عندما تقرّر استئصال البعثيين في العراق!
بقلم: نصر شمالي
منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 2003 صادقت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش على الانتقال الهام في العراق بالتحول من الحرب بقوات نظامية إلى الحرب بالقوات السرية الخاصة، وذلك من أجل تحقيق هدف رئيس، حدّده مسؤولون أميركيون كبار، هو حسب قولهم: تصفية مجموعات البعثيين الذين يقفون وراء أعمال المقاومة السرية لقوات الاحتلال الأميركي وحلفائها! وقد شكلت لهذا الغرض وحدة أميركية خاصة انتقي أفرادها من قوات دلتا، ومن القوات البحرية الخاصة، ومن عناصر وكالة المخابرات المركزية، إضافة إلى أفراد من ما يسمى بالقطاع الأمني الخاص، أي الشركات التي تعدّ المرتزقة للعمليات القذرة المأجورة! وكان على القيادة العليا لهذه القوات دراسة مسألة: تحييد المتمردين البعثيين بالاعتقال والاغتيال، ورفع تقريرها إلى إدارة بوش في مهلة أقصاها غاية شهر كانون الثاني/ يناير 2004، وبالفعل أعدّ التقرير الذي حملت خطته عنوان: عمليات اصطياد البشر! وأمام غرابة وفظاعة هذا التوجه، الذي اعتمد من قبل أعلى المستويات الرسمية، فسّر أحد المستشارين في وزارة الدفاع للكاتب الأميركي سيمور هيرش السبب بقوله: إن الإطاحة بنظامين (أفغانستان والعراق) تبيح لنا أن نفعل أموراً غير اعتيادية!
* * *
غير أن ذلك التحوّل الهام في نمط العمليات الحربية الأميركية لم يقتصر على القوات المذكورة بل شمل العصابات المحلية والجواسيس المحليين، وشمل أيضاً الإسرائيليين الذين قدّموا خبرتهم في قمع المقاومة، حيث تعاونت وحدات الكوماندوس والمخابرات الإسرائيلية بشكل مكثّف في عمليات التدريب التي جرت في فورت براج شمال ولاية كارولينا، وأيضاً في فلسطين المحتلة، ثم أثناء تنفيذ العمليات في العراق!
يقول سيمور هيرش أن جدلاً واسعاً دار بين القادة الأميركيين حينئذ، أواخر عام 2003، حول ما إذا كان استهداف أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين يشكل أسلوباً عملياً أو سياسياً فعالاً لتحقيق الاستقرار في العراق، أي تحقيق الخضوع للاحتلال، وذلك بعد الفشل المتكرر للعمليات الحربية النظامية، وبعد الفشل المتكرر أيضاً في الحصول على مصادر معلومات استخباراتية عراقية ثابتة وموثوقة! لقد كانوا يخططون لتشكيل فريق من كبار مسؤولي المخابرات العراقية السابقين للاستعانة به في اختراق المقاومة الوطنية، وقد وصف مسؤول في المخابرات الأميركية هذه الخطة بقوله: قناصون أميركيون ومخابرات عراقية، ثم نسدّ أنوفنا، ونترك قوات دلتا وقناصي الوكالة يحطمون الأبواب ويستأصلون المقاومين! أما أحد المستشارين الأميركيين للحكومة العراقية المؤقتة (عام 2003) فقد قال: إن الطريقة الوحيدة للانتصار هي اتباع وسائل غير تقليدية، حيث يجب أن تلعب لعبتهم: رجال عصابات ضدّ رجال عصابات، فلكي نستطيع إخضاع العراقيين لابدّ من إرهابهم!
* * *
لقد كانت قوات الاحتلال النظامية في وضع صعب حقاً أمام فعالية المقاومة العراقية التي برزت منذ الأيام الأولى، وقد صرّح حينئذ أحد المسؤولين الأميركيين قائلاً: لدينا هذه القوات التقليدية الضخمة التي تحوّلت إلى أهداف سهلة، وصار ما نفعله بلا جدوى، فنحن نحارب البعثيين من دون أن تكون لدينا استخبارات!
يقول سيمور هيرش أن الإدارة الأميركية (أواخر عام 2003) كانت على يقين أن مجرّد اعتقال أو اغتيال الرئيس صدام حسين والحلقة المحيطة به لن يوقف أعمال المقاومة، وأن الإدارة الأميركية تحوّلت إلى عمليات القوات الخاصة، كخطة جديدة، باعتبارها تستهدف استئصال الوسط العريض من البعثيين الذين يعملون في الخفاء!
غير أن محاولة استئصال البعثيين، ومجمل فصائل المقاومة الوطنية العراقية، كانت عرضة للخروج عن السيطرة والتحول إلى ما يسمى برنامج فينكس الذي استخدم ضدّ المقاومة الفيتنامية، حيث راحت القوات الأميركية الخاصة، بتشكيلاتها المختلفة من القوات النظامية والمرتزقة والعملاء المحليين، تعتقل وتغتال الفيتناميين لا على التعيين بتهمة التعامل أو مجرّد التعاطف مع المقاومة، فخرجت العملية عن نطاق السيطرة، وقتل حوالي 41 ألفاً من المدنيين الأبرياء العزّل ما بين العامين 1968 – 1972، أي خلال أربع سنوات، أما ما ترتب على ذلك فإن الهزيمة الأميركية في فيتنام كانت أبرزه!
* * *
والآن، لنلاحظ أن التحول إلى العمليات الخاصة القذرة في العراق قد مضت عليه ثلاث سنوات بالضبط، وليس أربع سنوات كفيتنام، غير أن عدد الضحايا الأبرياء هنا بلغ مئات الألوف، ربما حوالي سبعمائة ألف كما يقال، وها هم المحتلون يتوّجون جرائمهم الفظيعة بإعدام يشبه الاغتيال للرئيس الأسير صدّام حسين، وهو الإعدام الذي كان مقرراً سلفاً كما أوردنا سابقاً، والذي يجب النظر إليه في إطار هذه الحرب المهولة التي عرضنا باقتضاب شديد بعض ملامحها، فكيف ستكون النتيجة؟
إن الأميركيين يأملون من وراء فعلتهم الأخيرة الانسحاب جانباً، ومتابعة ما يتوقعونه من حروب أهلية وإقليمية عبثية، طاحنة وقذرة، بينما هم يسدّون أنوفهم، فهل يعقل أن تتحقق آمالهم الشريرة هذه؟!
www.snurl.com/375h