ما هي احتياجات المقاومة بعد انتصاراتها؟

مداخلة: نصر شمالي-سورية

الندوة القومية-المنتدى القومي العربي-بيروت 16/7/2007

 

 

 

على مدى حوالي سبعة عقود من الزمن، منذ نهايات الحرب العالمية الأولى وحتى نهايات الثمانينات من القرن العشرين، واصلت المقاومة العربية نضالها على جبهتين: التصدي لمشاريع المستعمرين والتصدي لبناء الذات. أما المشاريع الاستعمارية فكانت تتراوح بين السيطرة على الإدارات العربية، بالاستعمارين المباشر وغير المباشر، وبين الإبادة والاستيطان كما في الجزائر وفلسطين. وأما بناء الذات فقد كان يعني تحقيق قدر كاف من التطور البنيوي وقدر كاف من الحضور المستقل، بما يكفل خوض معارك متكافئة مع الأعداء، قابلة للربح مثلما هي قابلة للخسارة، حيث الخسارة كانت وحدها ودائماً من نصيب العرب نتيجة الضعف الشديد في بناهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهكذا كان على العرب أن يصبروا، وأن يكتفوا لعقود طويلة بمجرد الانتصارات النسبية البنيوية الداخلية، وبمجرد التراكمات النوعية غير المرئية داخل جسم الأمة، وبمجرد الربح بالنقاط كما يقول الرياضيون، إلى أن اندلعت انتفاضة أطفال الحجارة الفلسطينيين، أواخر الثمانينات، مسجلة لأول مرة عجز العدو عن إيقافها وعن التحكم بمساراتها وبمداها الزمني وبنتائجها. ثم تلا تلك الانتفاضة العظيمة الفاتحة اندحار الأميركيين المجلجل في الصومال مطلع التسعينات، وبعده جاء تحرير الجنوب اللبناني على أيدي المقاومة بقيادة حزب الله من دون مفاوضات ومن دون قيد أو شرط. ثم كانت الانطلاقة الفورية الجبارة للمقاومة العراقية لحظة احتلال بغداد، وقلبها لحسابات ومخططات الأميركيين وحلفائهم رأساً على عقب، ووضعهم في مأزق تاريخي لم يعرفوا مثله من قبل أبداً. وأخيراً لا آخراً كان الانتصار العظيم الذي حققه الشعب اللبناني ومقاومته بقيادة حزب الله العام الماضي، في مواجهة تحالف دولي وإقليمي لا مثيل له ولا زيادة عليه!

لقد تحقق التطور النوعي الذي أشرنا إليه في المواجهات التي تخوضها المقاومة اليوم نتيجة التراكمات النوعية غير المرئية التي حققتها جهود أجيال من المناضلين على مدى سبعة عقود وأكثر، وهو التطور الذي ما كان ليتحقق من دونها، بل هو ثمرة جهودها بالتأكيد، بمختلف أطيافها الوطنية والقومية والإسلامية وفي جميع أقطارها وأمصارها، وهاهو العدو الأميركي الصهيوني، منذ انتفاضة أطفال الحجارة وحتى يومنا هذا، غير قادر على اختراق تشكيلات المقاومة كما كان حاله في السابق، وغير قادر على ترتيب المعارك مسبقاً، والتحكم بمساراتها وميادينها ومدتها ونتائجها وضمان ربحها سلفاً كما كان حاله في السابق، فهو إذا كان قادراً على تحقيق الانتصار اليوم فقد صار قابلاً للهزيمة أيضاً، والمقاومة إذا كانت قابلة للهزيمة اليوم فقد صارت قادرة على تحقيق الانتصار أيضاً، أي أن النتيجة لم تعد واحدة مقررة ومؤكدة كما كان الحال على مدى حوالي سبعة عقود، أي انتصار الأميركيين والإسرائيليين دائماً واندحار وانكفاء المقاومة العربية دائماً، فاليوم لا اندحار ولا انكفاء ولا انقطاع، ولا إخلاء لميادين المواجهة، بل معارك متواصلة متكاملة يعجز العدو تماماً عن تقدير مداها ونتائجها مسبقاً، وليس من ريب في أن هذا التطور النوعي التاريخي يشكل الأساس المتين للنصر النهائي القادم.

***

ولكن، ينبغي أن لا نفقد الحذر، وأن لا نستخف بقدرات العدو الأميركي الصهيوني على الرغم من ظهور بدايات انحداره واندحاره تاريخياً، ففقدان الحذر، والجمود، والاستهتار، والانشغال بالثانويات عن الرئيسيات، يمكن أن يبدّد ويضيّع التطور النوعي التاريخي الذي تحقق، ويمكن أن يبدّد ويضيّع جهودنا وتضحياتنا منذ انتفاضة أطفال الحجارة وحتى يومنا هذا ومعها جهود وتضحيات الأجيال التي سبقتنا، وإنه لمن المؤسف والمقلق أن نرى العدو يحقق بعض النجاحات في دفعنا نحو فقدان الحذر، والجمود، والاستهتار، والانشغال بالثانويات عن الرئيسيات!

لقد فشلنا حتى اليوم في التغلب على الاستعصاء الذي يحول دون وحدة جميع الأطراف العراقية المقاومة، وفشلنا في رأب الصدع الناجم عن الحرب العراقية الإيرانية، وهي الحرب الكارثية التي أدّت إلى تقوية مواقع المتعصبين قومياً ودينياً عند الجانبين العربي والإيراني، وجعلت القطيعة عند البعض هنا وهناك خياراً رئيسياً بدلاً من أن يكون اللقاء الضروري خياراً رئيسياً، ولا بد من التغلب على هذا الاستعصاء وعلى الصدع الذي أنتجه، وإلا كان الهلاك وارداً، للإيرانيين وللعراقيين!

وفي لبنان، فشلنا حتى اليوم في الخروج من الشرانق الأربع التي وجدت المقاومة نفسها داخلها (لأسباب موضوعية مفهومة) وهي: شرنقة الحزب الواحد، وشرنقة المذهب الواحد، وشرنقة البقعة الجغرافية الواحدة، وشرنقة المجتمع الواحد! نقول ذلك من دون أن تفوتنا الإشارة إلى خطاب حزب الله المتقدم على غيره بما لا يقاس، والمنفتح بصورة إيجابية جداً بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية، فهو خطاب نموذجي في تقدميته نثني عليه ونفخر به، وأيضاً من دون أن تفوتنا الإشارة إلى الأداء القتالي والميداني البطولي الفعال، الذي يلخص بجدارة ذلك التطور النوعي البنيوي الذي أشرنا إليه. ولكن تبقى المقاومة في لبنان مدعوة إلى توسيع دائرتها حزبياً ومذهبياً واجتماعياً وجغرافياً، مع تفهمنا العميق لخصوصية لبنان وخصوصية تجربته النضالية وتعقيداتها.

وفي فلسطين أيضاً، فشلنا حتى اليوم في الخروج من الشرنقة الحزبية تحديداً، مع أن الشعب الفلسطيني العظيم يشكل بكامله أكبر وأعظم حزب في تاريخ العالم المعاصر، فكل بيت فلسطيني في الداخل والخارج هو مكتب لحزب فلسطين، وكل فرد فلسطيني بلا استثناء في الداخل والخارج هو عضو عامل فعال في هذا الحزب الذي يضم الشعب كله، فكيف تختلف الأنساق العليا والحال كذلك إلا إذا كانت غير آبهة لحقيقة وضع شعبها وموقفه؟

إن أمتنا العربية والإسلامية بحاجة مصيرية إلى التحشيد العام والتوحيد العام والتجييش العام لتحقيق هدف مصيري لا يعلو عليه أبداً أي هدف آخر، وهو هدف المقاومة والتحرير، فالانقسام لا يجوز أن يتعدى حدود هذا الهدف إلى أية تفاصيل أخرى مهما بدت عظيمة وخطيرة، فالذين مع المقاومة والتحرير هم جبهة واحدة، والذين مع العدو الأميركي الصهيوني هم جبهة واحدة، ولا جبهات أخرى متحاربة داخل صفوف الأمة، وهذا يقتضي في جملة ما يقتضي، وفي المقام الأول، بلورة خطاب عربي تاريخي مقاوم، يتضمن أربعة أبعاد: البعد الوطني، والبعد القومي، والبعد الإسلامي، والبعد الأممي أيضاً. إنه الخطاب الذي ينبغي أن يوضح بجلاء موقفنا نحن العرب بصدد هذه الأبعاد الأربعة، بحيث تظهر رؤيتنا للحياة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبحيث يجد الوطني والقومي والإسلامي موقعه ومصيره اللائق في هذا الخطاب، وكذلك الأممي، حتى الأميركي واليهودي العادي، يجد موقعه ومصيره اللائق في حال انتصار قضيتنا.

إن الموقف الميداني الإجمالي اليوم يبعث على الرضا رغم ما أشرنا إليه من نواقص، فهو متقدم جداً، جذرياً ونوعياً، قياساً بما كنا عليه قبل انتفاضة أطفال الحجارة، وقياساً بالتعقيدات الهائلة الموروثة والمستجدة، غير أنه لا بد من التنبيه مرة أخرى إلى خطورة فقدان الحذر، والجمود، والاستهتار، والانشغال بالثانويات عن الرئيسيات.

 

 

 

www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1