خرافات فولول واستجابات ريغان!

بقلم: نصر شمالي

كما ذكرنا في المقالة السابقة، كان للقس اللوثري جيري فولول، الذي رحل عن الدنيا أخيراً، تأثير كبير على الرئيس رونالد ريغان أولاً، وعلى الرئيسين بوش الأب وبوش الابن ثانياً، وقد كتب روني داغر مقالة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، نقلاً عن صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، تحت عنوان: "ريغان النبي الجديد"! جاء فيها مايلي: "لا أجد في تصريحات الرئيس ريغان حول هرمجدون (مجدّو) ما هو دقيق ومحدد ومتصل. غير أن ما صدر عن الرئيس حول هذا الموضوع يعطي انطباعاً بأن ما قاله أقرب إلى تعليقات وشروحات رجال اللاهوت البروتستانت، المؤمنين بحرفية وعصمة الكتاب المقدس (العهد القديم). إنهم أولئك الأشخاص الذين يتنبأون بحتمية وقوع معركة فاصلة قريبة بين قوى الخير وقوى الشر، حرب تعمّ الشرق الأوسط، وتستخدم فيها الأسلحة الذرية"!

كان رونالد ريغان قد أعلن على شاشات التلفزة، خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 1980، وكذلك في مقابلة أجراها معه الواعظ جيم باكر، مايلي: "يمكن أن يكون جيلنا هو الجيل الذي سيرى هرمجدون"! وقد كان اللاهوتيون إياهم، وعلى رأسهم القس جيري فولول، يتنبؤون من جهتهم طوال الوقت بظهور عجائب أشارت إليها المخطوطات القديمة، وأنه سوف يلي العجائب المتوقعة ظهور المسيح، ثم تعقب ذلك فترة سلام تمتد ألف عام، الأمر الذي يعني حسب شروحاتهم نهاية العالم القديم وبداية عالم جديد!

انتظار هرمجدون في لبنان!

لقد وقف الرئيس رونالد ريغان شخصياً أمام جمع من يهود نيويورك ليقول: "إن (إسرائيل) هي الديمقراطية الوحيدة التي يمكننا الاعتماد عليها في بقعة من العالم قد تشهد مأساة هرمجدون"! وإنه لمن المثير هذا الربط بين الديمقراطية وبين الدمار الشامل المطلوب كمدخل لظهور السيد المسيح ثانيةً!

في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1983، اتصل الرئيس ريغان هاتفياً بالصهيوني توماس دين مدير لجنة العلاقات العامة الأميركية/الإسرائيلية، ليشكره على مساعيه في إقناع الكونغرس بالسماح للرئيس أن يبقي قوات المارينز الأميركية في لبنان لمدة ثمانية عشر شهر أخرى! وقد سجل حديث الرئيس الهاتفي كتابةً، وفيه يقول ريغان مخاطباً دين: "إنني أعود إلى أنبيائكم في العهد القديم، وإلى النذر التي وردت والتي تسبق هرمجدون، وأسائل نفسي عما إذا كان جيلنا سيرى هذه الواقعة، ولا أدري إذا أنت لاحظت مؤخراً تحقق هذه النبؤات. صدقني إن النبؤات تصف بكل وضوح أيامنا التي نعيشها الآن"!

كان هذا رئيس الولايات المتحدة يتحدث بمثل هذا الشغف عن قرب وقوع الدمار الشامل للعالم، انطلاقاً من مجدّو (هرمجدون) في فلسطين، ويعبّر عن امتنانه لأن الكونغرس وافق على بقاء قواته المسلحة في لبنان، على مرمى حجر من هرمجدون مركز انطلاق الدمار الشامل! لقد نشرت هذا المقطع من حديث الرئيس ريغان إلى دين صحيفة "جيروزاليم بوست" الصهيونية!

ماذا يقول اللاهوتيون للرئيس؟

بعد أكثر من شهر على حديث ريغان إلى دين، تحديداً في 6 كانون الأول/ديسمبر 1983، قابل صحفيان من مجلة "بيبول" الرئيس ريغان، وأجريا معه الحوار التالي:

المجلة: نشرت الجيروزاليم بوست أنك قلت بأن جيلنا قد يشهد موقعة هرمجدون، وهذا يعني أن كثيراً من النبؤات التوراتية تؤثر على تفكيركم الآن، هل تعتقدون بذلك حقاً؟!

الرئيس ريغان: لم أصرح علناً بما تقول، بل حدّثت بذلك بعض معارفي. إن اللاهوتيين يشرحون لي منذ فترة طويلة ومازالوا بأن كثيراً من النبؤات قد تحققت كلها مجتمعة. لقد حدث في ماضي الأيام ما جعل الإنسان يعتقد بأن نهاية العالم أصبحت قريبة، لكن النذر لم تكن واضحة وضوحها في هذه الأيام!

المجلة: هل فكرت فيما تقوله ملياً؟!:

ريغان: ليس إلى الدرجة التي أنفض معها يدي وأقول: حسن، لقد انتهى كل شيء، كلا، أرى أنه إذا حان ذلك الوقت فإن على الجيل الحالي أن يعمل ما يراه صواباً!

بصدد الجانب الشكلي من هذا الموضوع الغريب العجيب كتب البروفيسور وليام مارتن، أستاذ علم الاجتماع في جامعة رايس، مقالة نشرتها مجلة "أتلانتيك" في حزيران/يونيو 1986، جاء فيها مايلي: "إذا ما أراد الرئيس ريغان تعيين شخص أو أكثر من الإنجيليين البروتستانت في وظائف حساسة في السلك السياسي الخارجي، فما هي حوافزهم في ممارساتهم السياسية لتأمين سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط إذا كانوا يعتقدون بأن هجوم روسيا (السوفييتية) على (إسرائيل) هو المقدمة الحتمية للألف سنة السعيدة التي تنبأت بها الكتب المقدسة؟! وإذا كان تدمير روسيا ذرياً مقدراً في حسابات ما قبل ألف عام فهل هناك من ضمانة تمنع ذلك السياسي، أو ذاك الجنرال المؤمن بحتمية النصوص التوراتية، من أن يضغط على ذلك الزر الرهيب النووي، معتقداً أنه شخصياً ليس إلا أداة في يد الرب وفي خدمة الخلود؟!".

تذكروا المجمع الصناعي العسكري!

في الحقيقة إن سؤال وليام مارتن وجيه جداً، حيث الأمر لا يقتصر على الرئيس ريغان وحده، فوزير دفاعه كاسبر واينبرغر أجاب على سؤال وجهه إليه طلاب جامعة هارفرد حول نهاية العالم استناداً إلى سفر الرؤيا، فقال: "أعتقد أن عالمنا سوف يصل إلى نهايته بفعل الإله الرب، وهذا ما أتمناه، على أني أرى الوقت يمر سريعاً وأرى النهاية قريبة"!

والآن، أين هي الحدود بين الجد والهزل، بين الدين والدنيا، وبين المناورات السياسية والمبادئ العقائدية في هذا الذي طالعناه؟ إنه لمن الواضح أن المجمع الصناعي العسكري الأميركي، الذي يحكم الولايات المتحدة حقاً وفعلاً، ينظر إلى حياة البشر على أنها مجرد ملهاة مأساوية، مثل مسرحية أو رواية سينمائية، وأنه يراهن على سذاجة السواد الأعظم من البسطاء، خاصة في الولايات المتحدة، هذا السواد الذي يجب أن يكون جاهزاً دائماً للانخراط في المذابح والمحارق عن رضى وقناعة يستمدهما من النبؤات التوراتية، بينما يحصد المجمع الاحتكاري خيرات الأرض المسمّدة بجثث البشر!

  www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1