خصخصة استخدام القوة وتجنيد المرتزقة!
حتى مطلع هذا العام 2007، تعاقد الأميركيون بواسطة الشركات الأمنية الخاصة مع حوالي خمسين ألف شخص، ويقال سبعين ألفاً، ساقوهم من مختلف أنحاء العالم للعمل في ركابهم في العراق، وقد شكلت هيئة الأمم فريقاً دولياً مهمته ملاحقة قضية تجنيد المرتزقة، لأن عمليات التجنيد تخدع كثيراً من المتعاقدين وتوهمهم أنهم سيقومون بأعمال مدنية عادية! وقد زار الفريق الدولي عدداً من بلدان أميركا الجنوبية التي تشكل مصدراً من المصادر الرئيسية لتجنيد المرتزقة، فمن البيرو وحدها رصد الفريق الدولي أكثر من ألف مواطن جرى التعاقد معهم، ووجد أنهم يعملون الآن في العراق، وأثناء زيارته للعاصمة ليما تلا الاسباني خوسيه لويس جوميث، عضو الفريق الدولي، تقرير الأمم المتحدة حول قضية تجنيد الأميركيين للمرتزقة، وجاء في التقرير أن التعاقد مع المواطنين يتم على أساس أنهم سيقومون بأعمال عادية، لكنهم بعد وصولهم إلى العراق يتلقون تدريباً عسكرياً مكثفاً وسريعاً، ويزجّ بهم في مهام حربية غير متوقعة، ويجدون أنفسهم متورطين تماماً في الحرب!
لقد أوضح تقرير الأمم المتحدة أن عمليات التعاقد مع المواطنين، من مختلف الجنسيات وفي العديد من البلدان، تجريها شركات وهمية يدخل موظفوها بلداً من البلدان، ويفتتحون مكتباً لمدة شهر، فيبرمون العقود ويرسلون أصحابها بعيداً إلى ميادين القتال، ثم تختفي الشركة بعد ذلك دون أن تترك وراءها أي أثر! وإزاء هذه الحالات أوصى الفريق الدولي سلطات البيرو بالانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة، الصادرة عام 1989، وأوصاها تنظيم سجلات واضحة للشركات الأمنية، والتحقق من مهماتها كما ينبغي! وجدير بالذكر أن الفريق الدولي، المتخصص بمكافحة عمليات تجنيد المرتزقة، تشكل من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم عام 2005، وبالطبع كان احتلال الأميركيين لأفغانستان والعراق وما ترتب عليه من مآسي هو الدافع المباشر لتشكيله، وكانت حكومة البيرو قد تقدمت بشكوى إلى مقرر الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة بعد أن توالى وصول جثث مواطنيها من أفغانستان والعراق، وبعد أن تأكدت أن 850 من هؤلاء المواطنين يعملون حراساً أمنيين في المناطق التي تتمركز فيها القوات الأميركية، وحراساً لمنشآت السفارة الأميركية في بغداد، فيتولون مهمة مراقبة المشاة والمركبات، ويحصلون بالمقابل على ألف دولار شهرياً، من دون أن يتمتعوا بميزة التأمين على الحياة وببقية المزايا التي يتمتع بها الجندي الأميركي النظامي!
لقد جاءت زيارة الوفد الدولي للبيرو، في شباط /فبراير الماضي، بناء على ضغوط مارسها شعب البيرو وليس بدعوة من حكومته، ولكن أثناء الزيارة اقتنعت حكومة البيرو بالتوقيع على الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة، لتصبح بذلك خامس دولة من دول أميركا الجنوبية والدولة التاسعة والعشرين في العالم!
لقد أوضحت رئيسة الفريق الدولي لمناهضة تجنيد المرتزقة أن الفريق كشف سلسلة من الظواهر المشتركة في مختلف دول أميركا اللاتينية، وأن هذه الظواهر قادته لزيارة ثلاث دول، هي هندوراس والاكوادور ثم البيرو، وأنه سوف يجري تحريات في تشيلي وكولومبيا، وفي جميع الحالات كان الفريق هو من يطلب الزيارة، وليست الحكومات من تدعوه وهذا أمر مفهوم إذا ما أخذنا بالاعتبار نفوذ الولايات المتحدة وسطوتها على الكثير من الحكومات، بل على هيئة الأمم المتحدة التي لا يؤمل أن تحقق جهودها لمناهضة تجنيد المرتزقة تقدماً مهماً، وليس العدد الضئيل من الدول الموقع على اتفاقية مناهضة تجنيد المرتزقة سوى الدليل القاطع على ذلك!
إننا إذا ما عدنا إلى القانون الدولي فسوف نجده يحظر على الناس مجرّد العمل كمرتزقة بغض النظر عن طبيعة المهمة ودوافعها وأهدافها، غير أن الالتفاف يجري على القانون الدولي بأن يتم التعاقد على أعمال مدنية عادية في البداية، ثم تتغير طبيعة الوظيفة بعد وصول المتعاقد إلى الميدان، ليصبح مرتزقاً سواء بمعرفته وبإرادته أو من دون معرفته وخلافاً لإرادته! وهكذا فإن تجنيد الأشخاص للعمل كمرتزقة محظور، لكن هذا الأمر لا تكشفه العقود، فيفقد التشريع الدولي فعاليته، حيث ثمة فراغ قانوني تستغله الشركات الخاصة كما يقول موظفو الأمم المتحدة، وقد حدث هذا الفراغ نتيجة الدخول عالمياً في مرحلة خصخصة استخدام القوة، ونتيجة تحوّل الولايات المتحدة وحليفاتها وأتباعها إلى خصخصة خدمات الأمن في الدولة، الأمر الذي ترتب عليه انهيار فقرة أساسية في العمود الذي تنهض عليه الدول، والتأسيس ضمناً لسلسلة من الأخطار المخيفة التي سوف تتعرض لها الدول والمجتمعات!
لقد أولى فريق الأمم المتحدة، المكلف بالتأكّد من مدى الالتزام بالاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة، اهتمامه وجهده للقضايا التي يستطيع معالجتها دون الاصطدام بالإدارة الأميركية التي صار تجنيد المرتزقة عملاً عادياً في نطاق عملياتها الحربية، فالمرتزقة في معظمهم ليسوا مضللين أو مخدوعين، بل ذهبوا إلى ميادين الحرب عن سابق تصميم وتصور، وقد رأينا أفعالهم في مدينة الفلوجة وفي سجن أبي غريب خاصة، وفي المواقع الأخرى عامة، ونحن على يقين أنهم وراء الجرائم الفظيعة التي يتعرض لها المواطنون الأبرياء وتتعرض لها دور العبادة، وهكذا وجد الفريق الدولي نفسه يتعلق بشعرة المرتزقة المخدوعين، الذين يتحول بعضهم لاحقاً إلى مجرمين قتلة، فأولاهم عنايته كضحايا، متجنباً إغضاب الأميركيين بالدخول في صلب الموضوع، وهو: خصخصة استخدام القوة وتجنيد المرتزقة في زمن العولمة الاحتكارية الأميركية!