خيار المقاومة إجباري، وحيد وضروري!

 

نصر شمالي- سورية

 

لم تعرف الأزمنة الحديثة قضية دولية أكثر تعقيداً ومأساوية من القضية الفلسطينية، التي مازالت منذ أكثر من قرن محور صراع هائل تتوقف على نتائجه مصائر المنطقة العربية، بل مصائر العلاقات الدولية عموماً، ففلسطين بالنسبة للعرب مسألة حياة أو موت، إن هلكت هلكوا وإن نجت نجوا، وهي بالنسبة لقيادات هذا النظام العالمي الفاسد مسألة مصير لسياساتها وقواعدها الدولية ونظامها العالمي، وبكلمة واحدة فإن تحرير فلسطين، بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا يمكن أن يعني أقل من نهوض الأمة العربية والإسلامية، ولا أقل من تغيير العلاقات الدولية، بل تغيير العالم نحو الأفضل.

إن قضية فلسطين، المأساوية المعقدة، ظاهرة تاريخية عالمية من ظواهر هذا العصر الأوروبي الأميركي الظالم، فهي ظهرت معه، وتستمر باستمراره وتضمحل وتزول باضمحلاله وزواله، ولذلك فإن قراءتها وفهمها في نشوئها وتطورها تتحقق بقراءة وفهم النظام العالمي في نشوئه وتطوره، وإن التعامل معها في تعرجاتها وتقلباتها، سياسياً وعسكرياً، لا يمكن أن يكون مجدياً إلا إذا انطلق من اعتبارها ظاهرة من ظواهر هذا النظام العالمي.

ولكن، من المعروف أن التعامل الرسمي مع القضية الفلسطينية يرتكز الى السياسات الرسمية الدولية التي تعتبرها مجرّد مشكلة محدّدة بين شعبين صغيرين يتنازعان قطعة أرض صغيرة يدّعي كل منهما ملكيتها، وأنها قابلة للحل السياسي بتنازلات متقابلة، بينما هي ليست كذلك على الإطلاق، وبينما استقر حال النظام الرسمي العربي على التعامل معها بمنطق النظام الرسمي الدولي، فإن جماهير الشعب الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً تنظر إليها على حقيقتها، باعتبارها قضية وجود أو لا وجود، وهنا، في اختلاف الموقف بين النظام الرسمي العربي والجماهير العربية، يكمن السبب الرئيس للتعقيد المأساوي، وللمعاناة الفلسطينية الرهيبة، حيث الحكومات العربية صارت تتعامل مع المقاومة باعتبارها إرهاباً تخريبياً عبثياً‍‍‍!

والآن، فإن ما سنحاوله في هذه الورقة المتواضعة هو تقديم الدلائل الملموسة على أن قضية فلسطين ظاهرة من ظواهر وحشية واستبداد هذا النظام الاحتكاري الربوي العالمي، وأن الحل العادل لها، بما سوف يترتب عليه من نتائج مباشرة عربية ودولية، لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق المقاومة بجميع أشكالها، وأولها الكفاح المسلح.

 

جذران إنكليزيان للمأساة الفلسطينية!

تعود جذور القضية الفلسطينية، بتجلياتها الواقعية ونتائجها المعاشة، الى أواسط القرن السابع عشر وأواسط القرن الثامن عشر:

ففي التاريخ الأول كان اللوثريون الإنكليز يغادرون إنكلترا على أنها مصر الفرعونية، وعلى أنهم العبرانيون اللذين يكررون قصة الخروج حسبما وردت في العهد القديم، وكانوا يجتازون المحيط الأطلسي على انه صحراء سيناء، ويرسون عل شواطئ أميركا على أنها أرض الميعاد، ثم يتعاملون مع شعوب القارة المنكوبة على أنهم الكنعانيون! لقد وظّف قادتهم التعصب الهذياني المفرط لأبناء الطائفة اللوثرية الجديدة، التي تعتنق العهد القديم بالدرجة الأولى، من أجل إقامة "إسرائيل الكبرى" على أرض القارة المكتشفة! إن خرافات ما يسمى بالعهد القديم كانت تبرر التعبئة العنصرية ضد شعوب القارة، وتبرر إبادتها والاستيلاء على بلادها واستيطانها، وقد استخدمت تلك الخرافات أفظع استخدام في حروب الإبادة الشاملة التي أهلكت الزرع والضرع والبشر بعشرات الملايين، وما أن تحقق للمستوطنين اللوثريين الإنكليز ذلك في أميركا حتى بدؤوا التعبئة لتوسيع دائرة سيطرتهم كي تشمل العالم أجمع، وكانت فلسطين في رأس المواقع التي تطلعوا الى الاستيلاء عليها وجعلها موطئ قدم للانقضاض على الوطن العربي ومجمل آسيا وأفريقيا! وبالفعل رأيناهم، في أواسط القرن الثامن عشر، يرسلون أبناء طائفتهم غير اليهود الى فلسطين لإقامة المستوطنات، فكانت السفن تنقل المغامرين بإشراف الحكومة من ولاية ماين وولاية إلينوي وغيرهما، باعتبارهم يهود الروح الجدد، وشعب الله المختار الجديد الذي سيسترد أرض الميعاد من العرب الكفرة الملاحدة، ويحقق "نبؤة بعث إسرائيل" تمهيداً للظهور الثاني للسيد المسيح وبداية الألف عام السعيدة حسب العهد القديم! وكان جورج بوش الجدّ قد أصدر كتاباً عام 1831 عنوانه "حياة محمد" قال فيه أن الرب لن يتمجّد إلا بالقضاء على العرب والمسلمين وبعودة اليهود الى وطن آبائهم وأجدادهم! وبسبب فشل يهود الروح الجدد، أي الإنكليز اللوثريين، في محاولة استيطان فلسطين، عادوا الى يهود الدم القدامى اللذين يعتبرونهم فاسدين منحرفين، وبدؤوا يعدوّن لاستخدامهم كمستوطنين مرتزقة، ولإنقاذ أرواحهم أيضاًَ، إنما بعد العودة الثانية للسيد المسيح! وهكذا، بغضّ النظر عن الذرائع التلمودية، كان الإنكليز الأميركيون يتطلعون مبكراً الى السيطرة على العالم، ويعتبرون فلسطين قاعدة رئيسية لتحقيق هذه السيطرة.

وفي أواسط القرن الثامن عشر في لندن، بعد نجاح الانقلاب الإنكليزي اللوثري الجمهوري بقيادة أوليفر كرومويل، أعدت مذكرة جاء فيها مايلي:

" إن أمة إنكلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم الى الأرض التي وعد بها أجدادهم لتكون ميراثاً لهم الى الأبد"!

إن هذه المذكرة تعود بتاريخها الى العام 1649! لقد اقتنع الإنكليز، في أميركا وفي إنكلترا، أن يهود الدم القدامى على الرغم من انحرافهم هم الأصلح للقيام بمهمة استيطان فلسطين، وذلك نتيجة المناعة الصلدة التي أبداها العرب ضد الاجتياحات الأوروبية، سواء الصليبية أم البرتغالية، حيث الصلة الروحية لليهود القدامى بفلسطين-حسب زعمهم- تشكل مدخلاً لخلق ظروف معقدة مواتية لنجاح الاستيطان، علماً أن اليهود لم يكونوا يعتقدون بذلك، وكانوا ينظرون الى القدس نظرة روحية لا فيزيائية، ويعارضون عموماً إقامة دولة يهودية، غير أن اللوثريين الأنكلوسكسون صمموا على تعبئة اليهود لهذا الغرض طوعاً أو كرهاً، ونجحوا أخيراً في توظيفهم بمجملهم تقريباً، وفي مابعد، عندما تأسس الكيان الصهيوني اليهودي، لم يكن مهماً ما إذا كان تابعاً للندن أم لواشنطن، حيث حلت الثانية محل الأولى في قيادة النظام العالمي، لأن وظائف الكيان والأهداف المرجوّة من تأسيسه بقيت هي هي، منذ كان فكرة وحتى يومنا هذا!

 

الصهيونية الإنكليزية غير اليهودية!

لقد كان الوضع في إنكلترا أواسط القرن السابع عشر، في عهد كرومويل الجمهوري، مواتياً تماماً لاحتضان ونمو فكرة الكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، فالمذهب اللوثري البيوريتاني اعتنق التقاليد العبرانية بقوة وحماسة لأنها تشكل مبرراً دينياً قوياً للسيطرة على العالم، فقد كانت طبقة التجار ورجال الأعمال الإنكليز تنشط نشاطاً محموماً محوره المنفعة الخاصة الأنانية، التي تدعمها التقاليد العبرانية، وكانت تتابع بحسد الهولنديين الذين وصلوا الى طرق التجارة الدولية الآسيوية والأفريقية، وكان معروفاً تماماً دور اليهود الهولنديين في ميدان توسيع نطاق النشاط التجاري الهولندي خلف البحار، وكذلك دور اليهود في البلدان الأوروبية الأخرى المنخفضة، وهم اليهود الذين قدموا الى أوروبا من بلاد الأندلس بعد انهيارها مسلحين بخبرات وعلوم العرب، لكن الإقامة في إنكلترا كانت محرمة على اليهود بموجب قرار ملكي قديم، فهي خالية منهم تماماً، ولذلك قنعت اللوثرية الإنكليزية، أواسط القرن السابع عشر، بمجرد طرح فكرة الكيان الصهيوني، وتعهدها بالرعاية، ودعوة اليهود للإقامة في إنكلترا! وكان عليها أن تنتظر ريثما تستكمل بريطانيا بعدها الإمبراطوري العالمي، أي حتى أواخر القرن التاسع عشر وانعقاد المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول، الذي جاء انعقاده متفقاً تماماً مع بلوغ بريطانيا والولايات المتحدة مرحلة الإمبريالية!

 

خلفية دينية لمصالح دنيوية!

في عام 1870 قال الدبلوماسي البريطاني جيمس نيل: " إن احتمال أن يتمكن الإنكليز من استيطان فلسطين بالنجاح نفسه الذي استوطنوا به أميركا الشمالية بعيد جداً، بسبب حرارة الجو، والصعوبات التي يقيمها العرب، والافتقار الى حماية فعّالة، وكثير غير ذلك"! وقد اقترح نيل استخدام اليهود بدلاً من الإنكليز!

وقد أخذ اللورد شافتسبري على عاتقه إقناع إخوانه الإنكليز المسيحيين أن اليهود، وإن كانوا بلا شك - حسب قوله – يتسمون بالعناد وسواد القلب، والانغماس في الانحطاط الأخلاقي، والجهل بالكتاب المقدس-حسب رأيه- فإنهم لا يستحقون الخلاص فحسب، بل يمثلون أيضاً شيئاً حيوياً بالنسبة لأمل المسيحيين بالخلاص! وكان شافتسبري يدعو لعودة اليهود الى فلسطين في الوقت الملائم سياسياً! ومنذ ذلك التاريخ بدأ ما يصفه ديفيد بولك بالاتحاد الغريب بين سياسة الإمبراطورية وبين نوع من الصهيونية المسيحية الأبوية التي اتضحت في السياسة البريطانية( والأميركية) عبر الأجيال اللاحقة!

ويعتبر اللورد بالمرستون (1784-1865) مدافعاً سياسياً كبيراً عن فكرة استيطان فلسطين بواسطة اليهود، وقد غدا ذلك الشغل الشاغل للحكومات الإنكليزية المتعاقبة على مدى عشرات السنين. وفي عام 1845 كانت الدعوات الرسمية صريحة الى إعادة توطين "الأمة اليهودية" في فلسطين كدولة تتمتع بالحماية تحت وصاية بريطانيا العظمى. وقد تضمنت تلك الدعوات شرح بعض مزايا المشروع الاستيطاني: " إن إقامة دولة يهودية في فلسطين ستضع إدارة مواصلاتنا البحرية في أيدينا بالكامل، وستوفر لنا في المشرق مركز سيطرة يمكننا من إيقاف عمليات التعدي، وردع الأعداء السافرين وصد تقدمهم عند الضرورة"! وبالطبع كان المقصود بعمليات التعدي، وبالأعداء السافرين، تلك الدول الاستعمارية التي تنافس بريطانيا، خاصة فرنسا الكاثوليكية!

وكان الكولونيل جورج جولر، الخبير بشؤون الاستيطان بصفته حاكماً سابقاً لأوستراليا، يقول: "إن بإمكان دولة أجنبية تعريض التجارة البريطانية للخطر بسرعة، ولذلك ينبغي أن تعمل بريطانيا على تجديد سورية بواسطة الشعب الوحيد الذي يمكن توظيف طاقاته بصورة دائمة وعلى نطاق واسع، أبناء الأرض الحقيقيون، أبناء إسرائيل"!

إنه لمن الواضح مغزى استخدام اسم سورية بدلاً من فلسطين، وكذلك مغزى تكرار الإشارة الى عمليات التعدي المحتملة ضد التجارة البريطانية، فمثل هذه المفردات تتردد اليوم على ألسنة الأميركيين، حيث فلسطين خط هجومي/دفاعي أمامي للصهيونية العالمية اليهودية وغير اليهودية، وإن التنازل العربي عن فلسطين جزئياً أو كلياً لا يعني سوى التقهقر أكثر أمام الهجمة التي سوف تنقل خطها الأمامي الى مواقع متقدمة في بلدان عربية أخرى، كما هو الحال اليوم في العراق!

كذلك كان تشارلز هنري تشرشل يدعو بدوره الى "التحرير" المبكر لسورية وفلسطين، ووضعهما تحت الحماية البريطانية، على أن يقوم اليهود بدور المستوطنين الحماة للمصالح البريطانية في "الشرق الأدنى"! وكان جوزيف تشمبرلين، وزير المستعمرات البريطاني أواخر القرن التاسع عشر، ينظر الى اليهود كجماعة من المستوطنين الأوروبيين مهيأة للاستيطان والتطور تحت حماية بريطانيا، وتملك كل شيء ماعدا الأرض الخلاء! وهو كان في جهوده لتوسيع الإمبراطورية في بحث دائم عن مستعمرين/مستوطنين يحملون في الوقت نفسه-حسب رأيه- الحضارة الى الشعوب الأقل شأناً، والتي تعيش من دون الشريعة!

 

تقرير لجنة كامبل بنرمان!

في عام 1907 أوفد رئيس الوزراء البريطاني وزعيم حزب الأحرار كامبل بنرمان بعثة كبيرة، من عشرات الخبراء الإنكليز والأوروبيين المتخصصين بمختلف فروع الحياة، وكلفها دراسة أوضاع المنطقة العربية ميدانياً، وإعداد تقرير بذلك، وهو التقرير الذي عرف بتقرير بنرمان، والذي وضع في وقت كان المشرق العربي لا يزال جزءاً من الدولة العثمانية، بينما بلدان وادي النيل والمغرب العربي ترزح تحت وطأة الاستعمار الأوروبي المباشر، خاصة الإنكليزي والفرنسي.

لقد انقسم تقرير بنرمان الى ثلاثة أقسام تقريباً: الأول يصف جغرافية الوطن العربي الكبير وموقعه، وخصائص الأمة التي تقطنه، فصوّر الوضع الراهن كما هو، بأمانة تامة تصويراً كاد يكون فوتوغرافياً، وهذا أمر بديهي حيث يجب أن تستند مخططات المستعمرين الى معلومات واقعية صحيحة، فبعد أن شرح التقرير كيف أن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار وللمصالح الاستعمارية الآنية والمقبلة، وكيف أنه، من أجل نجاح أية خطة لحماية المصالح الأوروبية لابد من السيطرة على هذا البحر وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية: "لأن من يسيطر على هذه المنطقة يستطيع التحكم بالعالم أجمع"! استعرض التقرير جغرافية الوطن العربي ورسمها على النحو التالي:

" على الساحل الجنوبي للمتوسط من الرباط الى غزة، وعلى الساحل الشرقي حتى مرسين وأضنه، وعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا والذي تمر فيه قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى طول ساحلي المحيط الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطريق الى الهند.."!

وبعد هذا التحديد الجغرافي انتقل التقرير الى التحديد والتوصيف الديمغرافي والاجتماعي فقال: " إن في هذه المنطقة الحساسة أمة واحدة تتوفر لها من وحدة تاريخها ودينها، ووحدة لسانها وآمالها، كل مقومات التجمع والترابط والاتحاد، وتتوفر في نزعاتها التحررية، وفي ثرواتها الطبيعية، وفي كثرة تناسلها، كل أسباب القوة والتحرر والنهوض..."!

وفي القسم الثاني عرض التقرير معنى أن تكون الأمة العربية مستكملة وحدتها على أرضها الموحدة، فشرح أن ذلك ممكن، ثم تساءل: " كيف يكون وضع المنطقة إذا توحدت فعلاً آمال وأهداف أمتها، وإذا اتجهت هذه الرقعة كلها في اتجاه واحد؟ وماذا لو دخلت إليها الوسائل الفنية الحديثة وإنجازات الثورة الصناعية الأوروبية؟ ماذا لو انتشر التعليم في أوساط هذه الأمة؟ وما الذي سوف يحدث إذا ما تحررت هذه المنطقة، وتمكنت من استغلال ثرواتها الطبيعية من قبل أهلها؟.."!

وعلّق التقرير على هذه التساؤلات بالقول: " إن الخطر على الكيانات الإمبراطورية الاستعمارية كامن في هذه المنطقة: في تحررها، وتوحيد اتجاهات سكانها، وفي تجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة وهدف واحد "!

وفي القسم الثالث من تقرير لجنة بنرمان جاءت الدعوة صريحة للدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة، بما يلي: "العمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ كما هو، وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر، وعلى محاربة اتحاد جماهيرها ومنع ترابطها بأي نوع من أنواع الترابط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل القوية العملية لفصلها عن بعضها ما أمكن"!

ثم قدم التقرير بعض المقترحات المستعجلة "لدرء الخطر عن الاستعمار العالمي" حسب النص، فأوصى بضرورة: " العمل على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن الجزء الآسيوي، بإقامة حاجز بشري، قوي وغريب، على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، بحيث يشكّل قوة صديقة للاستعمار وعدو لسكان المنطقة"!

كان اللورد آرثر بلفور معادياً للسامية، أي لليهودية، وهو قبل صدور وعده الشهير بعدة سنوات كان يعارض بعناد هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الى بريطانيا، لكنه، من جهة أخرى كان صهيونياً قحّاً! وفي الحرب العالمية الأولى، بينما هو يلفّق وثائق تسليم بلد لا يملكه، كان يردّد أمام جلسائه: "لا يهمنا النظام الذي نصنعه بغية الاحتفاظ ببترول الشرق الأوسط، ذلك أنه من الأمور الأساسية بقاء هذا البترول في متناول أيدينا"!

وفي نهاية تلك الحرب أدار الإنكليز ظهرهم لحلفائهم العرب الذين قاتلوا معهم خلالها، وتنصلوا من وعودهم بقيام دولة عربية تضم الحجاز وبلاد الشام والعراق، وأعدّوا اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت المشرق العربي الى عدد من الدويلات توزعت بين باريس ولندن، وصدر وعد بلفور الذي أسس على أرض فلسطين لدولة غريبة، صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة، حسب تقرير بنرمان الذي بدأت ترجمته عملياً!

 وفي تلك اللحظة التاريخية الكالحة، في آب/أغسطس 1918 تحديداً، وبعد أن تأكدت الهزيمة النهائية للدولة العثمانية وتأكد انهيارها، أعلن رئيس الولايات المتحدة تيودور ولسن ما يلي: "أعتقد أن الأمم الحليفة قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين، بتأييد تام من حكومتنا ومن شعبنا"!

لقد ظلت الإدارة البريطانية تعتقد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في الأربعينات أن المشروع الاستيطاني الصهيوني يخصّها بالدرجة الأولى، حتى أن الصهيوني الأعظم ونستون تشرشل حدّد في مذكراته سلفاً بوضوح تام، ليس طبيعة "الدولة اليهودية" المرجوة فحسب، بل عدد سكانها ومساحة أراضيها، فكتب يقول: " إذا أتيح لنا في حياتنا-وهو ما سيقع حتماً- أن نشهد مولد دولة يهودية، ليس في فلسطين وحدها بل على ضفتي نهر الأردن معاً، تقوم تحت حماية التاج البريطاني، وتضم نحو ثلاثة ملايين أو أربعة ملايين من اليهود، فإننا سنشهد بذلك وقوع حادث يتفق تمام الاتفاق مع المطامح الحيوية للإمبراطورية البريطانية"!

وهنا قد يتبادر الى الذهن تساؤل حول موقف تشرشل من أصدقائه الحكام العرب، بينما هو يطلق مثل هذا التصريح الصهيوني الفظ، إذ كيف يبرر أمامهم منطقه المجافي لأبسط قواعد المنطق والحق؟ لكن تشرشل لم يتردّد في مذكراته بالقول: "لقد كانت مشكلة فلسطين من أعقد المشاكل التي واجهتها بريطانيا، وكنت منذ صدور وعد بلفور عام 1917 من أخلص أنصار القضية الصهيونية ومؤيديها، ولم أشعر قط أن البلاد العربية جنت منا إلا العدل في معاملتها، فالعرب مدينون لبريطانيا وبريطانيا وحدها بوجودهم كدول، فنحن خلقنا هذه الدول، والأموال البريطانية والمستشارون البريطانيون دفعوا بها سريعاً على طريق التقدم، وكانت الأسلحة البريطانية هي التي تتولى حمايتهم (حمايتهم ممن؟!) وكان لنا ومازال كما آمل عدد من الأصدقاء الأوفياء الشجعان في المنطقة، ومن سوء الحظ أن هؤلاء كانوا من الشواذ، وهناك أمر واضح، فالشرف والحكمة يتطلبان بقاء دولة إسرائيل والحفاظ عليها، والسماح لهذا الشعب بالعيش في سلام مع جيرانه، وبوسع هذا الشعب أن يأتي الى المنطقة بإسهام لا يقدّر بثمن من المعرفة العلمية والعمل والإنتاج، ومن الواجب إعطاؤه هذه الفرصة لمصلحة الشرق الأوسط كله"!

هل هناك كلام أوضح من هذا الكلام، سواء بالنسبة للماضي أو الحاضر؟ وماذا ترك تشرشل من إضافة للأميركيين الذين ورثوا المشروع، والذين يواصلون على النهج ذاته؟ وماذا ترك مما يحتاج الى توضيح، حول السياسات والمشاريع الاستعمارية التي تشهدها المنطقة اليوم، أو حول سبل المواجهة الجدّية لمثل هذه المشاريع؟

الإنكليز يتعجلون واليهود يعارضون!

والحال أن الوجود الإنكليزي اللوثري في فلسطين ترافق منذ بدايته مع تحقيق التواجد والمصالح اليهودية، وظلت مسألة حماية بريطانيا لليهود لسنوات طويلة المهمة الرئيسية للقنصل البريطاني في القدس، وكانت الجمعيات الإنكليزية الصهيونية غير اليهودية تنشط في لندن على مدار الساعة، مثل: "الجمعية البريطانية للعمل على إعادة الدولة اليهودية في فلسطين"! ومثل: "جمعية تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين"! ومثل: "جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأراضي المقدسة"! وغيرها وغيرها من الجمعيات والمؤسسات الإعلامية المرعية على أعلى المستويات، تقدم جميعها الدعم لبرنامج استعمار فلسطين!

لقد جرى توفير الظروف والشروط اللازمة وتطويرها على مدى عشرات بل مئات السنين من أجل إظهار تخلّق الجنين اليهودي الصهيوني وولادته كما لو كان طبيعياً، فاتخذت جميع الإجراءات لمنع اندماج اليهود في مجتمعاتهم، ولمنعهم من الهجرة الى أي مكان آخر غير فلسطين، ولو أن المجال يتسع هنا لاستعرضنا وقائع المعارضة اليهودية الواسعة النطاق لمشروع استيطان فلسطين، وللتعامل مع اليهود كقومية، الى أن انتصرت في النهاية إرادة الإنكليز اللوثريين وعملائهم من اليهود، وفرضوا على الجاليات اليهودية المتعدّدة الجنسية ما يريدون، فعلى سبيل المثال، ومن دون إطالة، تلخص موقف اليهود البريطانيين في معظمهم من وعد بلفور، في مذكرة رفعوها للحكومة الإنكليزية، تضمنت مايلي:

1-إن المبدأ الذي يقوم عليه التصريح المقترح (وعد بلفور) يفترض ويتضمن أن اليهود عموماً يؤلفون قومية، ومثل هذا التضمين يلحق أفدح الأضرار بالمصالح اليهودية، كما أنه يثير اشمئزاز عدد ضخم من اليهود.

2-إن التصريح يحرم عرب فلسطين من حقهم في وطنهم، ويعرضهم للطرد والتشريد، وهو موقف غير إنساني ومرفوض.

3-إن التصريح يعني أن على المسلمين والمسيحيين إخلاء المكان لليهود، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا بطرد السكان الحاليين.

4-إن الوطن المقترح سوف يحوّل فلسطين الى "غيتو" كبير، وسوف يتعرض اليهود فيه الى خطر كبير في يوم من الأيام.

5-إن الوطن اليهودي المقترح سيضر بمصالح أتباع الديانة اليهودية في جميع أرجاء العالم، حيث أنه يقوم على الفرضية الخاطئة بأن اليهود يشكلون قومية واحدة وأن فلسطين هي وطن لليهود، وهو أمر سينتج عنه وهم اليهود غير الإسرائيليين بالولاء المزدوج، وسيدفع أوطانهم الى النظر إليهم بنظرة الشك، وسيؤدي الى حرمانهم من حقوق المواطنة الطبيعية..الخ 

غير أن المشروع الاستيطاني كان جزءاً لا يتجزأ من مشروع أكبر وأشمل، ففي عام 1917 نفسه حمل بلفور وثيقة بريطانية الى الخارجية الأميركية جاء فيها ما يلي: "مما لا شك فيه أن من أهدافنا التي نسعى الى تحقيقها القضاء التام على الإمبريالية التركية، وقد ينبغي على الأتراك العيش مستقلين بصورة ما في آسيا الصغرى، وإذا نجحنا وأحرزنا النصر فليس من شك أن تركيا ستفقد جميع الممتلكات التي نطلق عليها بصورة عامة البلاد العربية، كما أنها ستفقد أهم أجزاء وادي دجلة والفرات، وستفقد أيضاً اسط نبول وسورية وأرمينيا، وأما الأجزاء الجنوبية من آسيا الصغرى فإنها ستقع ربما تحت سيطرة الحلفاء، هذا إن لم يضمها الحلفاء الى غنائمهم"!

أما عن موقف القادة اليهود الصهاينة، فقد صرح حاييم وايزمان الرئيس الأول للكيان الصهيوني، في تشرين الثاني/نوفمبر 1914، بما يلي: "نستطيع القول أنه إذا وقعت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني، وإذا شجعت بريطانيا استيطان اليهود هناك كمحمية بريطانية، فيمكن أن يكون هناك خلال عشرين الى ثلاثين عاماً مليون يهودي، وربما أكثر، وهم سوف يطورون البلاد، ويعيدون إليها الحضارة، ويكونون حارساً فعالاً لقناة السويس"!

 

ترومان مؤسس الكيان الصهيوني!

في عام 1942 وقّع 181 عضواً في الكونغرس الأميركي على بيان يدعو الرئيس روزفلت الى: "إعادة إنشاء الوطن القومي لليهود"! لقد كان أولئك السناتورات أعضاء في "المجلس الأميركي الصهيوني" وهو المجلس الذي اندمجت فيه الصهيونية اللوثرية الأعلى بالصهيونية اليهودية الأدنى، وهو كان يضم أيضاً المئات من حكام الولايات ورجال الأعمال ونجوم السينما والصحفيين! ولم يكن روزفلت بحاجة الى من يحثه، لكنه كان يواجه ظروفاً دولية مؤقتة تحول دون اندفاعه، وعندما أصبح ترومان رئيساً أخذ العمل من أجل اغتصاب فلسطين طابعاً محموماً، فالرئيس هاري ترومان هو المؤسس الرسمي للكيان الصهيوني الرسمي، وهو شكل برئاسته قيادة عليا للحملة الأميركية الساعية لإقامة الكيان الصهيوني، وعندما حان موعد تصويت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين أمر ترومان وزارة الخارجية بالعمل على ضمان التصويت الى جانب القرار، واستدعى وزير الخارجية الى البيت الأبيض ونبهه أنه سوف يطلب توضيحاً إذا لم تصوّت الدول الى جانب الولايات المتحدة!

و في ما بعد تحوّل الكيان الصهيوني الى قاعدة وامتداد للنظام الاستعماري الحديث الذي تقوده واشنطن، تقوم في أخطر مناطق العالم، وتشكل جزءاً من الشبكة العالمية للصهيونية اليهودية وغير اليهودية، ولم تحصل الولايات المتحدة بذلك فقط على قاعدة ثمينة في السلم والحرب، في منطقة الاحتياطي النفطي العالمي وعلى طريق الثروات الأزلية في حوض المحيط الهندي، بل حصلت أيضاً على جهاز عالمي نشط بثته الصهيونية اليهودية في جميع مناطق العالم، وهذا هو مغزى الحماسة الأميركية، التي يجدها البعض كأنما هي حماسة عمياء، فدعم واشنطن للكيان الصهيوني هو دعم عملي جداً وفي محله تماماً من وجهة نظر الاحتكارات الأميركية وحليفاتها.

 

هل ثمة حل سياسي؟

لقد انطلقت أوهام التسوية السياسية للقضية الفلسطينية على أوسع نطاق بعد الانتفاضة الأولى، انتفاضة أطفال الحجارة التي قلبت الموازين وأحدثت إرباكاً عظيماً في صفوف الأميركيين والإسرائيليين مازال مستمراً حتى يومنا هذا، وقد كان الأميركيون وراء انطلاقة الأوهام السياسية، فراحوا يعبئون الخونة والانتهازيين والجهلة العرب من أجل حل سياسي في الظاهر، ومن أجل تطويق التطور النوعي في الأداء الكفاحي الفلسطيني في الحقيقة، وإبادة هذا التطور قبل أن يستفحل أمره، ويخرج عن السيطرة ليس في فلسطين وحدها بل في المنطقة العربية عموماً!

وهكذا على سبيل المثال، في تشرين الأول/أكتوبر 1995، عقدت في واشنطن ندوة تحت عنوان: "العلاقات الأميركية العربية وتحدّي المشاركة"! وقد نظمت تلك الندوة: "مؤسسة الديمقراطية والتغيير السياسي في الشرق الأوسط"! ولنلاحظ مضامين عنوان المؤسسة الأميركية، التي يفترض أنها هيئة أكاديمية يرأسها دانيال بومبرغ، ولننظر الى نتائج نشاطاتها ومثيلاتها في بلادنا بعد عشر سنوات في ميدان محاصرة نزعة المقاومة، ووصمها بالإرهاب العبثي، والإلحاح على اجتثاثها لصالح الليبرالية والديمقراطية والحلّ السياسي!

لقد حضر الندوة المذكورة عدد من العرب، ولخص بعضهم رأيه، حينئذ، على النحو التالي: "نحن لا نرى عيباً في أن تصوغ الولايات المتحدة سياستها الخارجية في المنطقة العربية لخدمة مصالحها، فكل دول العالم تراعي مصالحها، لكن ما يجب الحديث بشأنه هو تحديد هذه المصالح على وجه الدقة، وجعلها تتلاءم وتتعايش وتتفهم المصالح العربية"!

يا للعار! ولكن ماذا كان ردّ الأميركيين على هذه المداخلة العربية السلمية؟ لقد كان بين الحضور السفير الأميركي بول وولفويتز، وقد أجاب وولفويتز على التساؤل العربي حول المصالح الأميركية بتساؤل مقابل، فقال: " كيف سيتعامل نظام سياسي ليبرالي ديمقراطي، مع وجود إسرائيل وأمنها؟" ثم أجاب بنفسه على السؤال: "إذا قبل مثل هذا النظام مثل هذه الحقيقة (حقيقة وجود إسرائيل وأمنها) فمرحباً به، أما إذا لم يقبلها فستكون مصالحنا متعارضة"!

وعاد وولفويتز يوضح بطرح سؤال آخر: "كيف سيتعامل هذا النظام الديمقراطي العربي مع مسألة الإمدادات النفطية، ليس من جهة التسعيرة المعتمدة بل من جهة استخدامه المحتمل للإضرار بالاقتصاد الأميركي؟"! وأجاب وولفويتز على السؤال الذي طرحه بقوله: "إذا ظهر مثل هذا الاتجاه فإن المصالح الأميركية سوف تتعارض حتماً مع مصالح النظام الديمقراطي العربي المفترض قيامه"! وتابع وولفويتز بسؤال ثالث: "ماذا لو أدت الديمقراطية الى ظهور حركات سياسية مثل التي ظهرت في الجزائر وإيران ودول أخرى؟"! وأجاب: "هاهنا أيضاً لن تتطابق المصلحة الأميركية مع انتشار الديمقراطية"!

وهكذا فإن وولفويتز، الذي ساهم بدور رئيس في الحرب ضدّ العراق، لن يتردّد في شن الحرب ضدّ بلد عربي، ليبرالي ديمقراطي صديق للولايات المتحدة، إذا لم يسلّم مثل هذا النظام بوجود الكيان الصهيوني بالصورة التي هو عليها، وبدوره القيادي في المنطقة، وإذا لم يسلّم بدور الولايات المتحدة في الاستيلاء على النفط العربي، وبديهي أن الكيان الصهيوني قام من أجل تحقيق مثل هذه الأهداف الاستعمارية الكبرى، والتي يترتب على تحقيقها بقاء الأمة العربية ممزقة متخلفة، فأي حل سياسي ليبرالي ديمقراطي يمكن تحقيقه على هذا الأساس؟

 

لا خيار سوى المقاومة!

لقد أسقطت عملية احتلال العراق، وما سبقها ورافقها من تصريحات ومواقف أميركية، جميع الأوهام المتعلقة بحلّ سياسي عادل للقضية الفلسطينية حتى في إطار قرارات الأمم المتحدة، فهذه التصريحات والمواقف لا تترك للعرب سوى واحد من خيارين: الإذعان أو القتال! ويستفيد العدو من إذعان النظام الرسمي العربي كي يحاول جعل الخيار واحداً، وهو الإذعان، حيث الأنظمة متفقة معه علناً بصدد نبذ المقاومة، بل اعتبارها إرهاباً ومحاربتها! غير أن المقاومة العراقية فاجأت الأميركيين وحلفائهم المحليين، وأربكتهم ووضعت مشاريعهم الواثقة في مهب الريح والقلق، خاصة بعد أن أرغمتهم على كشف أوراقهم، وأسقطت مزاعمهم بصدد حقوق الإنسان والديمقراطية، فصار الخيار واضحاً: إما المقاومة واحتمال الانتكاسة المؤقتة ثم النصر عاجلاً أم آجلاً، وإما الإذعان والاستسلام لموت بطيء ذليل! وأمام هذين الخيارين أسقط في أيدي دعاة الحلول السلمية ونبذ المقاومة، لكن الكثيرين منهم، للأسف الشديد، يختارون الإذعان والاستسلام والموت البطيء الذليل! ولا يريدون أن يروا هذا التطور النوعي التاريخي الذي حدث في بنية الأمة الداخلية، بحيث لم يعد العدو قادراً على التحكم بمسارات المعارك وأحجامها ونتائجها، سواء على الساحة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية، بل لعل هذا التطور هو الذي يجعل الخونة والانتهازيين والجهلة يعلنون انحيازهم للعدو وعدائهم للمقاومة دون مواربة، فهذا التطور لا يدع مجالاً للمناورات الاحتيالية، وهو سوف يدفع أكثر فأكثر نحو الانحياز القاطع للأمة أو لأعدائها.

وتجدر الإشارة الى أن المقاومة العربية لا تقتصر على البعد الذاتي: الدفاع عن النفس واسترداد الحقوق! بل لها بعد إنساني عالمي خلاصي لا يخفى على العدو قبل الصديق، فالبشرية عموماً تعيش مأزقاً خطيراً يعرضها للفناء، وضعها فيه قادة هذا النظام العالمي الجائر، وليس من ريب أن العالم يجتاز في هذه الحقبة المسافة القاحلة التي تفصل عادة بين عصرين بشريين، والأمة العربية والإسلامية العريقة مدعوة لتحمل مسؤولياتها الأممية في مرحلة الانتقال هذه، وذلك بجعل هذه المرحلة تمرّ بسلام، بأقل الخسائر وبأقصر زمن، وهي لا ريب أهل لذلك، بحجمها وخبرتها وموقعها، وبالطبع فإن الطريق لتحقيق ذلك هي طريق المقاومة، وليس الإذعان للموت البطيء الذليل!

إن العرب كتلة بشرية رئيسية من كتل منطقة حوض المتوسط، وهي تفوق من حيث حجمها جميع الكتل الأخرى، بل تزيد مرتين وأكثر عن أية كتلة متوسطية، ناهيكم عن تجانسها الذي لا مثيل له، كما ورد في تقرير بنرمان، وهم سيبلغون النصف مليار تعداداً في حوالي نهاية العقد القادم، لكنهم مغيّبون قسراً وعنوة، بالقوة الدولية الغاشمة وبتواطؤ حكامهم، وغياب الأمة العربية، على مدى القرون الخمسة الماضية، بعد أن سادت عقيدتها السياسية السمحة العلاقات الدولية طوال ثمانية قرون، هذا الغياب هو سبب رئيسي من أسباب العذاب والاضطراب في الحياة الدولية، فهو أحدث خللاً في التوازن الدولي الإجمالي، ولذلك فإن حضورها ونهوضها ليس مجرّد حاجة ذاتية، بل شرط من شروط خلاص البشرية، بنهوض نظام عالمي جديد حقاً، وبظهور هيئة أمم متحدة حقاً، وقد برهن الشعب الفلسطيني عن هذه الحقائق عندما نجح في إرغام الصهاينة على استخدام طائراتهم الحربية، قاهرة الجيوش، كمجرّد مسدّسات للاغتيالات الفردية! لقد فقدت الدبابة والطائرة الأميركية خصائصها الأصلية عندما تحولت في فلسطين الى أداة اغتيال فردي، الأمر الذي لم يحدث من قبل وفي أي مكان أبداً، والذي لا يخفى مدلوله على عاقل منصف، وهو أن النظام الربوي العالمي يترنح يعد أن أستنفد أغراضه، وفقد ضرورته، وأصبح موضوعياً جاهزاً للهزيمة والزوال! غير أن ذلك لا يلغي أبداً تطاوله واستمراره في حالة الاحتضار، كما أن حالة الاحتضار لا تلغي خطورته الهائلة، فالديناصور يقتل المذعنين المستسلمين بينما هو يحتضر، ولذلك تبقى المقاومة خياراً وحيداً، ضرورياً وإجبارياً.

دمشق 7/8/2005

   

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1