دولة فلسطينية من دون فلسطين!
نحن العرب نتفهم جيداً مأزق اليهود الذين جرى تحشيدهم في فلسطين العربية المحتلة، وكلفوا أو فرض عليهم القيام بعمليات الإبادة والاستيطان الرهيبة، فقاموا بها طوعاً أو كرهاً، ثم اعتادوها وأدمنوها عموماً، بينما كلفنا نحن العرب أو فرض علينا القيام بدور الضحية، فتحقق ذلك كله على مدى عشرات السنين الماضية، كما لو أنه واحدة من تلك التراجيديات السينمائية العجيبة التي تخرجها هوليوود!
لقد توهم اليهود أنهم أقاموا حقاً دولة طبيعية على أرض فلسطين التي وعدهم بها ربّهم! غير أن هذه الدولة الوهمية تبدو بحاجة للاستمرار إلى ما لا نهاية في عمليات الإبادة والاستيطان، وأنها سوف تتبخر في اللحظة التي تتوقف فيها مثل هذه العمليات، فكيف يمكن لليهود الخروج من هذا المأزق الرهيب حقاً، حيث إذا كانوا يعرفون أن توقفهم عن القتل سوف يعني خسارتهم كل شيء فإن العرب، في المقابل، يعرفون أن تنازلهم جدّياً عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والتسليم بأنها ليست جزءاً لا يتجزأ من بلادهم والتخلي عن المقاومة، سوف يعني أيضاً خسارتهم بدورهم كل شيء!
يقول روني بيرت، العضو في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أنهم حصلوا على 84 مليار دولار من الهبات منذ تأسيس دولتهم الوهمية، وأن الفرد الواحد منهم ينال على نحو ثابت مساعدة خارجية تزيد خمسة عشر ضعفاً عن المساعدة التي يحصل عليها فرد آخر في أماكن أخرى من العالم، ويقول أن الارتباط المالي الإسرائيلي بالولايات المتحدة يشكل نقصاً في الاستقلال السياسي الإسرائيلي، وأن الطرفين يعرفان النتائج التي تترتب على ذلك، ويضيف أن "إسرائيل" هي "الدولة" الوحيدة في الشرق الأوسط التي ستعاضد الولايات المتحدة في مواجهة كل أزمة إقليمية، أي أنها مرتهنة تماماً لواشنطن حسب استنتاج روني بيرت، الذي يقترح فطام الإسرائيليين عن المساعدات الأميركية، بخفض المساعدات مائة في المائة على مدى السنوات الخمس والعشرين القادمة، وذلك بعكس ما فعله الوفد الإسرائيلي الذي زار واشنطن في آذار/ مارس الماضي، حيث طلب زيادة المساعدات بنسبة 25% على مدى السنوات العشر القادمة!!
والحال أن المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي لا يستطيع أن يكون إلا ما هو عليه، من حيث الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة والانخراط في ركاب مشاريعها الاستعمارية، فهو مجتمع أعطوه صفة الشعب من دون أن يكون شعباً، وهي دولة أعطوها صفة الدولة من دون أن تكون دولة، وهو وطن أعطوه صفة الوطن من دون أن يكون وطناً!
غير أن الأميركيين يتطلعون، وياللعجب، إلى جعل الضحايا العرب يقبلون طوعاً أو كرهاً بالخضوع للمعايير نفسها التي يخضع لها الإسرائيليون طوعاً أو كرهاً! فالحكومة الأميركية تسعى اليوم إلى جعل الفلسطينيين يقيمون دولة فلسطينية من دون فلسطين، وهي تعتقد أنها حققت خطوات عملية هامة في هذا الاتجاه، حيث هناك من يبدو لها قابلاً بالتنازل عن الأراضي المحتلة عام 1948، التي تشكل أربعة أخماس مساحة فلسطين، مقابل دولة فلسطينية تقوم على الخمس المتبقي المجزأ، المحتل عام 1967، الذي يعج بالمستوطنات الإسرائيلية (حوالي مليون مستوطن إسرائيلي) والذي يختنق بالحصار وبجدار الفصل العنصري المتلوّي في جميع الأنحاء مثل أفعى خرافية قاتلة!
إن واشنطن تسعى إلى إقامة دولة فلسطينية من دون فلسطين! أي إلى إلحاق جزء من الشعب الفلسطيني بخدمتها، بل وإلحاق غيره من المجتمعات العربية، حيث هي بحاجة إلى مثل هذه المجتمعات العربية التابعة، التي تشكل دولاً وهمية من دون أساس، كي تكون صلات وصلها الفعالة سياسياً واقتصادياً وأمنياً ببقية المجتمعات العربية والإسلامية، وبينما هي تسعى لتحقيق ذلك، وترى نفسها كأنما هي تحقق نجاحاً في هذا الاتجاه هنا وهناك، تشتد حملتها على كل نزعة مقاومة، سواء أكانت وطنية أو قومية أو إسلامية، فالمقاومة في عرفها وفي مفرداتها هي الإرهاب الذي ينبغي تجفيف ينابيعه واستئصاله من جذوره، وبالطبع فإن التناغم والتكامل بين سعيها لإيجاد المجتمعات العربية التابعة وبين استئصال المقاومة يبرزان بوضوح، فالنجاح في إقامة المجتمعات التابعة يساعد كثيراً جداً في نجاح عمليات استئصال المقاومة، مثلما استئصال المقاومة يساعد كثيراً جداً في نجاح عمليات إقامة المجتمعات التابعة المتكاملة مع المجتمع الإسرائيلي التابع، إنما مع الفارق الكبير في الرعاية والمكانة!
نحن العرب نعرف طبيعة مأزقنا الرهيب، ونعرف أن المقاومة هي السبيل الوحيد للخلاص منه، أما عن مأزق اليهود فلا نعرف مدى قدرتهم واستعدادهم للخلاص منه، وهو الخلاص الذي نرجوه لهم فعلاً إذا كانوا يريدون ذلك، كما فهمنا من كلام روني بيرت!