لماذا الخوف الإسرائيلي الدائم من المستقبل؟

ما يتعرض له الفلسطينيون يفوق كل تصور،

مثلما تجاهله يفوق بدوره كل تصوّر!

بقلم: نصر شمالي

من الواضح والثابت أن هناك قراراً إسرائيلياً باغتيال عدد من الفلسطينيين يومياً، عدد لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة، وغالباً ما تأتي النتيجة في حوالي الوسط، وبعيداً عن القوانين والأعراف الإنسانية فإن هذا الذي يحدث يشبه تماماً قصة الوحش الخرافي الذي يلتهم كل يوم عدداً من الناس لا على التعيين، ولو أنه كان معمولاً بالأعراف العربية لهبت دول الجوار لإنقاذ وحماية أهلها الفلسطينيين، غير أنها لا تكتفي بالتخلي عن واجباتها بل تساعد الوحش على التهام إخوانها بمحاصرتهم وحرمانهم من وسائل الدفاع! كذلك لو أنه كان معمولاً بالقوانين الدولية لهبّ الإمبراطور جورج بوش الثاني وأمر بوضع حدّ لهذه الجرائم اليومية المخيفة التي يرتكبها وحش مدجج بأحدث الأسلحة الأميركية ضدّ شعب أعزل لا ذنب له سوى إرادته في الحياة على أرضه وفي وطنه، غير أن بوش لا يكتفي بتجاهل القوانين الدولية بل يعطي للوحش الحق في التهام الضحايا كي يعيش!

في الواقع، إن ما يحدث في فلسطين يومياً يفوق كل تصوّر، تماماً مثلما تجاهله المتعمد يفوق بدوره كل تصوّر، وليس من ريب في أن قضية فلسطين هي جريمة العصر الأولى المفتوحة والمستمرة التي ستقرر نتائجها مصير هذا العصر الربوي الاحتكاري الظالم الذي ابيضّ سطح الكرة الأرضية بعظام ضحاياه، والإشارة إلى النتائج التي سوف تقرر مصيره ترتكز إلى أنه بلغ ذروة الصعود التي لا صعود بعدها، ولا يمكن أن يليها سوى الانحدار، حيث لا سبيل إلى الثبات في نقطة محددة، وها هي مظاهر بدايات الانحدار جليّة في العراق وأفغانستان ولبنان والسودان والصومال، و في المقدمة فلسطين الصامدة الصابرة، ففي هذه البلدان يظهر الانحدار البشري وقد بلغ نهاياته في قعر القاع، حيث لا انحدار أكثر، وحيث لا يمكن الثبات أيضاً إلا بالموت، ولا بد من بدايات الصعود التي ظهرت فعلاً!

***

من له أذنان وعينان فليسمع ويرى! إن هذا النظام الربوي الاحتكاري العالمي، الذي مارس عمليات الإبادة والدمار الشامل ضد الأكثرية الساحقة من أمم الأرض، قد بلغ ذروة صعوده وبدأ انحداره، وإن البشرية التي بلغت قعر القاع بعد خمسة قرون من المعاناة قد بدأت صعودها، ومن لا يرى ذلك ويتحدث بغير ذلك هو واحد من اثنين: جاهل أو متآمر! فالرهان على النظام العالمي السائد هو نتاج الجهل الذي يتشبث بالأوهام أو نتاج التآمر الذي يريد إطالة عمر النظام دفاعاً عن مصالح محددة غير مشروعة، والذين يرون ويسمعون بطريقة صحيحة وسليمة توصلوا إلى هذه النتيجة التاريخية الأممية منذ سنوات طويلة، ولا يستثنى منهم الإسرائيليون العقلاء، ففي صيف عام 2004 ظهرت في فلسطين العربية المحتلة وثيقة أعدها عدد من اليهود العقلاء تقول أن "إسرائيل" تسير على طريق المجهول، وأن عدداً كبيراً من المستوطنين، بعد خمسة وستين عاماً من الاستيطان، يعيشون في اليأس والقلق والخوف الدائم من المستقبل، وأنه بات من الضروري طرح وجهة نظر بديلة في مواجهة المعسكر الإسرائيلي الداعم لجدران الفصل العنصري، هذا المعسكر الذي تروّعه عفاريت الديموغرافيا إلى درجة يحسب معها أسبوعياً عدد اليهود والعرب الذين يولدون ويموتون، وعدد اليهود والعرب الذين يعيشون في البلد بشكل كامل وفي كل ناحية من نواحيه! فماذا يعني هذا الكلام، الصادر عن يهود عقلاء، سوى أن المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني بلغ ذروة صعوده وبدأ الانحدار، وأن الفلسطينيين الذين دفعوا إلى قعر القاع قد تعذرت إبادتهم وتعذر التهامهم، بل حتى إنقاص عددهم وإضعاف تمسكهم بوطنهم، وأنهم بدؤوا الصعود؟

***

طبعاً، المشهد في فلسطين يبدو مأساوياً ومروًعاً، بصدد من هم في القاع وفي ذروة المعاناة التي لا معاناة تضاف إليها، وبصدد من هم في ذروة الصعود وفي الوقت نفسه في حضيض الجريمة والتحلل الذي حولهم فعلاً إلى ما يشبه الوحش الخرافي الذي يواصل حياته بالتهام عدد من الأبرياء لا على التعيين كل يوم! غير أنه فصل الختام بكل أهواله، فصل النهايات والبدايات، فبالمقابل يمكن بسهولة رؤية الوجه الآخر من المشهد، هذا الوجه الذي التقطه اليهود العقلاء وأصدروا بناءً عليه وثيقتهم في عام 2004، فقالوا أن الإسرائيليين متوحدون حول حقيقة صهيونية ترتكز إلى رفض الاعتراف بشعب هذه المنطقة وإنكار حقوقه وطرده من أراضيه، واعتماد خيار الفصل العنصري كمبدأ وطريق أساسي للحياة الإسرائيلية، وهكذا يستمر الإسرائيليون في رفضهم تحمّل أية مسؤولية عن أعمالهم، ابتداء بطرد معظم الفلسطينيين من وطنهم منذ أكثر من نصف قرن وحتى إقامة جدار الفصل العنصري حول الفلسطينيين المتبقين في بلدات وقرى الضفة الغربية! هذا ما يقوله اليهود العقلاء، ويضيفون أنهم يؤمنون بأن السلام مشروط باعتراف الإسرائيليين بمسؤوليتهم عن ارتكاب الظلم بحق الشعب الفلسطيني، وبالرغبة في إنصافه، أي الاعتراف له بحق العودة وبالتعويض عن الظلم الذي لحق باللاجئين الفلسطينيين جيلاً بعد جيل!

غير أن هذا الذي توصل إليه عدد من المفكرين العلماء الإسرائيليين في عام 2004 يبدو بعيداً جداً عن واقع القيادات الإسرائيلية المدعومة من الإدارات الأميركية، فهذه القيادات تصوّر الفلسطينيين- كما يقول العقلاء اليهود- على أنهم دون البشر! وبالفعل فإن هذا ما يبرر للوحش الصهيوني الخرافي محاصرتهم والتهامهم كل يوم، ولذلك رأينا هؤلاء العقلاء يختتمون مذكرتهم بالتحذير التالي: "كل من لديه عيون ترى وآذان تسمع يعرف أن الخيار أمامنا نحن الإسرائيليون هو إما مائة عام أخرى من صراع سينتهي بإبادتنا، أو بناء شراكة بين جميع من يقطنون هذه الأرض، حيث من الممكن لمثل هذه الشراكة أن تحولنا نحن اليهود من أجانب إلى سكان أصليين"!

www.snurl.com/375h     

 

Hosted by www.Geocities.ws

1