مكابرة إمبراطورية مأزومة وعاجزة!

بقلم: نصر شمالي

عشية انعقاد قمة الدول الصناعية الثمان، وفي أول محطة أوروبية توقف فيها، وهي تشيكيا التي فتحت له حكومتها الأبواب على مصاريعها لإقامة جداره الصاروخي، ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش خطاباً لا مثيل له من حيث لا منطقيته المجافية تماماً للواقع ومن حيث مكابرته وغطرسته! لقد تحدّث كرسول للحرية والديمقراطية، والشفقة والرحمة، وهو الوالغ في دماء الشعوب وفي تدمير مدنها على مدار الساعة، فأعلن رعايته المادية والمعنوية لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وراح يصنف كل نظام حاكم يعارض سياسته بأنه غير ديمقراطي، بل كل نظام يعجز عن تلبية احتياجات سياسته حتى وإن كان حليفاً تاريخياً! وقد شمل التصنيف دولاً ديمقراطيتها متقدمة على ديمقراطيته الأميركية الملفقة إلى حد بعيد، فوضعها على لائحة الأنظمة المستبّدة المارقة، بينما وضع أنظمة مستبّدة على لائحة الديمقراطيات بتجاهله ذكرها على الأقل! لقد كان الخطاب مثالاً فريداً عن الاستهتار والاستخفاف المتغطرس، الذي يقلب المعاني ويتجاهل الوقائع، ويجعل الذئب حملاً والحمل ذئباً، من دون أن يرفّ له جفن!

سياسة إنهاك الأعداء والأصدقاء!

إن رأس الإمبراطورية الأميركية الباغية، ورأس البلاء الأممي، يخاطب الشعوب كأنما هو مطمئن إلى أنها صماء بكماء عمياء! كأنما هذه الشعوب التي اضمحل خطاب قادتها، والتي توشك أن تنجز خطابها الجديد المفحم، لا تعرف تاريخ الولايات المتحدة وتاريخ العالم الذي يكتوي بنيرانها، على الأقل منذ تحوّلت إلى إمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر، فمنذ ذلك التاريخ، وفي سعيها لاحتلال المركز الأول في النظام العالمي، اتبعت الإدارات الأميركية المتعاقبة سياسة توازن القوى بصدد حلفائها وأندادها، فهي معادية لبريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر ومتحالفة معها في ما بعد ضدّ ألمانيا وروسيا! وهي في العام 1904 تشجع اليابان العدوّة وتساعدها في إعادة احتلال كوريا! وهي في الحربين العالميتين الأولى والثانية تمدّيد العون لكلا الفريقين المتحاربين، حيث استراتيجيتها تقتضي إنهاكهما جميعاً، ومن ثم رفع من تشاء إلى حدّ معين تقدّره هي! أما عن تعاملها مع شعوب المستعمرات المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تضم أكثرية سكان العالم، فقد قال أوين لاتيمور في كتابه " أميركا وآسيا" مايلي: " لقد انغمسنا نحن الأميركيون بعمق مماثل لما وصل إليه البريطانيون في نظام اقتصادي عالمي يستخدم العمل الرخيص في المستعمرات لاستخراج المواد الخام الرخيصة التي يجري تحويلها إلى سلع يعاد تصديرها إلى المستعمرات لتباع تحت حماية نظام التعرفة الاستعماري... الخ"!

قروض التنمية لعبة استعمارية!

لقد ساعدت واشنطن، بعد الحرب العالمية الثانية على شيوع الوهم القائل بإمكانية ردم الهوة بين الدول الاستعمارية المتقدمة والمستعمرات السابقة المتخلفة بعون من واشنطن، ولم يدرك الكثيرون طبيعة النظام الدولي الأميركي الجديد، الذي يعتمد سياسة الإقراض من أجل التنمية، وأن قروض التنمية تأتي في مقدمة علاقات الاستعمار الحديث، حيث تحقق أرباحاً طائلة مزدوجة: تحصيل خدمة القروض أو فوائدها، ثم اقتطاع الأرباح الفاحشة من بيع المعدّات اللازمة لإنجاز مشاريع التنمية! وبينما تشكل فوائد القروض دخلاً جارياً متعاظماً باستمرار يشكل بيع الآلات وقطع التبديل والمواد الخام وتجديد المكنات وتطويرها باستمرار وأجور الدراسات والاستشارات والخدمات الفنية دخلاً آخر عظيماً جارياً للمستعمرين الجدد! أما حجم القروض الأساسية فيبقى غالباً على ما هو عليه، بل كثيراً ما يتضاعف، وفي النتيجة يصبح البلد المدين في حال أسوأ وأفظع من حاله أيام الاحتلال الاستعماري المباشر!

معظم القرض يذهب للعملاء!

إن النظام الدولي، الذي صاغته الولايات المتحدة وفرضته على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، هو نظام المصارف والقروض والفوائد، أي أنه نظام ربوي رهيب يفتك بالقيم الوطنية والإنسانية المادية والمعنوية، فالقروض لا تصرف بكاملها على مشاريع التنمية التي أعدّت متطابقة مع حجم القروض، بل يذهب معظمها لدعم حكومات البلد المقترض، ولتقوية أجهزتها المدنية والعسكرية لصالح الدائن المرابي، أي أن الأوساط الوكيلة الخائنة لشعبها تستأثر بأجزاء كبيرة من القروض، الأمر الذي يستدعي الحصول على المزيد منها، ويؤدي إلى مزيد من الالتزام بخدمتها، فعلى سبيل المثال تجاوزت ديون المكسيك والبرازيل في العام 1980 المئة وخمسين مليار دولار، أما فوائدها فقد تجاوزت الستة عشر ملياراً! وهكذا فإن البلد الذي يعتمد على القروض في تنمية اقتصاده ينمّي في الواقع قطاعاً ملائماً لعمليات النهب الاستعمارية، وينمي لصالح المستعمرين أنشوطة يصطادون بها بقية أجزاء اقتصاده!

من هي الدول المارقة؟

الخلاصة: إن الدول المارقة، التي أعلن الرئيس بوش حربه عليها من براغ، هي تلك الدول التي تحاول الفكاك من شبكته الربوية الفظيعة، سواء أكانت ديمقراطية أم غير ديمقراطية، وكذلك هي الدول التي تعجز عن المساهمة في حماية شبكته حتى وإن كانت حليفة له، وقد رأينا كيف أن تململ الأمم دفع الأميركيين للعودة إلى أسلوب الاستعمار العسكري المباشر، وإلى عدم التردّد في قتل مئات الألوف وتدمير عشرات المدن في الدول المستضعفة، وهذا التحول يشير بوضوح إلى عمق أزمة هذا النظام الربوي الدولي، غير أن الرئيس بوش لا يتورع عن القول بأنه يقاتل من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان! إنها المكابرة، لكنها مكابرة المأزوم العاجز عن الخروج من أزمته.

www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1