خصخصة الحكومات العربية طوعاً أو كرهاً!
الاجتماع الدولي الذي انعقد في آنا بوليس بدعوة من الرئيس الأميركي لم يوضع له جدول أعمال عملي محدد، ولم يعلن أنه سوف يصل إلى نتائج عملية محددة ، فقد كان أشبه بدعوة إلى وليمة! ومع ذلك استجابت عشرات الحكومات، منها ست عشرة حكومة عربية، وحضرته على أنه اجتماع سياسي لمعالجة القضية الفلسطينية، مع أنها تعرف حق المعرفة أنه ليس كذلك! أما عن هدفه الحقيقي فهو إقامة علاقات طبيعية (تطبيع) بين الإسرائيليين والحكومات العربية الثرية خاصة، حيث لا يجوز أن يحول استمرار المشكلة الفلسطينية دون تحقيق ذلك كما قالت ليفني وزيرة خارجية العدو! وهكذا تكون الحكومات العربية قد دعيت للتخلي عن القضية الفلسطينية وليس لمعالجتها وإقرار الحل العادل لها، علماً أن قبول الحكومات العربية بذلك سوف يعني تخليها عن هويتها الوطنية والقومية وسيادتها السياسية ، أي قبولها بالتحول إلى حكومات مخصخصة تشبه إدارة شركة عادية للتسويق!
إن الاستجابة للدعوة كما أعلنت إلى اجتماع آنا بوليس، بتلك السهولة والطواعية ومن دون قيد أو شرط، تعني أن هناك دعوة أخرى غير معلنة ، من قبل جهة أخرى غير معلنة ، لتحقيق أهداف أخرى غير معلنة! ولا بد أن صاحب الدعوة هو رأس المال الدولي الإمبراطور! لا بد أنها الإدارة الدولية غير المعلنة ، التي لا صفة رسمية لها، دعت إلى الاجتماع عبر الرئيس الأميركي بصفته الرسمية! إنها الإدارة الدولية السرية المشكلة من رجال المال والأعمال والسياسة والإعلام المتعدّدي الجنسسيات، التي تشترك في الحكومات الرسمية لكنها لا تخضع لها بل العكس، وتشترك في البرلمانات الديمقراطية المنتخبة لكنها لا تستمد قوتها منها بل العكس! وقد أخذت هذه الإدارة على عاتقها خصخصة الحكومات، خاصة حكومات الجنوب وعلى الأخص الحكومات العربية، أي تحويلها إلى مجرد حكم ذاتي لمناطق مدارة ، وظيفتها ضبط السكان وإدارة شؤونهم، تاركة لرأس المال الدولي الإمبراطور أراضي الأوطان بما تحتها وفوقها من ثروات يتصرف بها كما يشاء في ميادين السوق الدولية المفتوحة!
إن اجتماع آنا بوليس هو أسلوب من أساليب خصخصة الحكومات العربية طوعاً وإلا فكرها، وقد رأينا ما حدث في العراق بعد احتلاله ، حيث سارعت إدارة بول بريمر إلى تنفيذ الخصخصة على أوسع نطاق في خضم القتال، فشملت عمليات الخصخصة قطاع التجارة العراقي بكامله ليدمج في السوق الدولية المفتوحة، وجرى تخفيض الضرائب بنسبة 15% لصالح ما يسمى بالتجارة الحرة، ثم الأهم وهو أن الخصخصة شملت أجهزة الدولة العراقية، فجرى تخفيض حجمها ومستوى فعاليتها إلى أدنى الدرجات، ليقام على أنقاضها مجرّد حكم ذاتي لمناطق مدارة، فأصبح العراق في قبضة رأس المال الدولي الملك، وأصبح العراقيون في قبضة حكومة مخصخصة أنيطت بها حماية المصالح الأجنبية من خطر الشعب!
لقد كان اجتماع آنا بوليس مظهراً من مظاهر الحرب التي يشنها رأس المال الدولي بهدف خصخصة الحكومات، فهي حرب القطاع الخاص العالمي، أما جورج بوش فإن أهميته الأولى لا تأتي من كونه رئيساً للولايات المتحدة، بل من كونه أحد الأثرياء النفطيين الكبار وأحد أعضاء الإدارة الدولية غير المعلنة المشكلة من رجال المال والأعمال المتعدّدي الجنسيات، ثم تأتي أهميته كرئيس يدفع بجيوشه إلى الحروب لصالح رأس المال الدولي والقطاع الخاص العالمي، فهذا الرئيس المنتخب من قبل الشعب الأميركي لا يقدم على فعل يتعارض مع مصالح الأثرياء، الأميركيين أولاً والمتعدّدي الجنسيات ثانياً، ولو على حساب ناخبيه من أبناء الشعب، والأمثلة التي تؤكد ذلك كثيرة، سواء في مغامراته الحربية الخارجية الملفقة والفاشلة، أم في سياساته الداخلية الاجتماعية والاقتصادية المعادية للأكثرية من البسطاء، وقد رأينا لا مبالاته إزاء ضحايا الإعصار الذي ضرب نيو أوليانز، حيث تحوّلت الكارثة إلى فرصة رائعة لجني الأرباح الطائلة عبر عملية إعادة الإعمار، بينما ترك مئات الألوف من الأميركيين البسطاء للشقاء والضياع!
في اجتماع آنا بوليس قيل بوضوح تام أن الهدف المباشر هو تدمير المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين، وعزل الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني عن وطنهما بواسطة حكم ذاتي لكل منهما، أي بخصخصة حكومتيهما وجعلهما مؤسستين محليتين في خدمة رأس المال الدولي الملك والقطاع الخاص العالمي! والحكومات العربية الثرية خاصة، إذا ما قبلت المساهمة في ترويض أو تدمير هذين الشعبين فإنها تكون بداهة قابلة لنفسها المصير ذاته، أي الخصخصة والتحول إلى مجرّد حكم ذاتي! والخصخصة بهذا المعنى تشمل القوات المسلحة أيضاً، النظامية وشبه النظامية، فهل نتوقع من الحكومات العربية، إذا ما تحققت خصخصتها، أن تزج بقواتها المسلحة في ميادين القتال، جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية والإسرائيلية؟ هل يمكن أن يحدث ذلك في فلسطين ولبنان والعراق، وفي غيرها من البلدان العربية والإسلامية، مثلما حدث في أفغانستان بحجة دحر الاتحاد السوفييتي، أما اليوم فبحجة مكافحة الإرهاب ودحر الخطر الإيراني؟!
لا تجوز الاستهانة بقوة الإدارة الدولية، فنحن نعرف أن لها امتداداتها في جميع أنحاء العالم عبر أوساط القطاع الخاص العالمي، ونعرف أن جهود المحافظين الأميركيين الجدد التي انطلقت منذ مطلع التسعينات الماضية قد نجحت في ربط قوى كثيرة بها، من الحكومات المنصاعة إلى بعض لجان الدفاع عن حقوق الإنسان وما بينهما، لكننا نعرف أيضاً أن الرأسمال الاحتكاري الدولي يعبّر عن ضعفه التاريخي عندما يخرج من تحت سيطرة الحكومات الرأسمالية ويضعها تحت سيطرته، وعندما يحاول صياغة العلاقات الأممية على هواه بمعزل عن الأعراف والقوانين، وعندما يتصدى بنفسه للتغييرات والتطورات التاريخية الهائلة التي حدثت في البنية المادية والبشرية العالمية، ويحاول قهرها وإخضاعها بوسائل تبدو غريبة وغير مجدية على الإطلاق، مثل محاولته خصخصة الحكومات!