ما يتوجب أن نتذكره عشية اجتماع آنا بوليس
لا تزال الأكثرية الساحقة من المستوطنين اليهود في فلسطين على ولائها لأوطانها الأصلية، وهم جميعاً يعرفون معرفة أكيدة أنهم مهما طال الزمن ليسوا سوى محتلين، على طريقة المستوطنين في الجزائر، وذلك ما يجعلهم يلحّون دائماً في طلب العون من حكومات أوطانهم الأصلية، كما لو كان مثل هذا العون فريضة واجبة! والحقيقة التي لا تقبل الدحض، والتي يعيها المستوطنون في أعماقهم جيداً، هي أن ما يسمونه "دولة إسرائيل" ليس سوى مقّر الإقامة الثانوي المؤقت لمجتمعات الغرب الأوروبية الأميركية في المشرق العربي، والدلائل على ذلك أكثر من أن تعدّ وتحصى، فبالإضافة إلى التنقل الشائع والمستمر بين الوطن الصوري والوطن الأصلي فإن معظم المشاريع الكبرى المسماة "إسرائيلية" بما فيها المشاريع النووية هي، بكل بساطة، مشاريع أميركية أو أوروبية، الغاية منها تحقيق المزيد من الثراء لرجال الأعمال الأوروبيين والأميركيين، يهوداً أو غير يهود، ويمكن القول إجمالاً أن "المجتمع الإسرائيلي" المزعوم ليس إلا مجموعة مقدّرة من نماذج المجتمعات الأميركية والأوروبية، وأنه نوع من معسكر دولي يأخذ فيه اليهود العاديون البسطاء دور الطبقة الثانية التي تشكل مستنداً يبرر وجود هذا المجتمع لصالح المشاريع الخارجية.
من جهة أخرى، ونحن على أبواب انعقاد مؤتمر أو اجتماع آنا بوليس في الولايات المتحدة، ينبغي أن نتذكر تصريحات قادة واشنطن في جميع العهود، التي تقول بأن حدود الولايات المتحدة تكون حيث تكون مصالحها! وأن نتذكر أيضاً إصرار اليهود الصهاينة على إبقاء الحرب مفتوحة والحدود مفتوحة، وهو ما يظهر اليوم جلياً في المحادثات الممهدّة لاجتماع آنا بوليس بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين، وبالطبع فإن القادة الإسرائيليين لا يستطيعون أن يفعلوا غير ذلك، لأنهم ملتزمون بوظائف كيانهم كقاعدة لإبقاء أزمة المنطقة مفتوحة على اللانهاية، وكمشروع من مشاريع الاحتكارات الدولية وخاصة الأميركية، ولذلك فإنهم يعملون بدأب، في الظلام وفي وضح النهار، على تدمير القيم والثقافة الوطنية العربية، أي على تدمير المجتمعات العربية، وليس اجتماع آنا بوليس سوى واحد من أعمالهم هذه.
إن الكيان الإسرائيلي مهما عاش واستمّر يبقى غريباً عن المنطقة وطارئاً عليها، وليس أدلّ على طابعه المؤقت، وعلى حقيقة كونه مشروعاً احتكارياً دولياً، من احتفاظ قادته بجنسياتهم المتعدّدة، ومن عمليات التدمير الشامل التي يشنونها طوال الوقت ضدّ العرب، فلا يرحمون طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً، وهذه الشراسة الوحشية ضدّ العرب، وضدّ قيمهم الوطنية والقومية، لا يمارسها إلا من يعتقد في أعمق أعماقه أن وجوده في فلسطين مؤقت وعابر، ومرهون بالظروف والمصالح الدولية، فمن يرتكب كل هذه المجازر ويمارس كل هذا القدر من الاضطهاد والعنف ضدّ الأبرياء العزّل لا يمكن أن يفعل ذلك إلا إذا كان مقتنعاً تماماً أن ليس ثمة تعايش مشترك ولا مستقبل مشترك بينه وبين أصحاب البلاد الأصليين، فهو مطمئن إلى أنه سوف يكون بعيداً جداً عندما تحين لحظة الحساب والعقاب!
عشية اجتماع آنا بوليس يتوجب علينا ليس تذكر ذلك فحسب، بل والالتفات إلى المسؤولية التاريخية العظمى الملقاة على عاتق أمتنا، وهي النضال من أجل خلاص الإنسانية عموماً من مستنقعات الصهيونية وأوحالها ووحوشها، فليس ثمة خلاص خاص لنا في اجتماع آنا بوليس وأشباهه، بل فيه المزيد من الغرق والعذاب، وبالتالي فإن الأمة العربية لا تملك خياراً غير النجاح في مواجهة الاحتكارات الصهيونية الدولية ممثلة بالكيان الإسرائيلي، وإنها لمن المفارقات البالغة الغرابة أن المزيد من الارتباط بين ثروات العرب وبين الاحتكارات الأميركية، والمزيد من علاقات الصداقة العربية الحميمة مع الأميركيين، يعني دائماً المزيد من العدوانية الوحشية الإسرائيلية، والمزيد من تعاظم القوة الهمجية الإسرائيلية!
لقد كتب موشي شاريت (رئيس وزراء إسرائيلي أسبق) في وقت مبكراً جداً مايلي:" إن يهود الولايات المتحدة لا يمكن أن يساعدوا إسرائيل في حال قيام نزاع بينها وبين واشنطن، وهذا يعني أن مشاركة يهود أميركا الفعالة في بقاء دولتنا متفوقة يمكن أن تتحقق على أساس اندماج سياستنا الإسرائيلية الخارجية في السياسة العالمية لواشنطن، ولن يساعدنا اخوتنا في ما وراء البحار إذا لم نخضع لرغبات حكومتهم"!
غير أن واشنطن، التي دعت إلى اجتماع آنا بوليس، لا تقبل من الإسرائيليين أن يظهروا تبعيتهم لها، بل تريدهم أن يظهروا بمظهر المستقلين تماماً عنها، فإذا فشل الاجتماع في تحقيق أي تقدم لصالح الفلسطينيين، وهو ما تريده واشنطن، فإن على الإسرائيليين أن يظهروا بمظهر المعارض الذي تسبب بالفشل، بينما يظهر الأميركيون بمظهر المغلوبين على أمرهم، والمعذورين أمام أصدقائهم من الحكام العرب! إن أصول اللعبة الأميركية في الأزمة المفتوحة على اللانهاية تقتضي ذلك بالضبط!
وبينما الكثير من العرب يبدون وكأنما هم لا يدركون هذه الحقائق في تعاملهم مع اجتماع آنا بوليس، نرى كثيراً من الإسرائيليين وقد أدركوها منذ زمن بعيد، فقد كتب مراسل صحيفة معارف الإسرائيلية في واشنطن، بتاريخ 19/12/1975، يقول:" إن الكثيرين جداً من اليهود وغير اليهود يرون أن إسرائيل مخلوق إجباري أوجدته الولايات المتحدة، ووضعته تحت حمايتها، ولذلك فإن أي موقف معاد لأميركا سيتحوّل بحدّ ذاته تقريباً إلى موقف معاد لإسرائيل"!
خلاصة القول هي أن اجتماع آنا بوليس يراد له أن يكون حلقة في مسلسل الأزمة المفتوحة التي أنتجتها الولايات المتحدة وصدّرتها إلى المنطقة العربية، ويراد من العرب الضحايا مثلما يراد من الإسرائيليين القتلة مواصلة لعب أدوارهم المحسوبة بما يخدم المصالح الأميركية في منطقتنا خصوصاً وفي العالم عموماً، لا أكثر ولا أقل!