من برنامج فينكس إلى فرق الموت!
بقلم: نصر شمالي
لم يحدث قط أن تجمع في دولة واحدة مثل هذا العدد الهائل من المرتزقة الذين تجمعوا في العراق، فقد فاق عددهم منذ مطلع عام 2004 العشرين ألفاً من الذين يحملون صفة رجال أمن تابعين لشركات أميركية خاصة تعدّ المرتزقة وتؤجّرهم لإنجاز المهمات القذرة، وبالإضافة إلى تزايد أعدادهم حتى اليوم، ألحقت بهم تشكيلات محلية حملت اسم فرق الموت، وهي التشكيلات التي تتميز عن المرتزقة الأجانب بأنها تعرف إلى أين تتوجه ومن تضرب، إنما بحماية قوات الاحتلال التي تغطي توجهاتها وتضمن تحركاتها، فتحول العراق بذلك حقاً إلى غابة تجوبها الوحوش الهادفة إلى استئصال المقاومة الوطنية، وإرهاب الشعب العراقي وإرغامه على الخضوع للمحتلين!
المرتزقة الأجانب وفرق الموت!
ما ينبغي أن يكون واضحاً تماماً هو أن تدمير العراق بجميع مكوناته، وفي المقدمة بنيته البشرية، كان قراراً أميركياً أصدرته إدارة الرئيس بوش في الشهر الأخير من عام 2003، وبدأ العمل بموجبه في الشهر الأول من عام 2004، وذلك نتيجة تعثّر قوات الاحتلال النظامية وعجزها عن تحقيق الأهداف الموكلة إليها، فكان اللجوء إلى الوحدات الأميركية السرية الخاصة، وإلى المرتزقة المأجورين، وإلى العملاء والعصابات المحلية، وعلى أيدي هذه التشكيلات المحمية من حكومة الولايات المتحدة وقواتها النظامية وصل العراق اليوم إلى ما وصل إليه، وإنه لأمر روّع الكثيرين في العالم أن يجري إعدام الرئيس صدام حسين بالكيفية التي أعدم بها في ظل هكذا ظروف يعيشها العراق، بغض النظر عن أية تفاصيل تتعلق بالماضي، فهذا الحدث جاء في سياق هلاك مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء الذين تبيدهم عناصر فرق الموت والمرتزقة الأجانب، وهي تذكرنا بما شهدته فيتنام ما بين العامين 1968 – 1972!
إشعال الحرب الأهلية عنوة!
لقد بدأت ظاهرة المرتزقة الذين تجنّدهم شركات خاصة قبل أكثر من نصف قرن، فقد أرسلوا إلى الكونغو لإسقاط حكومة لومومبا الوطنية، فاغتالوا الرئيس لومومبا وسلّموا الحكم لعملاء الشركات الاحتكارية، وحدث الأمر نفسه في أنغولا، وفي موزامبيق، ومؤخراً في جزر القمر، وفي غينيا الاستوائية، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، ومع انتشار القوات الأميركية في منطقة الخليج وآسيا الوسطى والبلقان، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتشر المرتزقة التابعون لشركات أمنية أميركية خاصة في جميع هذه المناطق لتحقيق هدف رئيس هو إخضاع الشعوب للأميركيين وحلفائهم حتى لو اقتضى الأمر إشعال الحروب الأهلية عنوة على أوسع نطاق! غير أن العراق بلغ الذروة في هذا الاتجاه، فلا مجال للمقارنة بين عدد المرتزقة في أفغانستان، حيث يتولون حراسة الرئيس كرازاي، وبين عددهم في العراق، حيث الآمال والمشاريع الأميركية التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي رصدت لها عشرات المليارات من الدولارات!
أهمية وجود عصابات المرتزقة!
لقد ذكرت الأنباء الصحفية منذ عام 2004 أن المرتزقة من الأميركيين ومن جنسيات أخرى يجوبون العراق مثل أبطال السينما في هوليوود، فهم يستخدمون طائرات الهيلكوبتر المسلحة، ويديرون عملياتهم بالكومبيوتر، وترشدهم في تحركاتهم الأقمار الفضائية، ومنذ ذلك التاريخ كان واضحاً أن القوات الأميركية سوف تزيد من اعتمادها على قوات المرتزقة، فقد أعلن بريمر حاكم العراق الأسبق أنه جرى اعتماد مائة مليون دولار لإبرام عقود مع شركات الأمن الأميركية الخاصة، فقط لحماية ما يسمى بالمنطقة الخضراء في بغداد! وكان واضحاً الاتجاه باستمرار نحو المزيد من الاعتماد على المرتزقة كلما تحققت خطوة على طريق تسليم السيادة للعراقيين المتعاونين، حيث وجود المرتزقة سوف يساعد القوات الأميركية النظامية على عدم الظهور في الشوارع، الأمر الذي يقنع العراقيين أن السيادة تحوّلت فعلاً إليهم، فيعفيهم ذلك من التعرض للهجمات العسكرية واللوم السياسي، أما المرتزقة الأجانب فيواصلون مهمات قوات الاحتلال متخفّين وراء فرق الموت المحلية!
الدفع نحو تقسيم العراق!
لقد قامت نظرية الرئيس بوش، بصدد الحرب الاستباقية الوقائية، على دعامتين: الأولى إرسال قوات نظامية تابعة لوزارة الدفاع الأميركية، والثانية إرسال قوات سرية، هي خليط من المارينز والمخابرات والمرتزقة الذين تعدّهم الشركات الخاصة، فإذا تعثّرت القوات النظامية، أو جوبهت برفض دولي، وبرفض شعبي أميركي، جرى الاعتماد على فرق المرتزقة الأجنبية وخاصة الأميركية، وعلى فرق الموت المحلية، على أن يموّه ذلك بغطاء حكومي رسمي عراقي!
يقول الخبير في المعهد القومي الفرنسي بيار جون لويزار أنه منذ بداية ترتيب الوضع السياسي الجديد في العراق من قبل الأميركيين بدا واضحاً أنهم يدفعون في اتجاه الحرب الأهلية، فجميع مساعيهم، بما فيها المعايير التي تم وفقها تنصيب مجلس الحكم الانتقالي، تمت وفقاً لمرجعيات واعتبارات طائفية وعرقية، فالأمور لم تتجه نحو التحرير الديمقراطي بل نحو اللبننة، وكان هذا فخاً قاتلاً بصدد مستقبل العراق، فقد أراد الأميركيون من كل طائفة أو فئة أن تفاوضهم كمحتلين لتدعيم نفوذها ومصالحها على حساب الفئات العراقية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى غياب الحوار الوطني، ولذلك فإن البلاد تتجه نحو الحرب الأهلية كلما اقترب الموعد المحدّد لإنهاء الاحتلال، بل إن الأمور ستتجه بشكل سريع، حال انسحاب قوات الاحتلال، نحو تقسيم العراق وتفتيته!
هكذا تتضح لنا نوايا الأميركيين خلف مجمل عملياتهم، ومنها إعدام الرئيس صدام حسين، فليس لنا عندهم غير الدمار والعبودية، لكن الميدان، الذي لم يقل كلمته الأخيرة بعد، لا يقطع بأن نواياهم قابلة للتحقق.
www.snurl.com/375h