علاقات تتهاوى، وبدائلها تتعثر!

بقلم: نصر شمالي

مرة أخرى نقول أنه لم يعد ضرباً من المبالغة الحديث عن تعثّر أميركي، بلغ حدّ الاستعصاء، بصدد مشروع النظام الدولي الجديد الذي تصدّت واشنطن لتحقيقه ميدانياً منذ مطلع هذا القرن، أي منذ وصول إدارة بوش الإبن وفريقه من المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض. لقد هبّ  الرئيس جورج بوش الابن لبعث دعوة والده الرئيس الأسبق منذ اللحظة الأولى لتوليه مقاليد الحكم، وبدأ العمل ميدانياً من أجل إقامة "نظام دولي جديد ملائم"! وهو النظام الذي تحدّث عنه والده في مطلع تسعينات القرن الماضي، مستضيئاً بنيران حرب الخليج الثانية! وبالطبع كان المقصود والمطلوب نظاماً دولياً جديداً "ملائماً" للولايات المتحدة، بعد اضمحلال النظام القديم الذي نهض بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كانت معظم بنيته من صنع واشنطن.

لقد تلقت أغلبية دول العالم دعوة الرئيس بوش الأب بحذر شديد، أما بعد عشر سنوات، عندما تولى المهمة ابنه، فقد أضيف الارتياب إلى الحذر، حيث استمعت أوروبا الغربية مذهولة إلى وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد وهو يخاطبها بوقاحة لا مثيل لها، متحدثاً عن القارة الأوروبية العجوز التي ليست أكثر من مجرّد عقار! وقد حدث ذلك قبل الانقضاض على العراق طبعاً، الذي كانت الإدارة الأميركية مطمئنة إلى نجاحه نجاحاً تاماً، ومطمئنة إلى ما سيترتب على النجاح من إحرازها إمكانيات التفرّد في إدارة العالم!

انهيار القديم وتعثر الجديد!

كان احتلال العراق وتملّكه هو كلمة السّر السحرية (افتح يا سمسم!) التي اعتقد الأميركيون أنها صارت في حوزتهم، وهو ما يفسّر وقاحة الأميركيين في مواجهة حلفائهم التاريخيين، الأوروبيين وغير الأوروبيين بما فيهم الحكام العرب، فهم بدأوا بتقويض النظام القديم متأكدين إلى درجة اليقين من نجاحهم في إقامة النظام الجديد على أنقاضه فوراً! وإمعاناً منهم في الثقة والتأكد توجهوا إلى آسيا، وعرضوا على الصين والهند مداورة الاشتراك معهم في إدارة النظام الدولي الجديد، متكئين مرة أخرى على ثقتهم الراسخة بنجاحهم في احتلال العراق وتملّكه، حيث الشركاء الجدد في إدارة النظام الدولي الجديد سوف يكونون بعد تملّك الأميركيين للعراق وقيام "الشرق الأوسط الجديد" في موقع التابع، مثلما كانت أوروبا الغربية في موقع التابع!

لقد أبقت واشنطن النظام الدولي القديم على حاله إلى حين، بعد انتهاء حقبة ما يسمى بالحرب الباردة، فثبتت ميزان القوى التقليدي رغم اضمحلال نفوذ بعض الدول الأوروبية الكبيرة، وبدأت بضم دول شرق أوروبا وبعض دول البلقان إلى حلف شمال الأطلسي، ومن جهة ثانية وسّعت دائرة "منظمة الغات" وحوّلتها إلى منظمة التجارة العالمية، فبدت هذه السياسة في عهد الرئيس بيل كلينتون، كأنما هي تعطي ثمارها، حيث نجحت عمليات تدخل حلف الأطلسي في البوسنة وكوسوفو، وجرى تجديد العمل باتفاق الحدّ من انتشار الأسلحة النووية، لكن ذلك التوازن أدى إلى تعاظم استياء الآسيويين، الذين تعرضوا لكوارث مالية رهيبة على أيدي صندوق النقد الدولي في العامين 1997 – 1998، كما أن الصين عبّرت عن انزعاجها من مماطلة منظمة التجارة الدولية في قبول عضويتها، والهند عبّرت عن ضيقها بمعارضة واشنطن لبرنامجها النووي!

محاولات إغواء الصين والهند!

وهكذا فإن الولايات المتحدة، الحريصة على فرض نظام تقسيم القوة بين الدول مثل حرصها على فرض نظام تقسيم العمل، وجدت نفسها في مأزق شديد الصعوبة والتعقيد بعد فشلها في السيطرة على العراق وتملّكه. وبينما رأينا الأميركيين يعتذرون من حلفائهم الأوروبيين علناً عن الإهانات التي وجهوها إليهم عشية الحرب ضدّ العراق، ويطيّبون خاطر حلفائهم من الحكام العرب ويطمئنونهم بعد الرعب الذي سببوه لهم، رأيناهم في الوقت نفسه يبرمون اتفاق تعاون مع الهند في مجال الطاقة النووية المدنية، ويعترفون ضمناً بالهند كدولة نووية، ويدعونها مع البرازيل وجنوب أفريقيا إلى غرفة اجتماعات منظمة التجارة الدولية في الدوحة، ويحثون الصين على المشاركة دورياً في اجتماعات منظمة وزراء المالية وحكام المصارف المركزية في مجموعة الدول الصناعية السبع! ليس هذا فحسب، فقد سعت إدارة بوش الابن إلى تغيير نظام كوتا التصويت في صندوق النقد الدولي لتتناسب حصة الصين من هذه الكوتا مع ثقلها الدولي! وأكثر من ذلك، ففي كانون الثاني/ يناير 2006 أعلنت وزيرة الخارجية كوندا ليزا رايس من منبر جامعة جورج تاون قرارها بنقل مئة موظف في الخارجية الأميركية من أوروبا إلى الهند والصين! وكان نائب وزيرة الخارجية روبيرت زوليك قد دعا الصين إلى :" شراكة مسؤولة في النظام الدولي الجديد"!

ضمن حدود الارتجال والتخبط!

ومع ذلك فإن المحللين الأميركيين يرون أنه من المبكر الحديث عن إمكانية نجاح واشنطن في ضم بكين ونيودلهي إلى المنظومة الدولية بالصورة التي تناسبها! وبالفعل، لا يستطيع المرء رؤية ما يغري الصين والهند بالدخول في تحالف على حساب العالم، تحدّد طبيعته وتقوده الإدارة الأميركية، خاصة وأن هذه الإدارة لم تعد طليقة في فرض ما تريده، فبعض قادة الحزب الديمقراطي يرفضون زيادة صلاحيات الصين في صندوق النقد الدولي، وبعض الأوروبيين يرفضون علناً استمرار الولايات المتحدة في احتكار إدارة البنك الدولي وإدارة صندوق النقد الدولي منذ عام 1945 وحتى يومنا هذا، وقد استغلوا مشكلة وولفويتز للمطالبة صراحة بتداول هاتين الإدارتين!

الخلاصة: لقد بلغ تعثّر المشاريع الأميركية الدولية حدّ الاستعصاء بعد فشلها في العراق، وما تفعله اليوم في كل مكان لا يتعدى فعلياً حدود الارتجال والتخبط!

  www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1