معاداة السامية ومعاداة الديمقراطية!
الجدار الصاروخي الأميركي الذي سيقام في أوروبا الشرقية وظيفته حماية الأمم الحرّة من هجوم صاروخي تشنه إحدى الدول المارقة (إيران أو كوريا الشمالية!) وانزعاج روسيا مستغرب، ولا مبّرر له، وهي تستطيع إرسال ضباطها وعلمائها للاضطلاع على مشروع الجدار الصاروخي الأميركي، وتستطيع المساهمة في بنائه إن رغبت! هذه خلاصة ما قاله الرئيس جورج بوش في براغ (5/6/2007) عشية حضوره مؤتمر قمة الدول الصناعية الثمان، ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فكأنما هو يقول أن المستوطنات الإسرائيلية هي لحماية الأمم الحرّة، ولا مبّرر لغضب الفلسطينيين، فهم يستطيعون المشاركة في بنائها إن رغبوا! أو كأنما هو يقول أن احتلال العراق وإقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضيه يستدعي بدوره سرور العراقيين ومشاركتهم في تثبيت أقدام الاحتلال وبناء القواعد!
حقاً إن وقاحة الأميركيين لا سابق لها في تاريخ الإمبراطوريات الإمبريالية والدول الاستعمارية، خاصة عندما تبلغ حدّاً من الفجاجة والفظاظة واللامعقول يقرن موافقة أو عدم موافقة الآخرين على مشاريعها العدوانية بقضية الديمقراطية، فالروس أصبحوا على الفور منحرفين عن طريق الديمقراطية لأنهم اعترضوا على إقامة الجدار الصاروخي الأميركي، وكذلك الصين التي اعترضت بدورها، وبالطبع فإن العرب سوف يصنّفون غير ديمقراطيين إلى أن يوافقوا على ابتلاع الإسرائيليين لفلسطين بكاملها ويشاركون في بناء المستوطنات اليهودية، ويوافقون على احتلال العراق وتقسيمه ويشاركون في بناء القواعد العسكرية الأميركية!
* * *
غير أن هذا الذي نراه ونسمعه اليوم من الأميركيين ليس جديداً، وإن كان تحالف الخيانة والانتهازية والجهل في بلادنا يعتبره طارئاً ويبرّره، ففي خريف عام 1994، وأثناء وجوده في منطقة الخليج العربي، أعلن وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر ما يلي:" إن مطالبنا (من العرب) هي تسهيلات عسكرية لقواتنا سريعة الانتشار، ذات الكفاءة العالية والتقنية المتقدمة"! وفي اجتماع للجنة التعاون المشترك بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي عقد في أرلنجتون/ فرجينيا أعلن روبرت برتلو، مساعد وزير الخارجية: "إن أهداف الولايات المتحدة في الخليج متعدّدة، فهناك الأهمية المتزايدة للشراكة الاقتصادية مع دول الخليج، وهناك المصالح القوية للشركات الأميركية التي تتولى إقامة الصناعات والبنية الأساسية، إضافة إلى أنه لابد من حماية الأصدقاء وحماية المصالح الحيوية، والتأكيد على أن الولايات المتحدة مستعدّة للتصرف بحزم عند اللزوم"!
وفي السياق نفسه صرّح حينئذ (عام 1994) مستشار سابق للرئيس الأسبق ريغان بما يلي:" إن منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الخليج، هي من المناطق التي يطلق عليها وصف "منطقة مفتاح"! أي أنها أساسية في السياسة الخارجية الأميركية لأسباب لا تخفى على أحد، لذا فإن واشنطن على استعداد لتوجيه الضربات ولخلع أي نظام يقف في وجه مصالحها"!
* * *
لقد نجت دول التعاون الخليجي من تهمة معاداة الديمقراطية بفضل عدم ارتكابها الخطأ الروسي والصيني والفلسطيني والعراقي! وقد كتبت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية الفصلية المتخصصة (عام 1994) تقول:" إن القوات الأميركية متواجدة في جميع أنحاء العالم لحماية السلام"! وأكدت وثائق أميركية في تلك الفترة، في عهد الرئيس بيل كلينتون، أن واشنطن أبلغت دول الخليج العربي عن عملية نشر قوات برية وجوية وبحرية في الخليج قوامها ثلاث فرق عسكرية وخمسة عشر سرباً مقاتلاً وحاملة طائرات، وأن على دول الخليج القيام بتمويلها! وبالفعل أكّدت الأنباء حينئذ أن واشنطن نجحت في تشكيل صندوق لتمويل هذا الوجود العسكري الأميركي الإضافي، الذي قدّرت تكاليفه بعشرة مليارات دولار!
* * *
هكذا نجت دول الخليج من تهمة معاداة الديمقراطية التي أصبحت موازية لتهمة معاداة السامية! فعندما تنتقد جهة ما الإسرائيليين واستيطانهم وجرائمهم تتهم على الفور بمعاداة السامية ولا يشفع لها شفيع، وكذلك الأمر عندما تنتقد جهة ما الأميركيين وقواعدهم العسكرية وجرائمهم! فكان على الروس والصينيين، ومن قبلهم ومعهم العراقيين والفلسطينيين، تجنب هذه التهمة القاتلة، لكنهم لم يفعلوا، فما الذي سوف يحدث؟ سوف نرى قريباً ما الذي سوف يحدث، لكننا نجزم مسبقاً أنه لن يكون ما أرادته واشنطن في تسعينات القرن الماضي، وفي جميع العقود السابقة لتلك التسعينات، فقد تغيرت الظروف والشروط كثيراً جداً، وما يردّده الأميركيون اليوم من أقوال مكرورة لم يعد يعكس الواقع، بل يعكس التعثر والتخبط والضياع!
www.snurl.com/375h