تحرير النفط عنوان استقلال العراق

بقلم: نصر شمالي

في البداية، عشية الاحتلال وعلى مدى الأشهر الأولى التي تلت الاحتلال، كانت السيطرة الأميركية على نفط العراق وتملّكه من أهم أهداف الأميركيين، حيث هناك أهداف لا تقلّ عنها إن لم تكن أكثر أهمية منها، نعني تلك الأهداف التي يمكن إجمالها تحت عنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير، أي السيطرة المباشرة وشبه المباشرة على جميع البلدان ما بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، وقد اعتقد الأميركيون –ويا للعجب- أن العراق بشعبه ونفطه سوف يكون قاعدة انطلاقهم لتحقيق تلك السيطرة القارية الشاملة، وبالطبع بنوا اعتقادهم على نتائج الحصار الذي دام ثلاثة عشر عاماً، متوهمين أن الشعب العراقي قد استسلم تماماً وأنه يرحّب بهم كمخلّصين كما أوحى لهم عملاؤهم، وهكذا اعتبروا السيطرة على نفط العراق تحصيل حاصل، وأنه أحد الأهداف المهمة لكنه ليس أهمها، أما اليوم، بعد انهيار مشروع الشرق الأوسط الكبير تحت ضربات المقاومة العراقية الباسلة، فإن السيطرة على النفط العراقي لم تعد من أهم الأهداف الأميركية، بل صارت الهدف الأول والوحيد!

إن المحتلين الأميركيين المثخنين بالجراح، الذين تبخرت أحلامهم الكبرى بصدد عالم يستعبدونه ويستثمرونه على مدى القرن الحالي، يخوضون اليوم حرباً تراجعية محتدمة في العراق وفي محيطه، وهم الذين كانوا يعتبرون العراق رصيدهم القوي وقاعدتهم الصلبة لتحقيق أهدافهم القارية الشريرة، حتى أنهم وضعوا عشية الاحتلال برنامجاً زمنياً تضمن ما سيحققونه من مكاسب، في ميدان النفط خاصة، خلال عشر سنوات وخلال ربع قرن وخلال نصف قرن بعد احتلال العراق! أما اليوم، فقد صار همهم هو الانسحاب من العراق بعد ضمان استئثارهم بنفطه، بموجب اتفاقية رسمية يبرمونها مع الحكومة العراقية المتعاونة معهم بعد أن تحظى بموافقة المجلس النيابي الذي انتخب في ظل الاحتلال، وهذه الاتفاقية تعطيهم حق استثمار النفط العراقي لمدة نصف قرن، وبنسبة أرباح تتعدى السبعين بالمئة من موارده!

غير أن الأميركيين في سعيهم للسيطرة على نفط العراق عن غير طريق العمليات العسكرية، بواسطة اتفاقية رسمية، إنما ينشدون المستحيل، ولن يفهم أحد كيف يأخذون سلماً ما عجزوا عن أخذه بالحرب! وقد أصابت قيادة البعث في العراق عندما أعلنت، بتاريخ 10/7/2007، أن من أهم معايير الموقف الوطني العراقي الآن هو معيار إبقاء تأميم النفط، ورفض عودة الشركات الأجنبية للسيطرة على هذه الثروة الاستراتيجية، موضحة أن من أهم أهداف المقاومة المسلحة بقاء النفط عراقي الملكية والصناعة والقرار والتوزيع، وعراقي الفائدة والخدمة، ومحذّرة أن لا تساهل مع أية خطوة تشكك بهذه البديهية الوطنية الأساسية، فتأميم النفط سيبقى العنوان الأول لاستقلال العراق، والتحرير العسكري للعراق، حين سيتحقق، لن يكون كاملاً إلا بتحرير النفط.

إن الأميركيين، في تعثّرهم وتخبطهم عبر حربهم التراجعية، يأملون أن يحققوا بالسياسة ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب، فالاتفاقية ستكون رسمية وقانونية، تضمنها كما يقال الأعراف والقوانين الدولية، ولن يستطيع العراقيون سوى الرضوخ للإدارة الدولية وإلا تعرضوا لغضب المجتمع الدولي وواجهوا تحالفه ضدهم فيما لو نقضوا الاتفاقية بعد التحرير، أما المثال على ذلك فهو قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا، حيث تلك القاعدة كانت موضوع اتفاقية أبرمتها الحكومة الأميركية مع عميلها الكوبي باتيستا قبل الثورة الكوبية ولم تستطع حكومة الثورة إلغاءها، وهكذا بقي الأميركيون في كوبا منذ منتصف القرن العشرين، ويفترض أن يبقوا فيها حتى منتصف هذا القرن، حيث الاتفاقية تعطيهم حق البقاء كمستأجرين لمدة 99 عاماً! وبهذا الصدد يقول بيان قيادة البعث في العراق أن الولايات المتحدة تريد الآن تكرار التجربة الكوبية، وأن على جميع العراقيين أن يفهموا الحقيقة الخطيرة لهذه الاتفاقية التي ستضع العراق المحرّر أمام تحدّ كبير، وهو مواجهة تعقيدات قانونية تتعلق بإلغاء الاتفاقية بعد التحرير، لأن العالم سيختلف حولها، وبذلك فإن قضية تحرير النفط سوف تتعقد مجدداً.

لقد حذرت قيادة البعث في بيانها الحكومة الأميركية من مغبّة ممارسة لعبة غوانتانامو في العراق، لأن العراق المحرّر لن يستسلم، وسوف يخوض حرباً لا هوادة فيها من أجل تحرير نفطه، فهو لن يكتفي باللجوء إلى القانون بل سيمارس حقه الطبيعي لاستعادة نفطه بجميع الطرق، وعلى الولايات المتحدة أن لا تنسى الفرق الجوهري بين وضع كوبا ووضع العراق.

إنه بيان دقيق يعكس إحساساً عالياً بالمسؤولية، ونضيف عليه أن الأمر لا يقتصر على الفرق الجوهري بين كوبا والعراق، من حيث الموقع الجغرافي مثلاً، بل هناك الفرق الجوهري في الظرف التاريخي، ففي كوبا قبل نصف قرن كانت الولايات المتحدة في أوج ازدهارها وصعودها، أما اليوم فإن جميع الدلائل تشير إلى أنها دخلت في طور الانكفاء والانحدار.

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1