مخاطر العرض الناقص عن الليبرالية والديمقراطية !
الديمقراطية هي صيغة لتنظيم العلاقات بالتراضي بين أطراف المجتمع من جهة، وبين هذه الأطراف والدولة من جهة أخرى، واعتماد هذه الصيغة يشترط بلوغ المجتمع حداً معيناً من التطور التراكمي المادي والمعرفي والسياسي المستقل، وإلا جاء اعتمادها قسرياً وشكلياً، وربما هزلياً مضحكاً ومبكياً ! وتعتبر الحرية مدخلاً إلزامياً الى مرحلة تنظيم العلاقات بالتراضي داخل مجتمع ما، سواء أكان مثل هذا التنظيم ديمقراطياً أم غيره، حيث الديمقراطية ليست الصيغة الوحيدة الفريدة في الحياة البشرية. غير أن الحرية التي تسبق تنظيم العلاقات الداخلية، والتي تحقق الحد الضروري من التطور والتراكم، تنقسم الى نوعين: الحرية الليبرالية بطابعها الفردي المادي الوطني الغالب، والحرية السياسية بطابعها الجمعي التحرري الاستقلالي الغالب، أي أن العمل بالصيغة الديمقراطية أو غيرها لتنظيم العلاقات الداخلية يشترط امتلاك الإرادة الاقتصادية والسياسية المستقلة، فأين نحن من قضية الديمقراطية هذه ؟ وإذا كنا قد أنجزنا مرحلة الحرية، وهذا لم يحدث، فهل هي حرية ليبرالية وطنية أم حرية سياسية استقلالية ؟ وإذا كنا في مرحلة ما قبل إنجاز أي منهما، بل لم نتفق بعد حول ما ينطبق علينا منهما، فما قيمة جميع هذه الخطابات الديمقراطية السابقة لأوانها ؟ وهل يمكن اختزال قضية الديمقراطية في هذه اللعبة البرلمانية اللبنانية أو الأردنية أو العراقية أو الفلسطينية.. الخ ؟
الطريق الى الحرية، فالديمقراطية
أدخل في صلب الموضوع المعاش فأقول أنني مقتنع بأننا لسنا على عتبة الديمقراطية بعد، إن هذا غير متاح بعد، بل نحن مدعوون للنضال من أجل الحرية، وهو المتاح، وهذه الحرية المنشودة ليست من النوع الأول الذي أشرنا إليه، أي الليبرالية بطابعها الوطني المادي الغالب، بل السياسية التي يغلب عليها طابع التحرر والاستقلال، وهذه حقيقة معاشة لا يمكن أن يطمسها الضجيج والسّعار والهذيان الخطابي ولا أن يشكل بديلاً عنها. غير أن بعض شخصياتنا وتياراتنا وأحزابنا حملت الديمقراطية عنواناً، وهي تتصرف كما لو كنا على عتبتها حقاً بعد أن أنجزنا مرحلة الحرية! ومن يدري ؟ لعلها ترفع رايات الديمقراطية بينما هي تقصد أمراً آخر، إيجابياً أم سلبياً، عن وعي أو من دون وعي !
ولأنني أعتقد جازماً أننا مازلنا على عتبة النضال من أجل الحرية، أي التحرر والاستقلال، فقد بقيت مشدوداً بكليتي الى جبهات المقاومة. إن جبهات المقاومة هي طريق الحرية الذي يقودنا الى الديمقراطية، فلا ديمقراطية قبل سلوكه ولا طريق سواه. غير أن السّعار الهذياني الليبرالي الديمقراطي بلغ اليوم حداً جعل البعض يعتبر المقاومة معوّقاً لتحقيق الديمقراطية !
لقد اكتفوا بسورية ( الفسيفسائية ! ) بحدودها الحالية، كأنما شعبنا هو الذي اختار بملء إرادته هذه الحدود، وكأنما الأجنبي الذي رسمها وفرضها لم يعد معنياً بها، وأطلق يدنا في الحياة داخلها بكامل حريتنا، وكأنه لن يتدخل مرة أخرى فأخرى لتعديل هذه الحدود نحو الأسوأ فالأسوأ !
إن ما دفعني لإعداد هذه المداخلة المقتضبة هو مقالة للدكتور برهان غليون تحت عنوان ( في مخاطر الخلط بين الديمقراطية والليبرالية ) نشرت على موقع الرأي، وهي كانت مقالة مهمة ومفيدة، لكنها ناقصة نقصاً فادحاً، لا أدري إن كان مقصوداً !
العرض الناقص لقضايا متكاملة !
لقد بدأ الدكتور غليون مقالته بالإشارة الى تصويت الناخبين الفرنسيين ضد الدستور الأوروبي الجديد، لأن ليبرالية الدستور المفرطة تهدد المكتسبات الديمقراطية الفرنسية ! وهذا المدخل مفهوم، لكن غير المفهوم هو الاتكاء عليه لتوجيه النصح والتحذير الى الليبراليين الديمقراطيين العرب الجدد، بأن لا يعتبروا الديمقراطية والليبرالية متطابقتان أو مترادفتان ! لقد حذّرهم من الخلط بين المفهومين في ردهم على تحديات السلطات الاستبدادية، أي أنه اعتبر الفارق بين بلدانهم العربية وبين فرنسا والدول الاستعمارية مقتصراً على الاستبداد هنا والديمقراطية هناك ! هل هذا معقول ؟ حبّذا لو كان الفارق يقتصر على ذلك فحسب ! وإنه لمما يثير الدهشة، ولا أقول أكثر، أن لا يشير الدكتور غليون من قريب أو بعيد، ولو بجملة واحدة، الى الفارق الأساسي التاريخي بين مستعمرات سابقة مازالت تفتقد إرادتها الاقتصادية والسياسية والجغرافية وبين دول استعمارية حققت حريتها الليبرالية، أي تطورها التراكمي، ثم ديمقراطيتها، أي تنظيم علاقاتها الداخلية بالتراضي، على حساب هذه المستعمرات السابقة التي مازالت تخضع لإرادتها وتدور في فلكها عموماً !
كانت مقالة الدكتور غليون عظيمة الأهمية حين أشارت الى المنطلقات الفلسفية الليبرالية الأصلية، وأولها تشجيع وحماية النشاط الفردي والحرية الشخصية من أجل تحقيق المصلحة الخاصة كمدخل الى الديمقراطية ! لكنه، ويا للعجب، لم يشر الى المسارح الرئيسة لذلك النشاط الليبرالي الفردي ولتلك الحرية الشخصية الليبرالية، نعني المستعمرات والمستوطنات التي كانت المصدر الأول للتطور التراكمي في البلدان الاستعمارية !
والآن، كيف يرى الدكتور غليون طريقنا نحن لتحقيق التطور التراكمي، المادي والمعرفي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي ؟ هل يقترح أن نتحول الى دول استعمارية والى شعوب تشن ضد الآخرين حملات إبادية استيطانية ؟ أم نسلك طريق التحرر والاستقلال ؟ أم أن هناك طريقاً ثالثاً ؟ وما هو هذا الطريق الثالث، الليبرالي الديمقراطي قبل الأوان، إن لم يكن شكلياً هزلياً، مضحكاً مبكياً، مصطنعاً بتواطؤ دولي ؟ ولماذا تجاهل الدكتور غليون " قانون التفاوت في التطور " المعمول به على مدار الساعة من قبل العواصم الاستعمارية، والذي يحظر على المستعمرات السابقة تجاوز حد معين من التطور عموماً، تحت طائلة العقوبات بل الاحتلال ؟!
فاقد الشيء لا يعطيه !
ترتكز حركات الليبراليين الديمقراطيين الجدد في بلادنا الى ركيزة وحيدة هي التصدي للاستبداد المحلي وأهواله الحقيقية الفظيعة، بينما تكاد تفتقر الى جميع الشروط والركائز التاريخية الأخرى، بل إن المجتمع، الذي هو موضوع النشاط ووسيلته وغايته، يبدو غير معني عملياً وميدانياً بهمومها وخطابها، ولولا وسائل الاتصال الحديثة، الإعلامية خاصة، ولولا المناخ الدولي المواتي لسبب أو لآخر، لصعب عليها تأكيد حضورها والظهور بالصورة التي هي عليها اليوم ! لكن هذه الحركات لا تأبه لنواقصها الجدّية الفادحة، وتصر على أن القوى التاريخية القومية والإسلامية قد أفل نجمها وفقدت ضرورتها، وأنها المسؤولة وحدها عن حالة التردي العامة ! وتتوجب الإشارة هنا على الفور الى أن القوى القومية والإسلامية التي تقاوم الاحتلال تؤكد وجودها على مدار الساعة رغم التعتيم الإعلامي والمناخ الدولي غير المواتي، وليس من شك في أن ذلك يعود الى احتضان المجتمع لها بصورة كافية، غير أن الليبراليين الديمقراطيين الجدد يعتبرون هذه المقاومة خارج التاريخ ويعتبرون أنفسهم داخله !
والحال أن هناك ما يشبه المساومة والتواصل غير المباشر بين بعض الليبراليين الديمقراطيين الجدد وبين القوى العالمية المقتدرة، التي يرى هذا البعض سيطرتها عالمياً لقرن قادم أمراً مفروغاً منه، وأن التعامل معها تقتضيه العقلانية والواقعية، أما خلاصة هذا التساوم والتواصل فربما هي: ساعدونا على إقامة نظم ليبرالية ديمقراطية وسوف نقف معكم ضد المقاومة ! وبالطبع هناك كثيرون، وأنا منهم، يرفضون هذه المساومة ولا يرون وضع العالم ومصيره مثلهم !
إن أمتنا ممزقة، مقطعة الأوصال، لا يملك أي جزء منها مقومات الدولة القادرة في حد ذاتها على الحياة، وهي لم تختر حدودها غير المستقرة ولا أوضاعها البائسة، وإن حال هؤلاء الليبراليين الديمقراطيين الجدد يشبه حال رجل استولى المجرمون على داره الكبيرة وحاصروه في غرفة واحدة، فهو يحاول إقناعهم بترك هذه الغرفة له مقابل تنازله عن كل ماعداها ! وبالطبع فإن المجرمين لن يتركوه حراً طليقاً حتى في هذه الغرفة وحدها، لكنهم سيوهمونه بذلك ريثما ينتزعوا منه رسمياً ونهائياً كل شيء، حتى سرواله الداخلي ! وبعد ذلك ربما قبلوه خادماً غريباً في داره ! وكيف لا يكون الحال كذلك والمجرمون يسيطرون على محيط الدار ومداخلها، وردهاتها وممراتها، فيتحكمون تماماً بحركة الدخول والخروج، إضافة الى سيطرتهم على مفاتيح الماء والكهرباء ؟!
سورية كما رآها الفرنسيون!
في هذه المداخلة المقتضبة سوف نكتفي بعرض أجزاء من وثيقتين، فرنسية وإنكليزية، إحداهما تتعلق بسورية والثانية تتعلق بالأمة العربية جمعاء، كي نرى إلى أين سيقودنا إغفال الوقائع التاريخية العظمى، وإن بدون قصد، ومساواة موقعنا مع مواقع الدول الاستعمارية، بمعنى أننا نتحمل وحدنا مسؤولية التقصير والتخلف، كأنهما خاصية من خصائصنا الأصلية!
في عام 1915 ألقى رئيس الوزراء الفرنسي (جورج ليغ) خطاباً في باريس جاء فيه ما يلي:" لن يكون البحر المتوسط حراً في نظرنا، ولن نظل سادته، إلا إذا بقيت سورية ضمن منطقة نفوذنا، ويجب أن يفهم من ذلك أننا لا نعني سورية المجزأة المشوّهة، بل سورية الكاملة التي يمكن أن تعيش سياسياً واقتصادياً وجغرافياً، سورية الحقيقية التي تمتد من العريش إلى طوروس، ومن الموصل الشرقية إلى شواطئ البحر"!
وكان الجنرال الفرنسي دي تورسي قد اعدّ كتاباً عنوانه (مفكرات عن سورية) ورد فيه ما يلي:" مهما قيل حول أن بعض أجزاء سورية، وخاصة فلسطين، قد سلخت مراراً وآماداً طويلة، فإن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن هذه البلاد (بلاد الشام) واحدة جغرافياً وعسكرياً، وهي تؤلف منطقة حدّدتها الطبيعة تحديداً منظماً كاملاً، أما الأسباب التي تتخذ ذريعة للقول بأن سورية قد جزئت في تنظيمها السابق فهي أسباب سياسية بحتة، وطابعها الاصطناعي كاف لإزالتها"!
إننا نضع هذين النصين أمام أعين الذين يريدون ترتيب بيتهم السوري الخاص، ليستخلصوا منهما ما شاؤوا من عبر، ونضعهما أمام أعين الدكتور غليون، الذي ساوانا بفرنسا، آملين أن لا يقدّم لإخوانه عروضاً ناقصة!
الحكم بالإعدام على أمة!
في عام 1907، صدر تقرير لجنة رئيس الوزراء البريطاني كامبل بنرمان، التي زارت المنطقة العربية ودرست أحوالها وأعّدت تقريرها الذي جاء فيه ما يلي:" على الساحل الجنوبي للمتوسط من الرباط إلى غزة، وعلى الساحل الشرقي حتى مرسين وأضنه، وعلى الجسر البرّي الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا، والذي تمّر به قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى طول ساحلي المحيط الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطريق إلى الهند، في هذه المنطقة الحساسة تعيش أمة واحدة تتوفر لها من وحدة تاريخها ودينها ولسانها وآمالها جميع مقومات التجمع والترابط والاتحاد،وتتوفر في نزعاتها التحررية وفي ثرواتها الطبيعية وفي كثرة تناسلها جميع أسباب القوة والتحرر والنهوض. يتساءل التقرير: كيف يكون وضع المنطقة إذا توحّدت فعلاً آمال وأهداف أمتها، وإذا اتجهت جميعها في اتجاه واحد، وماذا لو دخلت إليها الوسائل التقانية الحديثة وإنجازات الثورة الصناعية الأوروبية؟ وماذا لو انتشر التعليم في أوساط هذه الأمة، وما الذي سوف يحدث إذا تحرّرت وتمكنت من استغلال ثرواتها الطبيعية؟ يستخلص التقرير الإنكليزي: إن الخطر على كيانات الإمبراطوريات الاستعمارية كامن في هذه المنطقة، في تحرّرها وفي توحيد اتجاهات سكانها وفي تجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة وهدف واحد. ثم يقترح: ينبغي العمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ المتخلف كما هو، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر، ومحاربة اتحاد جماهير المنطقة ومنع ترابطها بأي نوع من أنواع الترابط، الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية لفصلها عن بعضها ما أمكن. ينبغي العمل على فصل الجزء الأفريقي عن الجزء الآسيوي، بإقامة حاجز بشري، قوي وغريب، على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، بحيث يشكل قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة! (انتهت هذه المقاطع من تقرير لجنة بنرمان).
نعود فنقول أننا نضع هذه النصوص أمام أعين الذين يكتفون بترتيب بيتهم السوري الخاص، كأنما هم الذين صنعوه وكما لو أنهم أحرار في داخله! ونضعها أمام أعين الدكتور غليون، الذي أغفل دور المستعمرات في تقدم فرنسا وبريطانيا، ودور هاتين الدولتين في تخلفنا، مع أنه هو الأكثر معرفة!
www.snurl.com/375h