ثلاثة ثوابت استراتيجية تحكم العالم!

بقلم: نصر شمالي

على الواهمين الذين يهدرون جهودهم وطاقات شعوبهم بالرهان على العدالة الدولية أن يدركوا بأنه ليس ثمة عدالة دولية، وأنه إذا كان لابد من التعامل مع الهيئات المعنية بالعدالة صورياً فإن ذلك يمكن أن يكون مفيداً بعد امتلاك الإرادة الذاتية، والقوة الذاتية، والبرنامج الخاص لنيل الحرية واسترداد الحقوق، فهذا العالم محكوم، منذ مطلع القرن العشرين أكثر من ذي قبل، بثلاثة ثوابت وضعتها لندن وواشنطن وحليفاتها، وفرضتها على العالم بواسطة القوة الباغية، وهي ثوابت كان من شأنها إبقاء الأمم مقسومة إلى خمس ثري وأربعة أخماس محرومة، واليوم إلى ستة أسداس، سدس وخمسة أسداس، أي أن الفوارق والهوّة تتسع أكثر فأكثر!

الثابت الأول هو الحدود!

لقد رسموا حدود دول العالم أجمع كما شاؤوا، وبالصورة التي تتفق تماماً مع أي من مصالحهم مهما صغرت، فأقاموا دولة حول كل مزرعة موز، أو حقل مطاط، أو منجم نحاس، أو بئر نفط.. الخ، وقد أدى ذلك إلى اضطراب حياة الأمم داخلياً وخارجياً أيّما اضطراب، فقد فرقوا بين الأهل، وزرعوا بذور التناقض المفتعل القاتل في كل شبر من كوكب الأرض، وفي كل نفس واحدة من النفوس، وسهروا بقواتهم وأجهزتهم وعملائهم على صيانة خارطتهم العالمية كما وضعوها، وقد عنى ذلك عدم السماح، تحت طائلة عمليات التدمير الشامل بل الإبادة أحياناً، باختراق الحدود التي رسموها، وبينما تتعذّب الشعوب داخل الحدود المصطنعة، التي تشبه قضبان السجون، انطلقوا هم ينفردون بكل جزء على حدة، وينضحون ثرواته نضحاً إجرامياً لا هوادة فيه ولا رحمة.

الثابت الثاني هو الإرث المشترك!

لقد عززوا الثابت الأول المتعلق بالحدود بالثابت الثاني المتعلق بالإرث المشترك، أو التركة المشتركة للبشرية، فراحوا يردّدون أنه ليس من حق أمة عاجزة عن استثمار ثرواتها الطبيعية منع الأمم الأخرى القادرة على استثمارها من الوصول إليها! ولو أنهم مخلصون في التعامل مع ثروات الأرض كإرث مشترك حقاً لما كانت ثمة مشكلة، حيث يأخذ القوي بيد الضعيف، لكنهم فعلوا العكس، فحالوا بين الأمم وبين النهوض بعبء استثمار ثرواتها، بل حققوا الفصل التام بين الثروات ذات القيمة الاستراتيجية العالمية، وأولها النفط، وبين الاقتصاد الوطني للأمة المسجونة المنهوبة، فقد أدخلوا ثروات الأمم المغلوبة في دورة اقتصاد السوق التي يمسكون بزمامها ويسيطرون عليها بالكامل، ومنعوا دخولها ولو جزئياً في دورة الاقتصاد الوطني لأصحابها، وصار معلوماً للجميع، خاصة بلدان النفط، أن أية محاولة لاختراق هذا الثابت سوف تعرض صاحبها لخطر الدمار الشامل، وهو ما رأيناه مؤخراً في العراق وما يعدّ لفنزويلا وغيرها!

الثابت الثالث هو أحقية الأمم!

لقد دعموا بالثابت الثالث ما قبله، فأكدوا بحزم على أطروحة أحقية الأمم العنصرية العبودية، فالأمم كما يريدون تنقسم إلى نوعين: أمم منتجة للحضارة، هي الخمس ثم السدس، وأكثرية غير مؤهلة أصلاً لإنتاجها! وقد راحوا يكتبون أن المساواة بين البشر هي محض خرافة، وأن عامل الوراثة هو أهم شيء في تكوين الإنسان، وأن مبدأ تكافؤ الفرص بين الأفراد أو بين الشعوب هو بدوره خرافة، فلا مساواة بين الأجناس ولا بين الأفراد ولا بين الشعوب والأمم، ولم يتردّدوا في القول علناً أن العرب والأفارقة، مثلاً، أجناس دنيا لا يمكنها الوصول إلى العلوم وتحقيق الحضارة الرفيعة، وأجملوا أن المصير التاريخي للمجتمعات البشرية يقوم على النخبة وليس على الجماهير، وأن حماية الحضارة هي مسؤولية جنس أو أجناس بعينها، بينما الأجناس الأخرى الوضيعة تشكّل خطراً على الحضارة، وأنه يتوجب حماية مثل هذه الأجناس من نفسها بالوصاية عليها وتحديد موقعها وتعيين وظائفها كقوى عضلية في خدمة الحضارة الرفيعة، وهذا يعني، بالطبع، عدم السماح لها بامتلاك إرادتها وحريتها، والسهر طوال الوقت لمنعها من امتلاك أي سلاح مادي أو معنوي يجعلها متكافئة في القوة معهم، وهكذا فإن الدونيين الوضيعين إذا ما جرّبوا الخروج على هذا الثابت يتعرضون لخطر التدمير الشامل!

خلاص العالم بتغيير علاقاته!

لقد أوصلوا البشرية جمعاء ومعها كوكب الأرض إلى حافة الكارثة الماحقة، وها هو نظامهم العالمي الظالم يقف وقد نخره الفساد عاجزاً عن تلبية أبسط متطلبات الحياة المنطقية حتى في مراكزه. وعندما بلغ هذا النظام مرحلة القوة الأحادية فإن ذلك دلّل على تراجعه وضعفه بعكس ما توحي الظواهر السطحية، حيث الولايات المتحدة هي آخر احتياطياته الهائلة و لا احتياطيات ذاتية بعدها، أي أن النظام العالمي دخل مرحلته الأخيرة! وكيف لا يكون الحال كذلك والعالم يحكمه 350 مليارديراً دولارياً يملكون ما يعادل ملكية 40% من سكانه؟

لقد أوصل الاحتكاريون أموالهم الضخمة إلى طريق مسدود، فنتيجة عمليات الربا والنهب العشوائي والتبديد والإتلاف للثروات، سواء في المراكز أم في الأطراف، أصبحت الأمم جميعها مكبلة بأصفاد ديون هائلة لا ينفع لسدادها بيع بعض الدول المديونة بقضها وقضيضها، فالدول تقف عاجزة عن سداد فوائد الديون! ومن جهة أخرى تتراكم وتعدم كميات هائلة جداً من المواد الغذائية للحفاظ على سوية الأسعار، فقد أعدمت استراليا قبل مدة عشرين مليون رأس من الغنم لتحافظ على السعر العالي للأصواف، ويحدث هذا بينما تتوالى مسيرات الجوع في جنوبي العالم، وبينما يتساقط ملايين الضحايا على الدروب المقفرة في البراري المجدبة، وبعد أن قوّضت معظم عوامل الإنتاج والاستثمار الوطني في مناطق شاسعة من هذا الجنوب، بما فيها العوامل البدائية الطبيعية، وقد تمّ هذا التقويض عن سابق تصميم وتصوّر، إنما في نطاق الاندفاعة الميكانيكية العمياء الصماء التي تحكم حركة الشركات والحكومات والأوساط الاحتكارية المرابية!

أما عن الجانب المعنوي، الروحي والثقافي والأخلاقي، فحدّث ولا حرج، حيث العالم صار مقفراً موحشاً مجدباً، بل مرعباً، فلا فنون ولا آداب ولا شعر ولا موسيقى ولا مسرح ولا سينما، بل الخواء والموات واليأس والخبل، وشيوع العدمية الجاهلة! ليس ثمة حاضر مقبول ولا مستقبل مأمول، وأجهزة الإعلام الرهيبة المسيطر عليها بإحكام تروّج في كل شبر من الأرض للفساد مشيعة البأس والقنوط!

إن عالماً هذا حاله لا يمكن أن يستمر على هذا الحال، فإما الفناء والزوال، وهذا ما يدفع إليه المرابون القتلة، وإما الخلاص بتغيير العلاقات الدولية، أي بتغيير العالم وجعله في الوضع الطبيعي الذي يجب أن يكون عليه، وهذا ما تدفع إليه الأمم عموماً، وفي مقدمتها الأمة العربية والإسلامية.

www.snurl.com/375h        

 

Hosted by www.Geocities.ws

1