متى تقترب الدولة من الموت المعنوي؟

بقلم: نصر شمالي

بلغت الميزانية الحربية للولايات المتحدة الأميركية هذا العام حدود 460 مليار دولار، وينبغي على هذه الميزانية تغطية نفقات الحروب الإمبراطورية في جميع أنحاء العالم، حيث القوات الأميركية منتشرة في جميع القارات، وحيث واشنطن تعتبر نفسها العاصمة السيدة (المتروبول) لجميع البلدان بلا استثناء!

لكن تكاليف الحرب الدائرة في العراق وأفغانستان وحدهما بلغت حدود 147 مليار دولار في العام الحالي وحتى الشهر التاسع فقط، وقد طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس الموافقة على نفقة إضافية مقدارها 50 مليار دولار لتغطية نفقات هذه الحرب في الربع الأخير المتبقي من هذا العام 2007، وبذلك ستبلغ النفقات الحربية لهذا العام 197 ملياراً قابلة للزيادة! أي أن ما ينقصها حتى الآن هو مبلغ 33 ملياراً فقط كي تأتي على نصف الميزانية الحربية الإجمالية للإمبراطورية العالمية، المخصصة للحرب ضدّ العالم أجمع!

حرب وطنية لا حرب أهلية!

يقول جيسي جاكسون، السناتور السابق والشخصية الأميركية المعروفة، أن الإنفاق العسكري خلال العام الجاري وحده، وفي العراق وأفغانستان وحدهما، يعادل الإنفاق العسكري لجميع دول العالم! وإن لهذه الحقيقة التي أبرزها جاكسون مدلولاتها الواقعية الهامة، ومنها انهيار معظم الادعاءات الأميركية الرسمية وشبه الرسمية بصدد مسار الحرب وطبيعتها، فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه بناء على هذه الحقيقة هو: هل تسبّبت في هذا الإنفاق الأميركي الضخم المروّع، كما يزعمون، مجرّد عمليات العصابات الإرهابية المتسللّة إلى العراق وأفغانستان من خارج الحدود؟ هل حجم الإنفاق هذا يتفق مع الادعاءات الأميركية الرسمية وشبه الرسمية القائلة بأن ما يحدث في العراق هو مجّرد حرب أهلية، عرقية، طائفية..الخ، وأن القوات الأميركية طرف محايد يلعب دور حمامة السلام والوئام؟ الجواب المنطقي والواقعي بالطبع هو النفي، حيث الأرقام تؤكد أنها حرب وطنية يخوضها الشعب ضدّ الاحتلال، وأنه لا يغيّر في ذلك شيء إبراز صراعات هامشية على أنها رئيسية، سواء أكانت حقيقية أم مفتعلة أم ملفقة.

تريليونان دولار لإخضاع العراق!

لقد أعلن الجنرال بترايوس قائد قوات الاحتلال في العراق أنه، إذا سارت الأمور بشكل جيد، فإن الأمر يحتاج من 10 إلى 20 عاماً كي تتحقق تهدئة العراق (أي السيطرة عليه!) وإعادة بنائه وتكوين دولة ديمقراطية (أي استثماره بالراحة!). ويقول جاكسون أن هذا يعني ارتفاع الإنفاق الحربي في العراق إلى تريليونين اثنين من الدولارات! إنه رقم فلكي بالطبع يصطف أمامه اثنا عشر صفراً! وبينما الحال كذلك يعلن الرئيس الأميركي أنه سوف يستخدم حقه في النقض (الفيتو) لإحباط مشروع إنفاق معروض على الكونغرس لصالح برامج داخلية تخالف احتياجاتها الميزانية العامة التي وضعها الرئيس! يقول جاكسون أن بوش هدّد باستخدام حق النقض ضدّ أية زيادة في ميادين برامج الرعاية الصحية للأطفال، وقروض الجامعات، والمنح الدراسية، والمدارس العامة، والطاقة المتجددة (أي بدائل النفط) والبنية التحتية (خاصة الخدمات العامة) علماً أن الفارق بين ميزانية الرئيس وبين الزيادات التي يقترحها الكونغرس لدعم مثل هذه القطاعات لا يتعدّى مبلغ 20 مليار دولار، أي أقل من نصف الإضافة التي طالب بها الرئيس للإنفاق الحربي في العراق خلال الربع الأخير من العام الحالي، وهي 50 ملياراً!

حرب صعبة ومكلفة ومميتة!

يقول جيسي جاكسون أن احتلال دولة (كما هو الحال في العراق وأفغانستان) أمر صعب، ومكلف، ومميت، ونحن ندفع الآن بالفعل ثمن حرب العراق! إن جاكسون لا يقصد بالثمن الذي يدفعونه فقط أعداد القتلى والمشوّهين من القوات الأميركية المحتلة، بل يقصد في المقام الأول انعكاس الحرب على الحياة الداخلية في الولايات المتحدة، وكأمثلة يذكر أن جسراً سقط في مينيبوليس، وصمام شبكة صرف صحي تحطم في مانهاتن، وأن أبناء الطبقة العاملة لا يستطيعون تحمّل تكاليف الدراسة الجامعية، وأن قطاع النقل بحاجة ماسة إلى الصيانة والتطوير، وأن خدمات صف السيارات في حالة رثّة، وأن الاستثمارات الداخلية أكثر من سيئة، وأنه بينما يصاب الناس بالهلع ويصرخون فإن الرئيس يعترض على رصدّ أية مبالغ في هذا الاتجاه، ويلحّ على رصد المبالغ الضخمة للحرب في العراق!

أميركا تحتاج ما يحتاجه العراق!

إن المفارقة المذهلة، كما يشرح جاكسون، تتجلى في أن السياسة المعلنة للحكومة الأميركية تقول أن المطلوب هو تحقيق ثلاثة أهداف في العراق: أولاً، وقف تدفق الأسلحة وتحقيق الأمن في الشوارع العراقية. ثانياً، تدعيم الديمقراطية والاستثمار في البنية التحتية الحيوية العراقية. ثالثاً، دفع العراقيين إلى سوق العمل! غير أن الولايات المتحدة الأميركية بالذات تحتاج داخل أراضيها إلى تحقيق مثل هذه الأهداف! يضيف جاكسون أن الخيار الذي يواجه الأميركيين الآن لا يتعلق فعلياً بالعراق، بل يتعلق بالولايات المتحدة، فنحن نواجه الخيار التالي: الإمبراطورية أم الجمهورية؟ لا يمكننا أن نكون الاثنين معاً! وقد نقل عن مارتن لوثر كينغ قوله البليغ: إن الدولة التي ترتفع تكاليفها العسكرية فوق معدّلات إنفاقها لصالح البرامج الاجتماعية هي دولة تقترب من الموت المعنوي!

الإمبراطورية العالمية أم الجمهورية الأميركية؟

إن الولايات المتحدة تعاني الآن من ارتفاع معدلات الظلم وعدم المساواة، ومن انكماش طبقتها الوسطى، ومن تراجع الصناعات التصديرية، ومن ارتفاع حجم الديون الأجنبية، ومن الاعتماد على البنوك المركزية الخارجية، ومن انعدام الأمن الداخلي، ومن انعدام الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة لتقليص الاعتماد على النفط المستورد، ومن عدم معالجة ظاهرة التغير المناخي التي تنذر بكارثة، غير أن الرئيس بوش اختار احتلال العراق ولو على حساب الأطفال الأميركيين المحرومين من الرعاية الصحية..الخ، هذا ما يقوله جاكسون، ولابد لنا من أن نختم بالقول أنه لولا المقاومة العراقية التي أفشلت مشاريع بوش، ولو أن هذه المشاريع تحققت، ما كنا سمعنا هذا الكلام، وكان بوش سيعلن بطلاً من كبار الأبطال الأميركيين، غير أن جاكسون لا يستطيع الإشارة إلى مآثر الشعب العراقي وبطولاته، حيث عذاب هذا الشعب ووجوده لا يعنيهم، فالشعب العراقي هو الذي وضع الأميركيين اليوم أمام الخيار التاريخي الهائل: إما الإمبراطورية العالمية وإما الجمهورية الأميركية!

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1