تهدف إلى أمر واحد هو تحطيم جميع المحاولات الهادفة إلى إنشاء دولة عربية في قلب الحضارة الإسلامية، وذلك كي تستطيع أوروبا أن تسود وتهيمن بالسلاح والفكر"!
إنه قول صحيح تماماً لمفكرنا الجليل، إنما منذ نهايات القرن الخامس عشر وبدايات السادس عشر، أي منذ نهايات العصر العربي الإسلامي وبدايات العصر الأوروبي الأميركي، وهو الانتقال الذي يمكن تحديده بالوقائع وبدقة: بسقوط غرناطة واكتشاف أميركا عام 1492، وباكتشاف رأس الرجاء الصالح والاندفاع باتجاه الخليج العربي فالهند وشرقي آسيا عام 1497، ثم بحسم مسألة كروية الأرض عملياً ما بين العامين 1518-1521، فهي ثلاثون عاماً حاسمة بين عصرين: ما قبلها وقع في نطاق العصر العربي الإسلامي سواء أكان الحدث سليباً أم إيجابياً، وما بعدها وقع في نطاق العصر الأوروبي الأميركي الذي صار سائداً، أيضاً سواء أكان الحدث سلبياً أم إيجابياً!
لكننا نسمع اليوم طوال الوقت من يعتبر الحملات ضد بلادنا، التي تلت الأعوام الثلاثين المذكورة، استمراراً للحروب الفرنجية (الصليبية) وهؤلاء يغفلون وقوع الحدث العظيم، وهو الانتقال التاريخي من عصر إلى عصر ومن سيادة إلى سيادة، وبالتالي يفرضون قسراً على جميع الحملات وحدة لا أساس لها، فيجعلونه سلسلة من الحملات المتصلة بينما هي ليست كذلك!
لقد كانت تلك الحملات الفرنجية، التي وقعت خلال النصف الأول من الألف الميلادية الثانية، من شاكلة الحروب المغولية والتتارية، وكان يمكن لها أن لا تتعدى حدود العواصف الرهيبة العابرة، لكنها تميزت بتطاولها ومن ثم بما ترتب على ذلك التطاول من تفاعلات بينها وبين المدنية العربية الإسلامية، وبالتالي بتأسيسها للعصر التالي وللسيادة العالمية التالية الأوروبية الأميركية، فلو أنها بقيت في حدود بداياتها لكانت بقيت من حروب العصر العربي، مثلما حروب اليابان وألمانيا وإيطاليا ضد الحلفاء لا تخرج عن نطاق العصر الأوروبي الأميركي وتعتبر من حروبه الداخلية وإن هي هاجمت مراكزه!
بالمقابل، فإن الدولة العثمانية، في القرن السادس عشر، لم تعد تشكل استمراراً للعصر العربي الإسلامي الذي مضى وانقضى بزوال سيادة علاقاته العالمية، بل صارت عهداً من عهوده المتطاولة في الزمان والمكان عبر العصر التالي الأوروبي الأميركي، أي أنها صارت عهداً عربياً إسلامياً يحتويه العصر الأوروبي الأميركي الجديد السائد عالمياً، فهو عصر محسوب على العصر الجديد السائد بغض النظر عن مواقفه سلباً أو إيجاباً من هذا العصر الجديد! ولكن لو أن العثمانيين نجحوا في الحيلولة دون سقوط غرناطة، ودون الالتفاف حول أفريقيا والاستيلاء على طرق التجارة الدولية، لو أنهم نجحوا في الحفاظ على العواصم العربية والإسلامية كعواصم عالمية معمول بقوانينها وأعرافها دولياً، إذن لكانوا استمراراً لعصر عربي إسلامي مستمر، غير أن ذلك لم يحدث!
في تلك اللحظة التاريخية الانتقالية الحاسمة كانت الجيوش العثمانية تتوغل عبر شرقي أوروبا ووسطها، محرزة الانتصار تلو الانتصار، بينما مصير العالم يتقرر في أماكن أخرى! فماذا كان يوجد في أوروبا تلك مما له قيمة استراتيجية عالمية؟ ما فائدة تلك الانتصارات في تلك الأطراف على صعيد مصير النظام العالمي الذي كانت أركانه تتوطد في أماكن أخرى وبقيادات أخرى وحيث يجب أن تتوطد فعلاً؟ إن حوض المحيط الهندي هو العمق الاستراتيجي التاريخي، البشري والثقافي والمادي، الذي لا تقوم لأي نظام عالمي قائمة من دونه، وهذا ما نراه الآن أكثر من أي وقت مضى، وهذا ما يجعل من فكرة "الثنائية العالمية" فكرة غريبة تستدعي الريبة، لأنها تخدم فقط أوساط الاحتكارات المتربعة على قمة هذا النظام العالمي، والتي لها مصلحة مصيرية في إثارة نزعات التعصب والتمييز.