مصابنا كبير بتلك الأوساط المشوّهة!
لحسن الحظ، قدّر لنا أن لا تنتهي حياتنا بالموت كمداً، وأن نعيش حتى نرى بأم أعيننا جبهاتنا المقاومة المقاتلة تجترح ما يشبه المعجزات في عدد من الأقطار، فتصمد أمام جبروت أعظم وأفظع إمبريالية عرفها التاريخ البشري، وتلحق بها الهزائم والخسائر الفادحة، وترغمها على التقهقر والانكفاء، معتمدة على قواها الذاتية المعنوية والمادية، فلا خطوط إمداد رسمية عربية أو أجنبية، ولا جيوش صديقة نظامية ثقيلة، وإنما إنساننا الاستشهادي المسلح بأبسط الأسلحة وقد جعلها بإيمانه مكافئة بل متفوقة على أعقد أسلحة العدو وأعظمها فتكاً وتدميراً!
ولحسن الحظ أيضاً فإننا، نحن الذين نعيش آخر مراحل عمرنا، نستطيع الآن القول بثقة أن جهودنا على مدى عشرات السنين لم تضع هباءً، بل أسست لهذا التطور النوعي التاريخي في الأداء الميداني المقاوم، فهذا الأداء لم يظهر من فراغ بل هو محصلة نضال الأجيال المتوالية على مدى قرن مضى بجميع تشكيلاتها وألوانها الوطنية والقومية والإسلامية. وهاهم القادة الأميركيون في واشنطن وقد انهمكوا جميعهم اليوم في معالجة مسألة واحدة محددة هي: تأمين انسحاب القوات الأميركية من العراق بأقل الخسائر! وهاهو المفكر الأميركي بول كينيدي يكتب على ضوء نيران المعارك في العراق حول: دخول الإمبراطورية الأميركية مرحلة الأفول! لم يقل أنها ستدخل بل قال أنها دخلت وانتهى الأمر، أي أنها دخلت مرحلة الأفول عبر بوابة بغداد المنصور الخالدة!
إن بول كينيدي يخيّر الإمبراطورية الباغية بين انهيار سريع كارثي مجلجل، تتسبب به حماقات قادتها من أمثال بوش وتشيني، وبين أفول تراجعي هادئ ومنتظم، على الطريقة الإسبانية الإمبراطورية في القرن السابع عشر، أفول يتوالى لعشرات السنين، فيحفظ للولايات المتحدة كرامتها ومستوى لائقاً في حياتها!
***
ولكن، بينما تميد الأرض تحت أقدام حكام الولايات المتحدة، مع أن النظام الرسمي الدولي متواطئ معهم بكامله تقريباً ومعه النظام الرسمي العربي في معظمه أيضاً، وبينما بول كينيدي وأمثاله يقدمون تحليلاتهم التاريخية الموضوعية حول دخول الإمبراطورية الأميركية مرحلة الأفول، تتبارى شرائح من أوساطنا السياسية والثقافية في إعلان انحيازها للإمبراطورية الباغية الآفلة، فهي تعمم صفة الإرهاب التي ابتدعها الأميركيون على المقاومة العربية والإسلامية جميعها، المسلحة وغير المسلحة، لتشمل كل من لا يظهر انحيازه علناً للأميركيين!
إن القادة الأميركيين في واشنطن يتناقشون اليوم بقلق شديد حول مصير قواتهم وعتادهم وأعوانهم في العراق، فقد غدا الخروج من الميدان العراقي أصعب من دخوله، أما تلك الشرائح من أوساطنا السياسية والثقافية، التي لا يستهان بخطرها، فإنها منهمكة اليوم في مناقشات لئيمة مذعورة حول تركيبة المقاومة العربية والإسلامية، وحول خطابها ومستقبلها، ولا تتورع هذه الشرائح المشوّهة عن القول في مجالسها الخاصة أنها لا تريد استرداد فلسطين إذا كانت حركة حماس من سيستردها! ولا تريد استقلال وسيادة لبنان إذا كان حزب الله هو الذي سيحقق ذلك! ولا تريد تحرير العراق إذا كان حزب البعث من سيحرره! بل هي لا تتورع عن القول، وقد سمعت ذلك مباشرة ومواجهة، أنها تختار طراز الحياة الأميركي والإسرائيلي إذا ما خيّرت بينه وبين طراز الحياة العربي الإسلامي! إنها منحازة مسبقاًَ للأول لأنها تعيشه فعلاً في أدقّ تفاصيل حياتها اليومية، أما الثاني فسوف تحاربه بلا هوادة وبجميع الأسلحة!
***
إن مصابنا كبير حقاً بأوساطنا السياسية والثقافية هذه، فهذه الأوساط قد تساعد في إطالة أمد عذابات الأمة وتزيد في حجم تضحياتها البشرية والمادية. إن هذه الأوساط تحاول مستميتة إعاقة وتأخير لحظة إجماع الأمة ذهنياً وميدانياً على موقف مشترك، حيث مثل هذا الإجماع التاريخي النادر هو النصر الحاسم بعينه، فبتحققه تختصر أزمنة العذاب وأحجام التضحيات، أما النصر النهائي الحاسم فيصبح مؤكداً ومحققاً عندما يتوفر هذا الإجماع الذهني والميداني النادر في التاريخ.
لقد ظهرت هذه الشرائح السياسية والثقافية المشوهة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومع بدايات صعود المحافظين الأميركيين الصهاينة الجدد في أواسط التسعينات الماضية. لقد ولدت من رحم تحالف الخيانة والانتهازية والجهل، فنقلت بنادقها وأقلامها من الكتف اليسرى واليد اليسرى إلى الكتف اليمنى واليد اليمنى، هكذا بكل بساطة! ويجدر التأكيد هنا على صحة فكرة كتبها أحد الأخوة المصريين اليساريين، وهي: ليس هناك أسوأ من يساري سيئ! وبالفعل لنستمع إلى بعض اليساريين السابقين وهم يظهرون انزعاجهم الشديد لأن أوساطاً قومية أو إسلامية خرجت من حالة التهادن أو التواطؤ أو التعاون مع الولايات المتحدة لتحارب الولايات المتحدة! ولكن لماذا يزعجهم ذلك بدلاً من أن يفرحهم؟ ألا يريدون للمخطئ أن يعود عن خطئه؟ أليس من يتطور ويتعلم، فيفهم أكثر ويعود عن خطئه وينحاز إلى الحق إنساناً يستحق التكريم والثناء؟ وبالمقابل، ماذا يستحق ذلك العلماني الفاهم، الذي كان ضدّ المستعمرين الظالمين عن وعي ومعرفة، فأصبح اليوم من العاملين في ركابهم؟!