عندما تنم القوة عن الضعف!

بقلم: نصر شمالي

منذ أحكموا السيطرة على شمال القارة، واستكملوا بناء دولتهم المطلة شرقاً على المحط الأطلسي وغرباً على المحيط الهادي، بدأ الأميركيون يتطلعون إلى اقتحام العالم عبر الاتجاهين وإلى جعله مجالاً حيوياً لمصالحهم! لقد أصبح إخضاع الأمم، وتدميرها إذا اقتضى الأمر ذلك، هاجسهم وشغلهم الشاغل بعد نجاح تجربتهم الإبادية الاستيطانية، وعلى هذا الأساس دعا البرت بيفريدج، ممثل ولاية آنديانا في مجلس الشيوخ، في مرحلة مبكرة جداً إلى تأمين منافذ وأسواق، وإلى الاستيلاء على مستعمرات تصب الولايات المتحدة فيها فائض إنتاجها الزراعي والصناعي، وهو أعلن قناعاته تلك عبر خطاب رسمي قال فيه: إن الله لم يهيئ خلال ألف عام الشعوب الناطقة بالإنكليزية كي تتأمل نفسها بكسل ودون طائل. لقد جعل الله منا أساتذة العالم كي نتمكن من نشر النظام حيث تسيطر الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم كي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية والهرمة. ومن دون هذه القوة سوف تعم البربرية العالم مرة أخرى وسوف يسوده الظلام. وقد اختار الله الشعب الأميركي دون سائر الأجناس كشعب مختار يقود العالم أخيراً نحو تجديد ذاته!

إن مضمون هذا الخطاب القديم مازال يتكرر على لسان المسؤولين الأميركيين حتى يومنا هذا، ولسوف يغلفون دائماً أحط الأهداف والغايات بإرادة الله! فما يتردد اليوم على لسان الرئيس الأميركي الحالي بوش، تردد مثله على لسان الرئيس جون كوينسي آدامز عام 1842، حيث في ذلك العام، قبل أكثر من قرن ونصف، قال آدامز: إن الالتزام الأدبي بإجراء مبادلات تجارية بين الأمم يرتكز كلياً وبصورة حصرية على التعاليم المسيحية التي تطلب منا أن نحب قريبنا كما نحب أنفسنا، لكن الصين، وهي أمة ليست مسيحية، لا تستشعر الارتباط بهذه التعاليم، فنظامها شرس ومعاد للمجتمع، والمبدأ الأساسي للإمبراطورية الصينية مبدأ معاد للتجارة، فهو لا يعترف بوجوب إجراء مبادلات تجارية مع بلدان أخرى. لقد حان الوقت لوضع حد لهذا التعدي (الصيني) الفظيع على حقوق الطبيعة البشرية وعلى المبدأ الأساسي لحق الأمم!

وجدير بالذكر أن التجارة التي تحدث عنها آدامز، والتي اعتدت الصين عليها، هي تجارة الأفيون التي كان يمارسها الإنكليز والأميركيون في الصين حينئذ! على أية حال، لقد انطلقت عمليات اقتحام العالم رافعة شعار روزفلت الشهير الذي مازال معمولاً به حتى اليوم، والقائل: إن قدرنا هو أمركة العالم. تكلموا بهدوء، واحملوا عصا غليظة، عندئذ يمكن أن تتوغلوا بعيداً!

الانحدار بدأ عام 1969!

اليوم، يصر الأميركيون على مواصلة عمليات إحكام هيمنتهم على العالم، التي لم تتحقق كما أرادوا لها في القرن الماضي، وذلك بسبب نهوض الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وحلفائها عموماً في جميع القارات، فقد تجدد حلمهم وانتعش بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ورأوا أنفسهم القوة الوحيدة المؤهلة للإمساك بزمام الاقتصاد العالمي، ولوضع اليد على الموارد الطبيعية للشعوب عموماً، وذلك بعد تطويع الدول وفرض الوصاية السياسية عليها، فإذا أنجزوا ذلك تحققت لهم أمركة العالم أو صهينته أو عولمته لا فرق!

غير أن أوضاع العالم تغيّرت جذرياً عما كانت عليه قبل حوالي أربعين عاماً، حين كانت الأوضاع تبدو ملائمة لتحقيق استراتيجية الإمبراطورية الأميركية، ففي العام 1969 انكشفت علناً حقيقة أن الولايات المتحدة قد تحولت من دولة مصدّرة إلى دولة مستوردة، ومن دائنة إلى مدينة، وقد حدث ذلك في لحظة تاريخية بلغ فيها النمو البشري والمادي العالمي حداً يتناقض كلياً مع إمكانية تحقيق الحلم الأميركي الإمبراطوري، وبالتالي أصبح الإصرار على المضي قدماً يعني استخدام القوة بطريقة لا تتفق مع تعاليم روزفلت، أي أن القوة، مهما بلغ جبروتها، فإنها أصبحت قابلة للفشل في تحقيق الأهداف الأساسية التي تستخدم من أجل تحقيقها، وبالفعل فقد غدت القوة الجبارة واستخداماتها المفرطة المدمرة، كما هو الحال في العراق وأفغانستان، دليلاً من دلائل الضعف التاريخي الأميركي، عندما عجزت عن تحقيق أي من أهدافها الرئيسية أمام صمود وبسالة العراقيين والأفغانيين، وهكذا فإن التمادي في إظهار القوة وزجها أكثر في ميادين القتال سوف يؤدي إلى إظهار المزيد والمزيد من الضعف التاريخي الأميركي!

النفط العراقي والنفط الروسي!

لقد خطط الأميركيون لاحتلال العراق وتملكه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مباشرة، وقد وضعت الخطط بقيادة ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي الذي كان وزيراً للدفاع في مطلع التسعينات، وبالطبع ما كان لهم أن يفكروا مجرد التفكير باحتلال العراق لو أن الاتحاد السوفييتي كان موجوداً، وقد قدّروا أن استيلاءً سهلاً جداً على العراق، كما كانوا يتوقعون، سوف يضع احتياطي النفط العراقي العملاق المقدر بحوالي 400 مليار برميل بأيديهم بالكامل، وسوف تكون الطرق بعد ذلك مفتوحة أمامهم بالراحة التامة ما بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، حتى أنهم كانوا على يقين من أنهم سوف يضعون أيديهم على نفط روسيا الاتحادية التي قدّروا أنها لن تنهض أبداً من سقطتها! وقد سمعنا مؤخراً مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية أميركا السابقة، تقول أن روسيا تمتلك ثروات طبيعية هائلة بصورة غير عادلة! لقد أرادت الذئبة الصهيونية أن تقول بأنه ليس من حق روسيا التفرّد بإدارة واستغلال ثرواتها! وهذا يذكرنا بالنظرية العنصرية الأوروبية التي تنص على مبدأ التركة المشتركة للبشرية جمعاء، وأنه لا يحق لأحد أن يحول دون استغلال ثروته الخاصة من قبل الآخرين إذا كانوا أقدر على استغلالها! وقد ردّ الرئيس الروسي بوتين على تصريح أولبرايت قائلاً: إن مثل هذه الأفكار تدور في رؤوس بعض السياسيين، فالبعض يفكر في كيفية الوصول إلى احتياطات روسيا النفطية، بما في ذلك احتياطات منطقة سيبيريا الشرقية! وأضاف بوتين مؤكداً أن روسيا ليست العراق، وأنها تملك ما يكفي من الوسائل والقوة للدفاع عن مصالحها على أراضيها أو في مناطق أخرى من العالم! لقد أراد الرئيس بوتين، بإشارته إلى الفرق بين روسيا والعراق، القول بأن العراقيين يقاتلون داخل حدودهم الوطنية فقط، أما الروس فسوف يقاتلون داخل حدودهم وخارجها!

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1