لماذا خلع الرئيس زيّه العسكري مكرهاً؟

بقلم:  نصر شمالي

كما هو معروف، طرأت تعديلات جذرية على أولويات الخطاب السياسي الأميركي بعد احتلال العراق مباشرة، فبدلاً من مواصلة التركيز على أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي تهدد العالم أجمع والتي لم يجدوا لها أثراً، صار السبب الأول للاحتلال هو تخليص الشعب العراقي من الاستبداد ومنحه الحرية والديمقراطية، وصارت المهمة الرئيسية للأميركيين هي نشر الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم وخاصة في البلاد العربية والإسلامية!وهكذا تسبب الأميركيون حينئذ في شيوع حالة عبثية من الهذيان الليبرالي الديمقراطي، فاضطربت مجتمعات المنطقة كلها أشدّ الاضطراب، إذ بينما أخذت بعض قوى المعارضة خطاب الأميركيين الديمقراطي على محمل الجدّ تماماً فان الأنظمة الحاكمة ، حتى الحليفة للولايات المتحدة، أخذت بدورها هذيان المعارضة على محمل الجدّ!

في تشرين الأول  أكتوبر عام 2004 كان الرئيس الباكستاني برويز مشرّف قد أكمل أربع سنوات ممسكاً بزمام السلطة الذي انتزعه عنوةً، ومع أنه برز باعتباره الحليف الميداني الاستراتيجي الأول لحكومة الولايات المتحدة في حربها المعلنة ضدً الإرهاب العالمي فان ذلك لم يعفه لاحقاً من المساءلة، بصدد عدوانه على الديمقراطية وبسبب تمسكه بزيّه العسكري كقائد للقوات المسلحة، فقد كان في نهاية العام 2004  مطالبا بالتنازل عن قيادة الجيش والاحتفاظ برئاسة الدولة ، لكنه رفض ذلك، وقد سألته مجلة نيوزويك الأميركية يومئذ عن سبب رفضه فأجاب : لن أخلع الزيّ العسكري الرسمي، وأريد أن أعطيكم الأسباب. إننا نتابع سياسة خارجية محددّة تحتاج إلى الاستمرارية، فنحن نحارب الإرهاب دولياً وذلك يحتاج إلى الاستمرارية! لقد أراد الرئيس مشرّف القول أن بلاده في حالة حرب، أي في حالة طوارئ، وأنها بحاجة لسلطة مركزية شديدة، أي أن نظامه لو لم يكن قائماً لكانت إقامته مطلوبةً! وبعد أن أشار إلى العلاقات الهندية الباكستانية (قضية كشمير) كسبب آخر من أسباب حالة الحرب، شرح للمجلة الأميركية ما يتوجب القيام به من تغيير في مجمل نفسية المجتمع الباكستاني، التي كانت رهينة للأفكار المتطرفة! وقد قصد بالطبع أفكار طالبان والقاعدة الموروثة عن حرب تحرير أفغانستان من السوفييت، والتي تحتاج بدورها، من وجهة نظره، لنظام حكم استثنائي، لكن الرئيس مشرّف لم يقل أن هذه الأفكار الطالبانية القاعدية كانت مطلوبة بقوة ومرعية ميدانياً في باكستان من قبل الحكومتين الأميركية والباكستانية طوال سنوات الحرب ضدّ السوفييت! ولا بدّ أنه قدّر أن لا داعي لإشارة كهذه بصدد أمر يعرفه الأميركيون جيّداً!

   لقد كان الرئيس مشرّف في زيارة للولايات المتحدة حينئذ، في خريف العام 2004 ، وقد سألته المجلة الأميركية عما إذا كان اتفق مع الرئيس بوش على خطة عمل ضدّ تنظيم القاعدة أثناء اجتماعهما؟ فأجاب: نحن على اتصال دائم، ونحن نتعاون في الميدان الاستخباراتي، والرئيس بوش يعرف ما الذي يحدث، والتنسيق يجري دائماً فيما يتعلق بالاستراتيجية! واضح تماماً أن الرئيس الباكستاني يعتبر نفسه حليفاً ميدانياً في إطار الاستراتيجية الدولية الأميركية، ولذلك نراه يلحّ على أن الرئيس بوش يعرف كلّ شئ!

إن الرئيس الباكستاني، الذي أمسك بزمام السلطة في خريف العام 1999 ، لم يفعل ذلك خلافاً لرغبة الأميركيين، وهو لم يحتفظ بزيّه العسكري من دون موافقتهم، فقد كانت الحرب على الإرهاب تحتاج إلى حكم مركزي عسكري في باكستان خاصة،ولكن لمّا صارت الحرب على الإرهاب، حسب الخطاب السياسي الأميركي الذي شاع بعد احتلال العراق، تعني في الوقت نفسه الحرب على الاستبداد الرسمي وإحلال الديمقراطية، فقد أدّى ذلك إلى بروز تناقض صارخ في الموقف الأميركي! وكان على الأميركيين بالذات معالجة هذا التناقض الذي أحرج حلفاءهم في باكستان خاصة، لكنهم تركوه  بلا علاج طوال سبع سنوات، وهاهم اليوم يلحّون على الرئيس مشرّف أن يخلع بزّته العسكرية التي ظلّوا بأمسّ الحاجة إليها حتى البارحة! وهاهم يلحّون أيضاً على تعاونه مع الأحزاب الباكستانية التي دعموه في انقلابه ضدّها، وذلك مقابل وعد غامض بمساعدته على البقاء في سدّة الرئاسة! فما الذي استجدّ على صعيد الاستراتيجية الحربية الأميركية وأدّى إلى هذه الانقلابات في مواقف قيادتها؟

إن هذه الانقلابات في مواقف إدارة الحرب الأميركية ، التي نشاهدها اليوم في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي باكستان وغيرها من البلدان، تعود إلى إقرار هذه الإدارة بفشل استراتيجيتها الحربية عموماً، وإلى بداية التحول نحو اعتماد استراتيجية أخرى! وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس مشرّف كان يرى التناقض في الاستراتيجية الأميركية ويتوقع لها الفشل، وقد قال ذلك علناً في أكثر من مناسبة، إنما من موقع الحليف الغيور على مصلحة الولايات المتحدة، فنبّه عبر الصحف الأميركية إلى أن القضية الفلسطينية في حدّ ذاتها جبهة كافية للتأثير في العالم الإسلامي بأسره، وكافية لظهور النشاطات المتشدّدة (الإرهابية) في جميع بلدانه!وبينما ظلّت الإدارة الأميركية تصرّ على أن تنظيم القاعدة ، مثلاً ، هو ظاهرة (شيطانية!) مستقلة عن سياق الحياة البشرية الطبيعية، وكأنما أفراد هذا التنظيم هبطوا من كوكب آخر، كان الرئيس مشرّف يقول للأميركيين: لو بحثتم في كيفية ظهور تنظيم القاعدة إلى حيّز الوجود لوجدتم أن جذوره تعود إلى القضية الفلسطينية! (مجلة نيوزويك/ 5 /10/2004 ) .

لكن الأميركيين لا يخطئون ويكابرون في تفسيرهم لظاهرة القاعدة وفي تعاملهم معها فحسب، بل يبلغ العناد القاتل بهم حدّ إطلاق التهم ذاتها، خاصة تهمة الإرهاب، ضدّ كل من يعارض سياساتهم، وضدّ كل من يشكو مجرّد شكوى من ظلمهم وعدوانهم، فجميع المقاومين في أي بلد هم مجرّد إرهابيين ينطبق عليهم ما ينطبق على تنظيم القاعدة! إنهم يرفضون المنطق المفهوم المحايد الذي يقول بأن تنظيم القاعدة ظاهرة جديدة تاريخية وموضوعية ، بغض النظر عن المواقف منها، وأن هذه الظاهرة بالصورة التي هي عليها أفرزها الجبروت الأميركي ونظامه العالمي الرهيب الذي أغلق جميع منافذ الأمل البشري، وقطع الطريق بقسوة لا مثيل لها على جميع الوسائل المتعارف عليها لتحقيق الحد الأدنى من العدالة والكرامة الإنسانية!

ذات مرّة صرخ الرئيس مشرّف قائلاً للأميركيين : لقد فتحتم جبهات كثيرة! أغلقوا هذه الجبهات! غير أنهم ، وقد وصلوا أخيراً إلى عين ما حذّرهم من الوصول إليه كصديق وحليف ميداني، لم يقابلوه بالاعتراف وبالتقدير الذي يستحقه، بل راحوا يفكرون في استخدامه كورقة جديدة في لعبتهم الاستراتيجية الجديدة، التي سوف تكون بالتأكيد أسوأ وأفظع من كل ما سبقها من ألاعيب!

[email protected]

 

 

  

Hosted by www.Geocities.ws

1