شعب غزة السجين وإدارته السجينة!
على مدى عشرات السنين الماضية، وحتى يومنا هذا، يعيش الشعب الفلسطيني بأكمله، بملايينه التي تجاوزت العشرة، في مواجهة حالة الإبادة الرهيبة التي تتراوح بين الحصار والعزل والنفي وبين الاعتقال والتدمير والقتل! إنها عمليات متواصلة شاملة يديرها الأميركيون، وينفذها اليهود الصهاينة، ويدعمها أو يتواطؤ معها تحالف الخيانة والانتهازية والجهل العربي، وهي عمليات تهدف إلى تكرار التجربة الأميركية والأسترالية، أي إلى تحقيق اضمحلال الشعب الفلسطيني وزواله، علماً أن زوال شعب من الشعوب يتحقق أيضاً بتحوله أخيراً إلى تابع مطيع، أشبه بالعبيد إن لم نقل أشبه بالقطعان!
في السنوات الخمس الأخيرة، خاصة بعد احتلال العراق واضطراب أوضاع المحتلين، جرى التركيز على إقامة الجدران العازلة في فلسطين ثم في العراق، وعلى توسيع نطاق المعتقلات لتتحول بلدات ومدن بأكملها، في فلسطين والعراق، إلى سجون كبيرة غير رسمية، وتتحوّل مجتمعاتها بأكملها إلى سجناء غير رسميين، وهاهو قطاع غزة أعظم مثال على ذلك، فقد تحوّل إلى معتقل نظامي بكل ما في كلمة معتقل من معنى، بمساحته البالغة 360 كيلو متراً مربعاً وبعدد سكانه البالغ مليوناً ونصف من الجنسين ومن جميع الأعمار، وإن هم لم يعلنوه معتقلاً رسمياً، بل اعتبروه وياللعجب وياللعار دولة لحركة حماس السجينة فيه بدورها!
لقد أصبح قطاع غزة معتقلاً نظامياً غير رسمي لشعبه، فمداخله ومخارجه ومعابره مغلقة جميعها براً وبحراً وجواً، ومخفورة بحراس إسرائيليين وعرب، وحياته الداخلية مراقبة ومضبوطة على مدار الساعة مثل أي سجن نظامي رسمي، فلا حرية لنزلائه في التنقل وفي الحصول على احتياجاتهم من الغذاء والدواء والماء والكهرباء، إلا بالمقادير المقنّنة بتقتير شديد، التي يقرّها السجان الأميركي/ الإسرائيلي/ العربي!
لكن حقيقة كون قطاع غزة معتقلاً نظامياً غير رسمي تختفي عن الأنظار والألباب بفعل مؤامرات الصمت الدولية، وبفعل تواطؤ وتعاون تحالف الخيانة والانتهازية والجهل، وتختفي هذه الحقيقة أيضاً لأن الضحايا أنفسهم لا يقرّون بها، وذلك بسبب الاتساع الهائل لمساحة معتقلهم قياساً بالمعتقلات الرسمية الصغيرة جداً، وأيضاً بسبب أعدادهم وتجمعاتهم الكبيرة المفتوحة على بعضها، وبسبب عدم حرمانهم من حياتهم الأسرية المستمرة طوال الوقت!
إن قطاع غزة معتقل نظامي كبير مثله مثل المعتقل الصغير الرسمي في صحراء النقب (معتقل كتسيعوت) الذي انتفض نزلاؤه وقمعوا بشدّة قبل أيام. إن الفارق يقتصر على المساحة وعدد النزلاء، وعلى حرمان المعتقل الصغير من الحياة الأسرية، فلماذا لا ينظر إلى قطاع غزة باعتباره كذلك؟ الجواب هو أنه عندما تتحول بلدة أو مدينة أو إقليم بكامله إلى سجن، ويتحوّل الشعب بكامله، بأطفاله ونسائه ورجاله، إلى سجناء، فإن الخصائص المباشرة، المحدّدة والمرئية، للسجن والسجناء تغيب عن الأبصار والبصائر، بل الأدهى أن الحياة في المدينة/ المعتقل تبدو للكثيرين كأنما هي عادية لكنها شاقة! أي أن الضحايا يتخلون عن خصائصهم وامتيازاتهم الإنسانية الطبيعية شيئاً فشيئاً من دون أن يدروا بذلك أو يتعمدوا فعل ذلك، وإذا بهم يتعايشون مع سجنهم الكبير بكل ما يعنيه ذلك من انحدار إنسانيتهم، وهذا ما يسعى إليه العدو!
لقد كشفت الأحداث المأسوية في معتقل النقب الصحراوي الإسرائيلي، التي وقعت بتاريخ 21-22/10/2007، عن المدى المروّع من الانحدار والبلادة الذي يمكن أن يصل إليه الحسّ الإنساني، ليس في أوساط العالم الخارجي فقط بل في أوساط العالم الداخلي أيضاً، فقد تحدّث مقرّر لجنة الأسرى في المجلس التشريعي الفلسطيني عن "الوضع الخطير جداً" في المعتقل الإسرائيلي الصغير، حيث استخدم السجانون الإسرائيليون ضدّ المساجين الفلسطينيين، البالغ عددهم 2300 سجيناً، الرصاص الحيّ والمطاطي والغاز المسيل للدموع، وكبّلوهم واعتدوا عليهم بالضرب، وكسروا أرجلهم وصدورهم..الخ! وهذا كله مهم وخطير بالطبع، ولكن شرط أن لا يظهر من الحديث كأنما الشعب الفلسطيني يعيش حياته العادية الطبيعية التي لا يعكرها ولا يروّعها من حين لآخر سوى ما يقع في المعتقلات الإسرائيلية الرسمية الصغيرة!
إن عدد الفلسطينيين المعتقلين رسمياً، وهو أحد عشر ألفاً، لا يقاس بالملايين المعتقلة بصورة غير رسمية، وإن مساحة المعتقلات الصغيرة الرسمية لا تقاس بمساحات المدن/ المعتقلات غير الرسمية، أما القمع الوحشي لانتفاضة سجناء معتقل النقب فإنه لا يقاس بفعالية غارة واحدة من الغارات الصهيونية الجوية والبرية التي تشن ضد المدن/ المعتقلات طوال الوقت، في الضفة والقطاع، والتي تنتهي دائماً بعدد من القتلى والجرحى والأسرى والمشردين من بيوتهم المهدّمة، غير أن نتائج الغارات المتكررة المفتوحة تضيع في الزحام الهائل من المعتقلين وفي المساحة الكبيرة للمعتقل، ويطويها النسيان أو الصمت بعد ساعات، أي أن الضحايا يستسلمون لفعل الصدمة العسكرية وقد تعطلت ردود أفعالهم الطبيعية المتوقعة، وإن هذا بالضبط ما يسعى العدو إلى تحقيقه وتكريسه كخطوة على طريق زوال الشعب الفلسطيني!
تبقى المسألة الحساسة المتعلقة بما آلت إليه أوضاع قطاع غزة، حيث يزعم البعض أن المسؤولية في ذلك تقع على عاتق حركة حماس، ولكن هذه الحركة المجاهدة هي سجينة بدورها في قطاع غزة! إن قادة حماس في غزة هم سجناء يقومون بمهمة الإدارة الذاتية للمساجين عموماً، تماماً كما يحدث في السجون الرسمية، وإنه لمن الحمق أو سوء النية تحميل حركة حماس هذه المسؤولية، وإذا كان ثمة ما تسأل عنه الحركة فهو نجاح العدو في استدراجها إلى هذا المعتقل الكبير النظامي، غير الرسمي، عبر خطة خبيثة وضعت قبل الانتخابات التشريعية وبدأ تنفيذها خلال الانتخابات وبعدها!
إن الإدارة الحقيقية لمعتقل غزة الكبير هي تلك التي تمنع الحوار والاتصال بين الفلسطينيين منعاً باتاً، والتي تغلق بإحكام جميع المعابر والمداخل والمخارج، وتضبط الحياة داخل المعتقل بالغارات والمؤامرات والحرمان على مدار الساعة! إنها الإدارة الأميركية/ الإسرائيلية، يساعدها تحالف الخيانة والانتهازية والجهل الذي يتلذّذ بتحميل المسؤولية كاملة لحركة حماس، فأية مصيدة شيطانية وقعت في شراكها هذه الحركة، وكيف غابت عن بالها الحقيقة البسيطة، التي طالما أشار إليها شيخها الشهيد، القائلة بأن لا ديمقراطية ولا انتخابات ديمقراطية ولاسلطة وطنية في ظل الاحتلال، حيث الوطن كله سجناً والشعب كله سجيناً!