حصة المواطن الأميركي من فظائع حكومته!
بقلم: نصر شمالي
في معرض التصدّي للمفكرين والقادة الأميركيين الذين يشجبون الحرب ضدّ العراق، ويعارضون إرسال مزيد من الجنود بدلاً من الانسحاب، أعلن أحد كبار المسؤولين في إدارة الرئيس جورج بوش أن مثل هذه الاعتراضات والدعوات تصل إلى مستوى الخيانة الوطنية العظمى! وفي الوقت نفسه أكّد نائب الرئيس، ديك تشيني، أن القوات الأميركية باقية في العراق لسنوات طويلة! ويحدث هذا بينما يجمع عدد كبير من الخبراء، في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم عموماً، على أن فظائع هذه الحرب لن تقتصر على العراق، بل ستتصاعد أكثر فأكثر في الولايات المتحدة بالذات، ملحقة بها مزيداً من الأضرار الأشدّ فداحة داخلياً وخارجياً!
الاعتداء على الحقوق الخاصة!
لن نعرض هنا مآسي العراق بكل هولها ورهبتها، والتي يواجهها العراقيون بصبر جميل ووعي عميق وبسالة منقطعة النظير، بل سنشير باقتضاب فقط إلى حصة الأميركيين داخل الولايات المتحدة من الفظائع التي سببتها سياسات حكومتهم، حيث مخاوف المواطن الأميركي تتعاظم أكثر بصدد حياته اليومية وحريته الشخصية، وهي المخاوف التي ظهرت منذ الأشهر القليلة التي تلت احتلال العراق.
في 23/9/2003، قالت صحيفة هيرالد تريبيون أن إدارة الرئيس بوش عازمة على تعديل القانون الوطني الأساسي، بإدخال نصوص جديدة تمنح السلطات الحكومية والمخابرات صلاحيات واسعة للتدخل في حرمة الحياة الخاصة للمواطنين الأميركيين، وأن هذا التعديل يستند إلى ثلاث نقاط أساسية أعلنها الرئيس بوش وهي: أولاً، منح السلطات الحكومية حق تفتيش المنازل والأماكن الأخرى، وحق الاستيلاء على الأوراق والوثائق والمستندات، وحق انتزاع الاعترافات والشهادات من الأشخاص، من دون قرار من السلطات القضائية، ومن دون حضور محامين! ثانياً، التوسع في تنفيذ عقوبة الإعدام! ثالثاً، الحدّ من حقوق السجناء والموقوفين على ذمة التحقيق في طلب الإفراج عنهم بموجب سند كفالة!
كتم أصوات الأميركيين العقلاء!
يقول الأميركيون أنه لم يسبق لأية حكومة في تاريخ الولايات المتحدة أن أمسكت بالمواطن وضيقت عليه الخناق كما يحدث الآن! وقد أضافت صحيفة هيرالد تريبيون أنه: كان الأجدر بالحكومة أن تحترم وتحمي أمن وحرية المواطن الأميركي، لا أن تقوم بخنق الحريات التي كانت دائماً موضع فخر أميركا والأميركيين! أما صحيفة واشنطن بوست فقد قالت أن الرئيس بوش يستغل أحداث أيلول/ سبتمبر لتبرير ما تفعله القوات الأميركية من فظائع في العراق، ولتبرير سعيه إلى الاستيلاء على النفط في العراق وبحر قزوين، وهو يعمل على إسكات المعترضين على سياسته المالية، بتخفيض الضرائب المفروضة على الأغنياء، واحتجاجهم على زيادة البطالة وزيادة عجز الميزانية! إن الرئيس بوش يستغل أحداث أيلول/ سبتمبر والحرب على الإرهاب لإسكات المطالبين بمناقشة التزايد الهائل في الإنفاق العسكري، وإدارته لا تسمح بتوجيه النقد أو الاعتراض على مشاريعها، فتكتم أصوات الأميركيين العقلاء الذين يحاولون الحدّ من سلطاتها الهائلة، وهو ما لم يحدث مثله أبداً في مجمل التاريخ الأميركي كما تقول الصحيفة! وبالفعل، رأينا مؤخراً كيف تجاهلت إدارة الرئيس بوش البنود الأساسية في تقرير بيكر/ هاملتون، بل فعلت نقيض ما أوصت به بصدد العراق والمنطقة العربية عموماً!
حكومة سرية خارج القانون!
لقد جاءت إدارة بوش إلى الحكم في مطلع عام 2001، غير أن طاقمها من المحافظين الجدد الصهاينة كان قد أعدّ برنامجها الاستراتيجي منذ عام 1997 على الأقل، وهو برنامج انقلابي على الصعيد الدولي وعلى صعيد الداخل الأميركي أيضاً. إنه برنامج خطير ينزع نحو مزيد من المركزية الاستبدادية الاحتكارية في جميع ميادين الحياة الدولية، بما فيها ميادين الحياة في الولايات المتحدة!
ولعل أحداث أيلول/ سبتمبر لم تكن، من وجهة نظر هذه الإدارة الصهيونية، كارثة بمقدار ما كانت فرصة جيدة تمكنها من تنفيذ برنامجها الاستراتيجي الانقلابي الدولي! ففي مقالة نشرتها صحيفتا نيويورك تايمز وهيرالد تريبيون (19/12/2001) بدا واضحاً أن هناك أميركيين يعرفون جيداً نوايا حكومتهم الانقلابية، فقد جاء في المقالة التي كتبها تشارلز ليفيندوسكي أن حكومة الرئيس بوش تحولت إلى حكومة سرية لا يملك أحد الحق في محاسبتها سوى الرئيس بوش نفسه! أما الكونغرس فيبدو عاجزاً عن منع هذه الحكومة من سوء استخدام سلطاتها في عمليات التفتيش والاعتقال! وبسبب الخوف من الإرهاب والإرهابيين، الذي تنشره الحكومة، لم يعد الأميركيون قادرين على الاعتراض! غير أن الخوف من الإرهابيين، أو الرغبة في الانتقام منهم، ليس سبباً منطقياً مقبولاً لتبرير ما يحدث من انتهاك لتقاليد الحرية الأميركية، ومن استهانة بالدستور الأميركي، وبالقوانين والمواثيق والحقوق الأميركية، علماً أن المواثيق لا تتحدث عن حقوق الأميركيين وحدهم، بل تتحدث عن حقوق الناس عموماً سواء أكانوا أميركيين أو أجانب!
www.snurl.com/375h