عالم هشّ محفوف بالمخاطر!
تكراراً، ولكن ليس من دون ضرورة ملحة تقتضي التكرار، نقول أن الخلاف بين الحزبين الحاكمين المستبدّين في الولايات المتحدة بصدد العراق ليس سببه مبدأ الاحتلال بل فشل الاحتلال، فلو أن النجاح تحقق لكان الرئيس بوش بطلاً أميركياً قومياً، خاصة بسبب ما كان سيترتب على النجاح من هيمنة شبه كاملة على المنطقة العربية والإسلامية، ونقول أن المعيار الأول للنجاح الأميركي هو تحقيق الأمن (أي الاستسلام والتسليم) الذي يمكنهم من السيطرة على النفط العراقي من منابعه إلى أسواق استهلاكه، وعلى هذا الأساس قال تقرير مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس أن من مظاهر فشل الاحتلال: عدم تحسّن قدرات قوات الأمن العراقية، وعدم تمرير البرلمان العراقي للتشريعات المهمة (تشريعات النفط) وارتفاع مستوى العنف! (صحيفة واشنطن بوست – 30/8/2007) أي أن معيار نجاح الاحتلال هو تشكيل قوات عراقية قادرة على تصفية المقاومة لتمكين البرلمان العراقي من إصدار تشريعات تكفل للأميركيين السيطرة على النفط العراقي من منابعه إلى أسواقه، وهو ما لم يتحقق وما يبدو تحقيقه مستبعداً جداً. وجدير بالذكر أن وزير النفط العراقي أعلن قبل أيام أن خطة حكومته تقضي برفع الإنتاج إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل في العام 2010، أي إلى ثلاثة أضعاف ما هو عليه حالياً، لكننا نعرف أن هذا الرفع كان متوقعاً تحقيقه خلال العام الأول من الاحتلال، غير أنهم فشلوا في ذلك!
الخيبة في منطقة قزوين!
ولكي نلمّ أكثر بأبعاد ونتائج هذا الفشل، الذي وضع المؤسسات الأميركية الحاكمة في حالة اضطراب شديد، نذكّر بالخيبة التي سبقته، المتعلقة بنفط منطقة بحر قزوين، فعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية كان الرهان الأميركي الأكبر منصباً على مدّ خط أنابيب للنفط من باكو، مروراً بجورجيا، وصولاً إلى تركيا، وهو خط يبلغ طوله 1750 كم ويصل ما بين بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط. لقد تجنبت شركة "بريتش بتروليوم آموكو" الموكول إليها تنفيذ المشروع تمريره عبر روسيا، وبلغ عدد العاملين فيه لمدة عامين اثني عشر ألفاً، بكلفة إجمالية وصلت إلى 3.6 مليار دولار، وكانت وراء المشروع مجموعة من الشركات المتعدّدة الجنسيات، في مقدمتها الشركات الأميركية، ومع أن تمويل مثل هذه المشاريع ليس من وظائفهما فقد ساهم في التمويل كل من البنك الدولي والبنك الأوروبي!
لقد راهنت واشنطن على موارد نفطية، قدّرت أنها كبيرة، ستنتجها منطقة باكو، وبلغ اهتمامها حداً جعلها تنظّم دوريات أمنية جوية مستمرة فوق تلك المنطقة، وكذلك دوريات برّية مسلحة على طول طريق خط الأنابيب البالغ 1750 كيلو متراً، إضافة إلى الاستعانة بمراقبة الأقمار الصناعية! لقد كانت واشنطن تسعى إلى عزل إيران واحتواء روسيا! غير أن كميات النفط جاءت أقلّ بكثير مما كان مؤملاً، حيث بقيت في حدود 300 ألف برميل يومياً بدلاً من المتوقع وهو مليون برميل! وهكذا صارت مسألة احتلال العراق والسيطرة على نفطه مسألة مصيرية بعد تلك الخيبة، فكانت المغامرة المدهشة والأكاذيب المذهلة، وماترتب عليهما من أقوال وأفعال أشبه بأقوال وأفعال المجانين الخطرين!
الازدهار بالنفط يزول بزواله!
يقول الفرنسي إريك رولان في كتابه (الوجه الخفي للنفط) أن الحقول التي تشكلت في العالم على مدى حوالي 500 مليون سنة يتمّ استنزافها على مدى قرن واحد فقط، فثمة حالة عماء يعيشها الغرب بصدد النفط، حيث استهلاكه يشير إلى غياب تام للإحساس بالمسؤولية!
إن حكومات الدول الثرية الاحتكارية تتصرف كما لو أن حالة الإزدهار السائدة، التي لا مثيل لها، هي حالة أبدية، بينما الواقع يقول أن هذا الازدهار الذي نهض على النفط سوف يزول مع زواله، والخطر الأكبر هو أننا نعيش اليوم في عالم هشّ محفوف بالمخاطر، فسيطرة النفط لم تكن سوى فاصل زمني قصير في تاريخ العالم، وحتى الآن ليس هناك أي مصدر بديل للطاقة يحل محلّ النفط، ويستطيع تشغيل منظومات الإنتاج والتنمية السائدة، وبينما الحال كذلك يقول هنري كيسنجر أن الطلب على الطاقة يمكن أن يصبح مصدراً للحياة أو الموت بالنسبة للعديد من المجتمعات، فعندما تنتشر الأسلحة النووية وتصبح في متناول حوالي ثلاثين إلى أربعين دولة، ويتصرف كل منها بناء على حساباته الخاصة، يصبح العالم مهدّداً باستمرار بكوارث وشيكة! أي أن كيسنجر وأمثاله يصرّون على احتكار ما تبقى من النفط وتبديده على هواهم مهما كلف الأمر، وهذا ما يحاولونه في بلادنا، وخاصة في العراق، غير أن للأمم رأي آخر وفعل آخر، ومحاولاتهم الحمقاء تبدو اليوم عرضة للانهيار في كل مكان، وهم سوف ينصاعون في النهاية لإرادة الأمم، ولمتطلبات الحياة الحقيقية الطبيعية في بلادهم قبل غيرها، فالعالم الهش هو نظامهم الدولي وليس الإنسان.